Saturday, September 10, 2011

انقسام مسيحي حيال مواقف البطريرك من سوريا و«حزب الله»هل يواجه الراعي ما حاول تجنبه منذ انتخابه؟
دنيز عطاالله حداد
يبدو أن البطريرك بشارة الراعي، في مواقفه الاخيرة، يواجه داخل «الجمهور المسيحي» ما حاول تجنبه طويلا، منذ توليه سدة البطريركية. حرص البطريرك على إعادة مدّ
الجسور مع كل الطوائف اللبنانية ومع ممثليها الروحيين والسياسيين. استقبل وفودا من كل الاحزاب السياسية، ومنهم من لم يكن قد زار بكركي لسنوات خلت. لكن البطريرك
حرص خاصة على ترتيب «البيت المسيحي»، والماروني تحديدا. شاء ان يجمع تحت عباءته المتباعدين والمتخاصمين والمتحاربين. نجح في استثمار زخم انتخابه. فلبى الجميع
رغبته والتقوا لديه، تحكمهم حساباتهم ومصالحهم. فقسم يريد ترميم العلاقة مع بكركي بعد جفاء طويل مع سيدها السابق نصر الله صفير. ومنهم من يريد أن يحيط بالراعي،
كما أحاط بصفير، على اعتبار ان الخلف سيسلك نهج السلف.
حاول الراعي تجنب المواقف المحسوبة على طرف أو جهة. في فكره، كما في فكر معظم من سبقوه الى سدة البطريركية، ان بكركي هي المرجعية الاساسية للمسيحيين ومركز «الزعامة»
الاصلية والثابتة. وان على بكركي أن تعلن ثوابتها التي ترتكز على كل ما يختزنه الوجدان المسيحي منذ أكثر من 1600 سنة، وان تشكل هي «الحالة المسيحية». بالتالي
يجب أن تكون بكركي متبوعة لا تابعة. ان تكون خيارا لا ان تتبنى خيار الآخرين.
لكن الراعي يجد نفسه اليوم في مواجهة ما حاول تجنبه. فها هي مواقفه الصادرة في زيارته الباريسية تثير حفيظة قسم من «الجمهور المسيحي»، وتضع البطريرك تحت وابل
من الانتقادات التي صارت علنية بعد ان كانت هامسة. وها هم مسيحيو «14 آذار»، يرون في مواقفه الاخيرة من سوريا ومن سلاح «حزب الله» خروجا عن «القيم والمفاهيم
الوطنية والمسيحية».
يستند الراعي في مواقفه المتبنية لفكرة الاصلاحات في سوريا مع بقاء النظام الحالي الى تجارب المسيحيين في العراق ومصر. يحضر مثل مسيحيي العراق في كلامه باستمرار
ويعتبره النموذج الأسوأ لما يمكن ان تؤول اليه مصائر المسيحيين في المنطقة. «فتغيير النظام مترافقا مع الاحتلال وغياب أي تدريب أو ممارسة متجذرة للديموقراطية
جعل الاقوى يستقوي على الاضعف، وكشف عن الخلل في التركيبة المجتمعية وطفت على السطح كل الاصوليات، ربيبة الجهل والفقر والتخلف، فدفع المسيحيون الثمن قتلا وهجرة»،
بحسب مصدر كنسي يتشاطر الأفكار مع البطريرك الراعي. ويضيف «تخوفنا هو من أن تتطور الامور الى نحو مشابه في سوريا ويكون المسيحيون أول من يدفع الثمن». ويوضح
«نحن لا نحترم فقط كرامة الشخص البشري بل نقدسها، وبالتالي لا يمكننا أن نعارض مطالب الشعوب المحقة المطالبة بالديموقراطية وحماية حقوق الأفراد فيها، إلا اننا
لا يمكن ان نرضى، تحت هذه الذرائع، أن نشجع على الحروب الاهلية والفتن التي تنتهي ببطش الاكثريات بحقوق الاقليات وثقافتها وتراثها وحقها بالمساواة».
يعترض مسيحيو «14 آذار» بشدة على كلام الراعي. يعتبرونه «يناقض كل المبادئ التي دافعت وتدافع عنها الكنيسة». ويقول أحد النواب البارزين «ان في كلام الراعي تناقضا
مقلقا. فهو تقدمي ومنفتح في الكلام عن الحرية والديموقراطية وتعدد الآراء في لبنان، ويدعو الى قيام دولة مدنية عادلة. وحين يتحدث عن سوريا يبدو وكأنه مع قمع
الناس واضطهادهم والإبقاء على الحكم في يد مجموعة قامعة. أين مطالبته بالدولة المنفتحة على الجميع؟ أين حرصه على المواطنة إحدى أهم ركائز الدولة المدنية؟ لماذا
يدعو الى حماية الاقليات ومنها المسيحيون ولا يدعو الى معاملة الجميع بالمساواة نفسها كمواطنين؟». يضيف النائب «يقول الراعي إن المسيحيين في العالم العربي أسهموا
في بنائه في مختلف المجالات»، ويخاف «أن يخسر العالم العربي هذه القوة الحضارية». فهل يمكن للراعي أن يشرح لنا كيف يسهم المسيحيون اليوم في بناء مجتمعاتهم؟
أية قيم حضارية يدافعون عنها؟ وكيف يبرر الوقوف الى جانب الظلم والقمع وكمّ الأفواه والحريات؟».
لا يقتصر امتعاض «14 آذار» من مواقف الراعي الاخيرة على الموضوع السوري، بل ارتفعت الاصوات امس منتقدة كلامه عن سلاح «حزب الله». ويعبر مسؤول حزبي في «14 آذار»
عن دهشته واستغرابه لموقف الراعي من سلاح الحزب. ويسأل «كيف يشرّع بطريرك الموارنة وجود أي سلاح خارج الأطر الشرعية؟ ألم يدفع اللبنانيون عموما والمسيحيون خاصة
أثمانا باهظة وحروبا وفتنا، كالتي يخشاها البطريرك بسب مثل هذا السلاح؟ ثم عن أي أرض لبنانية غير محررة يتحدث؟ وأي كلام هذا عن بقاء السلاح خارج الدولة حتى
عودة الفلسطينيين واسترجاع أرضهم؟ لا يمكن التصديق ان مثل هذه التصاريح تصدر عن بطريرك الموارنة».

No comments:

Post a Comment