> تحرير الشبكة الخلوية الثالثة: القراصـنة غاضبون
تحرير الشبكة الخلوية الثالثة: القراصـنة غاضبون
عناصر المعلومات يطوقون مبنى الاتصالات في ايار الماضي (أرشيف ــ مروان طحطح)
هناك حكايات لا تُروى إلا من آخر فصولها. هذا ينطبق على حكاية الشبكة الخلوية الثالثة التي كادت الأحداث المتصلة بها أن تطيح نهائياً ما بقي من ظلال للدولة في
لبنان... في هذه الحكاية، انتصر «الأبطال على الحرامية»، تماماً كما في أفلام «الأكشن» الهوليوودية
محمد زبيب
الحكاية الحقيقية للشبكة الخلوية الثالثة لن ترضي الجميع حتماً، خصوصاً أن رحلة التنقيب عنها تفضح أكاذيب كثيرة، وأعمال تزوير موصوف، وممارسات فيها أنواع متعددة
من القرصنة والسطو على الملك العام والتحايل على القوانين والأنظمة، وتجاوز حدود السلطة، والخلط بين العام والخاص... فضلاً عن الغش والخداع والتضليل الإعلامي
واستحضار الانقسام المذهبي لتبرير كل ذلك، بل والدفاع عنه.
من هنا تبدأ الحكاية. من الطابق الثاني في مبنى وزارة الاتصالات في منطقة العدلية، حيث جرى تركيب (وتخزين) معدّات وتجهيزات تقنية ومنصّة ذكية تسمح بإنشاء وتشغيل
شبكة خلوية متكاملة تستوعب 50 ألف مشترك، وتغطّي مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية (والسورية). لم يكن أحد من المسؤولين في وزارة الاتصالات (والحكومة عموماً)
يعلم تماماً ماذا يحصل في هذا الطابق وعلى هذه الشبكة. كان الأمر بمثابة سرّ عميق! الشبهات كانت كثيرة وكبيرة، فالشبكة مشغّلة فعلياً، ويمكن أياً كان أن يلتقط
إشارتها على هاتفه الخلوي، والتقارير الفنية كانت تشير إلى وجود علامات جدّية على استخدامها لأغراض مختلفة، إلا أن الاستفسارات الموجّهة إلى رئيس هيئة «أوجيرو»
ومديرها العام عبد المنعم يوسف (الذي يشغل في الوقت نفسه مركزاً إدارياً ثالثاً على رأس مديرية الاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات التي تتولى مهمات تكليف
هيئة «أوجيرو» الرقابة على أعمالها!)، كانت لا تلقى الأجوبة الواضحة والمحددة. فغالباً ما كان ينفي تشغيل الشبكة شفهياً، ويمتنع عن تقديم أي إيضاحات خطّية كافية
وشافية، مدّعياً «استقلالية» مزعومة للهيئة، ومنتحلاً صفة المالك للشبكة عبر شركة وهمية لا أثر قانونياً لها تدعى «شركة أوجيرو تيليكوم»، متجاوزاً بذلك قانون
إنشاء هيئة «أوجيرو» الذي يحدد نطاقها بتسلّم منشآت وتجهيزات التلغراف حصراً بعد إنهاء امتياز «راديو أوريان» في عام 1972.
ووسط الجدل، برزت اتهامات لفرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي بأنه يستخدم هذه الشبكة الخلوية لأغراض تخصّه. وقد يكون استخدمها لإنشاء شبكة داخلية مقفلة أو
لتنفيذ مهمات محددة. إلا أن المصادر الرسمية في وزارة الاتصالات ترفض التعليق على هذه المعلومات، وترفض تبنّيها ما لم تكن هناك أدلّة دامغة وثابتة، نظراً إلى
خطورة مثل هذه الاتهامات. ولكن كل المعنيين في الوزارة نفسها يبتسمون عندما تُطرح عليهم أسئلة من هذا النوع. يقولون باستطراد، تاركين للسائل مهمّة التحليل والاستقراء:
الشبكة موجودة فعلياً، وهي مشغّلة خارج الأطر الشرعية، وتحكمها إجراءات شديدة السرّية والتكتّم. والسؤال برز عندما أصرّ فرع المعلومات على منع المسؤولين الرسميين
عن هذه الشبكة من الكشف عليها، كذلك فإن المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي رفض تنفيذ أوامر رئيسه المباشر، وزير الداخلية والبلديات السابق زياد
بارود، ما دفع الأخير إلى الاعتكاف، كذلك رفض تنفيذ أوامر القائد الأعلى للقوات المسلّحة ــــ رئيس الجمهورية ميشال سليمان. هذا التصرف جعل الشكوك تصاغ على
شكل سؤال: لماذا كل ذلك إذا لم يكن هناك ما يجب التستّر عليه؟ لا يعقل أن يوضع البلد أمام حالة هستيرية لمجرد أن عبد المنعم يوسف يرفض تنفيذ تعليمات رئيسه ــــ
وزير الاتصالات، ويصرّ على تمليك الشبكة إلى هيئة «أوجيرو» التي هي في الواقع الحقيقي مجرد مقاول في الباطن يعمل لمصلحة وزارة الاتصالات نفسها، فالمقاول لا
يمتلك شيئاً، وليس له أي قدر من الحرّية والاستقلالية.
بقيت بوابات هذا الطابق وغرفه الداخلية مقفلة طيلة الأشهر الأربعة الماضية، يحرسها جنود من الجيش اللبناني، هؤلاء الذين أوعزت إليهم قيادتهم تنفيذ مهمّة ليست
من اختصاصهم أصلاً. فالجيش وجد نفسه مضطراً إلى الحلول محل السلطة السياسية العاجزة، و«إنهاء حال التمرّد التي قام بها فرع المعلومات»، وتفادي صدام دموي كاد
أن يقع فعلياً، إلا أن ذلك لم يحصل إلا بعد 7 أيام من احتلال فرع المعلومات للمبنى الحكومي، اعتباراً من الثالثة من بعد ظهر الجمعة في 20 أيار الماضي حتى مساء
الجمعة في 27 أيار نفسه. هذه الفترة كانت كافية لإخفاء ومسح الكثير من المعلومات والأدلة على «الجريمة»، وهناك معلومات تتداول أن عناصر فرع المعلومات يدخلون
إلى المبنى ويخرجون محمّلين بحقائب كثيرة، تقول مصادر مطّلعة إنها تحوي تجهيزات فُكّكت بإشراف خبراء وفنيين جنّدهم الفرع، وهو ما أكدته معاينة أوّلية أجرتها
منذ أيام قليلة اللجنة الفنية المؤلفة في وزارة الاتصالات للكشف على الشبكة ومحاولة معرفة الأهداف التي كان تُحقّق عبرها، علماً بأن وزارة الاتصالات طلبت من
شركة «هواوي» المصنّعة لهذه الشبكة تكليف خبراء منها لإعداد تقرير فنّي دقيق يسهم في توفير الأجوبة المطلوبة.
في الشهر الماضي، بعد أن أمسك بملفاته جيّداً ودرسها من النواحي الدستورية والقانونية والإدارية، اتخذ وزير الاتصالات نقولا صحناوي قراره بتحرير الطابق «الأسود»
من مبنى وزارته في منطقة العدلية، خطّط لذلك ملياً، وأعدّ للعملية بإتقان شديد: طلب من الجيش، بواسطة وزير الدفاع، إخلاء المبنى بسبب انتفاء الحاجة، وطلب من
وزارة الداخلية إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي عبر تكليف جهاز أمن السفارات والمباني الحكومية بتولّي مهمات حراسة المبنى كسائر مباني الوزارات والإدارات الحكومية
الأخرى، وطلب من أجهزة الوزارة اتخاذ كل التدابير اللازمة لاستعادة سلطة الدولة التي تجسّدها الوزارة في «كل ما خُصّ بها».
حدّد الساعة الصفر عند التاسعة من قبل ظهر الجمعة في الثالث والعشرين من أيلول الجاري. فتح باب وزارته بمواكبة قوى الأمن الداخلي ــــ جهاز أمن السفارات والمباني
الحكومية ــــ وأفسح في المجال أمام مديريات الوزارة للقيام بوظائفها ومهماتها، بما في ذلك اللجنة الفنية التي عجزت عن تنفيذ مهمّتها طيلة الأشهر الماضية بسبب
هذا الوضع الشاذ.
أنجز المهمّة التي أناطها به الدستور في المادة 66 منه التي تقول: «إدارة مصالح الدولة وتطبيق الأنظمة والقوانين المتعلّقة بالأمور العائدة إلى إدارته وما خص
به». وأعلن من داخل المبنى أن الدولة استرجعت بعضاً من هيبتها التي هدرها قراصنة متمرّدون يريدون المحافظة على إقطاعيات بنوها في غفلة عن الناس عبر التزوير
والبلطجة.
جاءت ردود فعل القراصنة باهتة وعاجزة. فلا رئيس مجلس إدارة شركة «ميس» ومديرها العام غازي يوسف نجح في استثارة الغرائز، إذ كيف يمكن أن ينجح في ذلك من هناك
طعون جدّية في نيابته، لكونه يشغل وظيفة في شركة مملوكة من الدولة، وهو لا يأبه بذلك ويصرّ على مخالفة القانون الذي يمنعه من الجمع بين النيابة والوظيفة المذكورة؟
ولا النائب مروان حمادة نجح في ذلك لكونه هو الذي تخلى عن مسؤولياته الدستورية عندما تولّى حقيبة وزارة الاتصالات، وشارك في تجيير الشبكة الخلوية الثالثة لجهة
لا تمتلكها خلافاً للقانون... فيما عبد المنعم يوسف فشل في توريط المدّعي العام القاضي سعيد ميرزا في قضية اختلقها عبر تقديم إخبار غير مستند إلى أي مسوّغ قانوني
ثابت، ما عدا قرارات لمجلس الوزراء مشكوك في صحتها. فالقاضي ميرزا لم يجد طريقة لتبرير وضع اليد على قضية «الطابق الأسود»، إذ كيف يمكن أن يفعل ذلك الآن في
مواجهة وزارة الاتصالات التي تعود ملكية المبنى والتجهيزات إليها، فيما لم يحرّك ساكناً عندما تمرّد موظّفون في «أوجيرو» وقوى الأمن الداخلي وارتكبوا جرائم
يعاقب عليها القانون باحتلال مبنى حكومي وتهديد وزير الاتصالات السابق وموظّفين عامّين بالسلاح؟! رفض القاضي ميرزا التورّط في قضية خاسرة، على عكس ما حاول تلفزيون
أخبار المستقبل إشاعته لفترة قصيرة عن وضع يد المدّعي العام على «قضية دخول وزير الاتصالات إلى وزارته».
نجح صحناوي في مهمته، لكنّ القراصنة من دون متابعة. وقد يأتي اليوم الذي يكون في مقدور القضاء اللبناني سوقهم إلى المحاكمة.
j
Friday, September 30, 2011
> دليل الاتصالات... لا دليل
دليل الاتصالات... لا دليل
يحيى دبوق
القرار الاتهامي الصادر عن المدّعي العام للمحكمة الخاصة بلبنان، دانيال بلمار، بحق أربعة أشخاص «مناصرين لحزب الله»، كما يرد في الفقرة 59 من القرار نفسه، يستند،
كما بات معروفاً، إلى الدليل الظرفي، المستند بدوره، وبنحو شبه كامل، إلى تحليل «داتا» الاتصالات الخلوية في لبنان. وإذا كان النقاش قد تمحور أخيراً، وعن حق،
حول قيمة الأدلة الظرفية، وإمكان اعتمادها والبناء عليها كدليل إثبات أو نفي من ناحية قضائية في سياق الاتهام والإدانة، إلا أنه يجب، مسبقاً وقبل ذلك، النقاش
في أصل وجود هذه الأدلة وقيامها من ناحية فعلية، قبل وصفها بأنها أدلة ظرفية أو أدلة قاطعة، أي قبل أي سجال بشأن فاعليتها وقوة إثباتها. إذا تبيّن، أو إذا أثيرت
الشكوك المعتبرة والممكنة واقعاً في أن عمليات ربط وتحليل داتا الاتصالات تشوبها شائبة، أو أن أصل الداتا مشكوك في صحته ودقته، أو أن بإمكان طرف ما أن يتلاعب
بها، فلا إمكان بالتالي، لانتفاء المطلب، اعتبار «الأدلة» المستندة إليها، أدلة أساساً، وبالتالي لا حاجة إلى وصفها بظرفية أو قاطعة، فسلب الثقة بالدلالة عن
الأدلة، ينفيها، ويحوّلها إلى نتائج مشكوك فيها، على أقل تقدير.
في الماضي غير البعيد، أقرّ المسؤول السابق عن العمليات التنفيذية في الموساد الإسرائيلي، غاد شمرون، (القناة العاشرة الإسرائيلية 16/12/2010)، في سياق تعليقه
على اكتشاف أجهزة تنصّت إسرائيلية في جبال صنين، بأن «تجسّس إسرائيل على لبنان ليس جديداً، خصوصاً أن لديها قدرات تنفيذية مهمة جداً وقدراتها غير محدودة»، مؤكداً
أنه «في عالم الاستخبارات، لا يوجد ما هو غير ممكن».
في الماضي البعيد نسبياً، والبعد هنا ذو دلالات تتعلق بقدرة التجسّس الإسرائيلية الفعلية، نشرت صحيفة «هآرتس» تقريراً أشارت فيه إلى أن علماء إسرائيليين في
كلية «التخنيون» في جامعة حيفا اكتشفوا طريقة لاختراق شبكات الهواتف الخلوية العاملة بنظام GSM، الأمر الذي يُمكّن من التنصّت على المكالمات الهاتفية، وإرسال
الرسائل والمكالمات وتلقّيها، من دون أن يدري أصحابها الحقيقيون بما يجري، وفي الوقت نفسه إيهام شبكات الهاتف الخلوي ومراكز التحكم فيها بأن الاتصال طبيعي ولا
شائبة فيه.
خبر «هآرتس» (المنشور بتاريخ 03/09/2003)، أخرج في حينه نقاشات تقنية في مناعة نظام الـGSM وضعف أنظمة حمايته إلى العلن، وأسّس لندوات ومؤتمرات حول العالم،
شهدت بدورها على ضعف الحماية وإمكانات الخرق، وأيضاً على المستوى الذي وصلت إليه الاستخبارات والأجهزة الأمنية، وما تملكه من تقنيات خرق وتنصّت في هذا المجال.
إلا أن متابع الشأن الإسرائيلي توقف بدوره عند حقيقة واضحة في دولة كإسرائيل، هي أن الرقيب العسكري في تل أبيب ما كان ليمكّن وسائل الإعلام من أن تنشر «كشفاً»
خبرياً كهذا، متولّداً في إسرائيل نفسها، لو لم تكن قدرات الاستخبارات فيها قد قطعت أشواطاً بعيدة جداً في مجالات الخرق والتنصّت، أكثر بكثير مما أُعلن.
من عام 2003 إلى عام 2005، العام الذي شهد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان، وصولاً إلى عام 2011، شهد «قطاع التنصّت» وخرق الشبكات انتقالاً نوعياً في إسرائيل
والعالم، وتمدّدت مجالات استخدامه وإمكانياته، ولم تعد مقتصرة، وحكراً فقط، على الاستخبارات و«تجارب» العلماء في المراكز البحثية، بل انتقلت عملياً إلى السوق
المدني، كأداة في صراع الشركات التجارية، بل أكثر من ذلك إلى استخدام الهواة ومحبّي الإثارة.
أخيراً، عرضت القناة الأولى الإسرائيلية، قبل أيام، تقريراً عن «قطاع التنصّت» وقدراته، وما بات متاحاً للعامة والهواة فضلاً عن الاستخبارات. يشير التقرير بوضوح
إلى أن في إمكان أي هاوٍ أن يخترق الشبكات ويتسلّط على الخطوط ويتحدث منها ويتلاعب بها. السؤال هو: إذا كان الهواة قادرين على ذلك، فكيف باستخبارات إسرائيل
التي يشهد الجميع على علوّ كعبها في قطاع الاتصالات والتشفير وحماية الشبكات... وغيرها.
إذاً، لدى إسرائيل، وبلا شك، القدرة التقنية الفعلية على التلاعب بداتا الاتصالات في لبنان. لا يمكن أحداً أن ينفي ذلك. في الوقت نفسه، لدى إسرائيل مصلحة في
التلاعب بالداتا، وتوجيه الاتهام إلتى أعدائها، وأيضاً لا يمكن أحداً أن ينفي ذلك. الردّ، وقد يكون هناك ردّ، بأن إسرائيل لم تقدم على ذلك، ردّ غير ذي صلة بأصل
المطلب ولا يضرّ بالنتيجة، إذ من ناحية قانونية، يكفي أن تكون لدى إسرائيل القدرة التقنية على التلاعب بالداتا، كي تنتفي عن الدليل الظرفي دلالته، وبنحو آكد،
أن تنتفي قوة إثباته، إن كان بإمكان المحكمة أن تأخذ به أساساً. فهذه هي طبيعة الأدلة الظرفية.
بالطبع قد لا ينفع ذلك مع البعض ممن يرى الأرقام والدلائل وجهات نظر. الأخبار الواردة من إسرائيل، وقدرات إسرائيل، وطبيعة الأدلة الظرفية، لا تستأهل لديهم إعادة
دراسة «الاقتناعات»، ما دامت مبنية على حقد وانسياق أعمى للتعصّب، ولا يجديها شيء إطلاقاً.
دليل الاتصالات... لا دليل
يحيى دبوق
القرار الاتهامي الصادر عن المدّعي العام للمحكمة الخاصة بلبنان، دانيال بلمار، بحق أربعة أشخاص «مناصرين لحزب الله»، كما يرد في الفقرة 59 من القرار نفسه، يستند،
كما بات معروفاً، إلى الدليل الظرفي، المستند بدوره، وبنحو شبه كامل، إلى تحليل «داتا» الاتصالات الخلوية في لبنان. وإذا كان النقاش قد تمحور أخيراً، وعن حق،
حول قيمة الأدلة الظرفية، وإمكان اعتمادها والبناء عليها كدليل إثبات أو نفي من ناحية قضائية في سياق الاتهام والإدانة، إلا أنه يجب، مسبقاً وقبل ذلك، النقاش
في أصل وجود هذه الأدلة وقيامها من ناحية فعلية، قبل وصفها بأنها أدلة ظرفية أو أدلة قاطعة، أي قبل أي سجال بشأن فاعليتها وقوة إثباتها. إذا تبيّن، أو إذا أثيرت
الشكوك المعتبرة والممكنة واقعاً في أن عمليات ربط وتحليل داتا الاتصالات تشوبها شائبة، أو أن أصل الداتا مشكوك في صحته ودقته، أو أن بإمكان طرف ما أن يتلاعب
بها، فلا إمكان بالتالي، لانتفاء المطلب، اعتبار «الأدلة» المستندة إليها، أدلة أساساً، وبالتالي لا حاجة إلى وصفها بظرفية أو قاطعة، فسلب الثقة بالدلالة عن
الأدلة، ينفيها، ويحوّلها إلى نتائج مشكوك فيها، على أقل تقدير.
في الماضي غير البعيد، أقرّ المسؤول السابق عن العمليات التنفيذية في الموساد الإسرائيلي، غاد شمرون، (القناة العاشرة الإسرائيلية 16/12/2010)، في سياق تعليقه
على اكتشاف أجهزة تنصّت إسرائيلية في جبال صنين، بأن «تجسّس إسرائيل على لبنان ليس جديداً، خصوصاً أن لديها قدرات تنفيذية مهمة جداً وقدراتها غير محدودة»، مؤكداً
أنه «في عالم الاستخبارات، لا يوجد ما هو غير ممكن».
في الماضي البعيد نسبياً، والبعد هنا ذو دلالات تتعلق بقدرة التجسّس الإسرائيلية الفعلية، نشرت صحيفة «هآرتس» تقريراً أشارت فيه إلى أن علماء إسرائيليين في
كلية «التخنيون» في جامعة حيفا اكتشفوا طريقة لاختراق شبكات الهواتف الخلوية العاملة بنظام GSM، الأمر الذي يُمكّن من التنصّت على المكالمات الهاتفية، وإرسال
الرسائل والمكالمات وتلقّيها، من دون أن يدري أصحابها الحقيقيون بما يجري، وفي الوقت نفسه إيهام شبكات الهاتف الخلوي ومراكز التحكم فيها بأن الاتصال طبيعي ولا
شائبة فيه.
خبر «هآرتس» (المنشور بتاريخ 03/09/2003)، أخرج في حينه نقاشات تقنية في مناعة نظام الـGSM وضعف أنظمة حمايته إلى العلن، وأسّس لندوات ومؤتمرات حول العالم،
شهدت بدورها على ضعف الحماية وإمكانات الخرق، وأيضاً على المستوى الذي وصلت إليه الاستخبارات والأجهزة الأمنية، وما تملكه من تقنيات خرق وتنصّت في هذا المجال.
إلا أن متابع الشأن الإسرائيلي توقف بدوره عند حقيقة واضحة في دولة كإسرائيل، هي أن الرقيب العسكري في تل أبيب ما كان ليمكّن وسائل الإعلام من أن تنشر «كشفاً»
خبرياً كهذا، متولّداً في إسرائيل نفسها، لو لم تكن قدرات الاستخبارات فيها قد قطعت أشواطاً بعيدة جداً في مجالات الخرق والتنصّت، أكثر بكثير مما أُعلن.
من عام 2003 إلى عام 2005، العام الذي شهد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان، وصولاً إلى عام 2011، شهد «قطاع التنصّت» وخرق الشبكات انتقالاً نوعياً في إسرائيل
والعالم، وتمدّدت مجالات استخدامه وإمكانياته، ولم تعد مقتصرة، وحكراً فقط، على الاستخبارات و«تجارب» العلماء في المراكز البحثية، بل انتقلت عملياً إلى السوق
المدني، كأداة في صراع الشركات التجارية، بل أكثر من ذلك إلى استخدام الهواة ومحبّي الإثارة.
أخيراً، عرضت القناة الأولى الإسرائيلية، قبل أيام، تقريراً عن «قطاع التنصّت» وقدراته، وما بات متاحاً للعامة والهواة فضلاً عن الاستخبارات. يشير التقرير بوضوح
إلى أن في إمكان أي هاوٍ أن يخترق الشبكات ويتسلّط على الخطوط ويتحدث منها ويتلاعب بها. السؤال هو: إذا كان الهواة قادرين على ذلك، فكيف باستخبارات إسرائيل
التي يشهد الجميع على علوّ كعبها في قطاع الاتصالات والتشفير وحماية الشبكات... وغيرها.
إذاً، لدى إسرائيل، وبلا شك، القدرة التقنية الفعلية على التلاعب بداتا الاتصالات في لبنان. لا يمكن أحداً أن ينفي ذلك. في الوقت نفسه، لدى إسرائيل مصلحة في
التلاعب بالداتا، وتوجيه الاتهام إلتى أعدائها، وأيضاً لا يمكن أحداً أن ينفي ذلك. الردّ، وقد يكون هناك ردّ، بأن إسرائيل لم تقدم على ذلك، ردّ غير ذي صلة بأصل
المطلب ولا يضرّ بالنتيجة، إذ من ناحية قانونية، يكفي أن تكون لدى إسرائيل القدرة التقنية على التلاعب بالداتا، كي تنتفي عن الدليل الظرفي دلالته، وبنحو آكد،
أن تنتفي قوة إثباته، إن كان بإمكان المحكمة أن تأخذ به أساساً. فهذه هي طبيعة الأدلة الظرفية.
بالطبع قد لا ينفع ذلك مع البعض ممن يرى الأرقام والدلائل وجهات نظر. الأخبار الواردة من إسرائيل، وقدرات إسرائيل، وطبيعة الأدلة الظرفية، لا تستأهل لديهم إعادة
دراسة «الاقتناعات»، ما دامت مبنية على حقد وانسياق أعمى للتعصّب، ولا يجديها شيء إطلاقاً.
ذات صباح في الجنوب ...
Published on الأخبار (http://www.al-akhbar.com)
الصفحة الرئيسية
> ذات صباح في الجنوب ...
ذات صباح في الجنوب ...
جان عزيز
قد تبدو مستحيلة مهمة الراعي في الجنوب منذ محطتها الأولى، قد يتسلل بعض اليأس الى قلوب من يرافقه، وخصوصاً من يذهب الى صور وفي مخيلته مدينة تلك الكنعانية في
الإنجيل، أو الأرض التي اعتادت مريم تجوالها في أسطورة «المنطرة». وقد يظهر الإحباط على الوجوه باكراً، إذا ما دخل «الأسقف» المدينة من صوب البحر. من واجهة
الموج والملح والنخيل الواطئ بثماره هذه الأيام. هناك عند أول «الحارة» تقف مدرسة العائلة المقدسة، لتستقبله على جدارها كتابات ترحيبية من نوع «محمد» و«علي»
و«أمل» وخواطر أخرى. وإذا ما اعتنق الراعي مسكونيته وقرر الانطلاق من عند «الأشقاء» الروم الملكيين الكاثوليك، فسيكون عليه الانعطاف من أمام الترحيب العشوائي
المتروك منذ زمن على جدار قريب: «حارة الإمام القائد موسى الصدر ترحب بكم». وسيُسر الراعي بذكر الإمام. فمثله هو يكرز في الدروب، داعياً الى وحدة ومحبة وشركة
وحقيقة عارية، بلا «زينة». مثله يكتب وثيقة «نهائية الكيان»، ويصارع من يفترض أن يكون له «أماً حنوناً»، ويحتمل من يحسبون له أبناء عقوقين.
بعد المنعطف قد يدخل الراعي كاتدرائية القديس توما، تلك المبنية فوق الأثر الصليبي الصامد. ومثل توما، قد يرفع إصبعه لتعداد المخلَّصين من ويلات الحروب والاحتلالات
وشهوة العاصمة والغرب وترف حياة لم يعرفها الناصري...أقل من ثلاثمئة عائلة هم كل الصامدين. سيستقبلونه بفرح، لكن من دون أمل. بل برجاء، ذاك الشعور الإنجيلي
الذي يصاحب الإنسان في مساره بين انقطاع الأمل الأرضي وانتظار العناية الربانية. وقد يسألهم عن الأحوال وأسباب البقاء والرحيل. وستختلط الإجابات وتتعدد وتتباين.
يكفيه بين سؤال وآخر أن يتطلع الى مذبح مار توما. أين الإيقونوسطاس التاريخي البيزنطي العريق؟ أين «مذبح» الأيقونات الرائعة، خامسة الأناجيل؟ ليجيبه بعض المستقبلين
بخفر وحياء، أن أسقفاً منذ مدة كان قد قرر بيع الكنيسة برمتها. وأنه قد باعها فعلاً، ووضعت يدها عليها مديرية الآثار وبدأ التفكيك...قبل أن يأتي أسقف آخر من
أولئك الذين ورثوا كيان «المدافع عن المدينة»، فيسترد الكنيسة، ويستعيد الأيقونات ولو على الجدران العارية، ويعود إصبع توما شاهداً على القيامة قبالة شاطئ حيرام
وأوروب وإليسار والتاريخ... البيع إذاً، هو البيع أصل كل داء وعلة ووباء. نبيع أرضنا أولاً. بعدها نبيع البيت. بعدها الكنيسة. بعدها الوطن... ومن ثم نمكث في
غابة الإسمنت البيروتية ومقابر أحزمة بؤسنا والضواحي، نحلم بحقيبة سفر ونمضي العمر نبكي «مُلكاً لم نحافظ عليه...».
وإذا سار الراعي في أزقة «الحارة» صوب مرفأ الصيادين، سيحس بقدميه تلامسان التاريخ، وقد يخفف الوطء فوق سِفره المرصوف، حتى يطل على كاتدرائية سيدة البحار، تلك
المخبأة كالدرّ بين أول البيوت وآخر البشر. الوضع هنا ليس بأفضل. لا بل أقل من الملكيين من صمد. لا يزالون يلاعبون الموج والشباك. كأن كل واحد منهم بطرس، مع
أنهم لم يُنكروا، ولم يصبحوا صيادي بشر. ولا يزال سمك صور يعرف وجوههم والقسمات والأيدي الشديدة على الصواري والأشرعة ووخز الزمان. سيتبادلون النظرات التائهة
مع الراعي: ماذا تقدر أن تفعل لنا؟ ماذا نقدر أن نحقق لكنيستنا، نحن من صرنا «حارة نصارى» تتآكلها الأيام مثل واحات المحيط؟؟
وقد تُذرف أكثر من دمعة صامتة أو مكابرة أو هاربة بين العيون، حين يشد الموكب البطريركي رحاله صوب الرحلة الطويلة. لا تزال أمامه علما بأجراسها الفرحة، وقانا
بمنحوتاتها ومفارقة الجليل الذي ليس في الجليل. على باب المغارة «المقدسة»، قد يجدر بصحب الراعي أن يحيدوا نظره عن القاطع المقابل، كي لا يشهد بعينه زحف الاعتداءات
الجارف للأملاك العامة والخاصة واندثار مفهوم الدولة وثقافتها، قبل أن يصل الى رميش، «عاصمة» الصامدين في «القطاع الشرقي». هناك سيكون بأمس الحاجة الى «سلاح»
الدولة ليقنع الناس بالانتصار على غرائز البقاء والحياة كيفما كان. ولن يحار بحثاً في رميش. تكفيه ذكرى فرانسوا، ذاك البطل الذي سقط كبيراً بعدما أنجز التاريخ
حفراً بيد وقلب وجرأة، ليتمتع به من بعده من يعوزهم كل ما كان يفيض في فرانسوا...
لتظل محطة الراعي الأكثر دقة وصعوبة، في القطاع الشرقي، في القليعة وبعض الجوار. هناك تنتظره عيون يسكنها القلق، ويعتاش من مائها الانتظار منذ عقد ونيف. هناك
عائلات لم تختم جراحها، ولم تعلن حدادها. تحيا في دوامة أن تكون متهَمة ومتهِمة. لم تشارك في الانتصارات، ولم تلغها الهزائم. لم تعبر الى الوطن، ولم تغادره.
تقف عند الحد الفاصل بين إيمان وكفر. هناك تتجسد أكثر استحالة مهمة الراعي في الجنوب. لكنه يذهب. كمن لا مستحيل عنده. هو من يحول الخبز والخمر كل صباح، فكيف
يُسأل عن مستحيل ذات صباح في الجنوب...
Published on الأخبار (http://www.al-akhbar.com)
الصفحة الرئيسية
> ذات صباح في الجنوب ...
ذات صباح في الجنوب ...
جان عزيز
قد تبدو مستحيلة مهمة الراعي في الجنوب منذ محطتها الأولى، قد يتسلل بعض اليأس الى قلوب من يرافقه، وخصوصاً من يذهب الى صور وفي مخيلته مدينة تلك الكنعانية في
الإنجيل، أو الأرض التي اعتادت مريم تجوالها في أسطورة «المنطرة». وقد يظهر الإحباط على الوجوه باكراً، إذا ما دخل «الأسقف» المدينة من صوب البحر. من واجهة
الموج والملح والنخيل الواطئ بثماره هذه الأيام. هناك عند أول «الحارة» تقف مدرسة العائلة المقدسة، لتستقبله على جدارها كتابات ترحيبية من نوع «محمد» و«علي»
و«أمل» وخواطر أخرى. وإذا ما اعتنق الراعي مسكونيته وقرر الانطلاق من عند «الأشقاء» الروم الملكيين الكاثوليك، فسيكون عليه الانعطاف من أمام الترحيب العشوائي
المتروك منذ زمن على جدار قريب: «حارة الإمام القائد موسى الصدر ترحب بكم». وسيُسر الراعي بذكر الإمام. فمثله هو يكرز في الدروب، داعياً الى وحدة ومحبة وشركة
وحقيقة عارية، بلا «زينة». مثله يكتب وثيقة «نهائية الكيان»، ويصارع من يفترض أن يكون له «أماً حنوناً»، ويحتمل من يحسبون له أبناء عقوقين.
بعد المنعطف قد يدخل الراعي كاتدرائية القديس توما، تلك المبنية فوق الأثر الصليبي الصامد. ومثل توما، قد يرفع إصبعه لتعداد المخلَّصين من ويلات الحروب والاحتلالات
وشهوة العاصمة والغرب وترف حياة لم يعرفها الناصري...أقل من ثلاثمئة عائلة هم كل الصامدين. سيستقبلونه بفرح، لكن من دون أمل. بل برجاء، ذاك الشعور الإنجيلي
الذي يصاحب الإنسان في مساره بين انقطاع الأمل الأرضي وانتظار العناية الربانية. وقد يسألهم عن الأحوال وأسباب البقاء والرحيل. وستختلط الإجابات وتتعدد وتتباين.
يكفيه بين سؤال وآخر أن يتطلع الى مذبح مار توما. أين الإيقونوسطاس التاريخي البيزنطي العريق؟ أين «مذبح» الأيقونات الرائعة، خامسة الأناجيل؟ ليجيبه بعض المستقبلين
بخفر وحياء، أن أسقفاً منذ مدة كان قد قرر بيع الكنيسة برمتها. وأنه قد باعها فعلاً، ووضعت يدها عليها مديرية الآثار وبدأ التفكيك...قبل أن يأتي أسقف آخر من
أولئك الذين ورثوا كيان «المدافع عن المدينة»، فيسترد الكنيسة، ويستعيد الأيقونات ولو على الجدران العارية، ويعود إصبع توما شاهداً على القيامة قبالة شاطئ حيرام
وأوروب وإليسار والتاريخ... البيع إذاً، هو البيع أصل كل داء وعلة ووباء. نبيع أرضنا أولاً. بعدها نبيع البيت. بعدها الكنيسة. بعدها الوطن... ومن ثم نمكث في
غابة الإسمنت البيروتية ومقابر أحزمة بؤسنا والضواحي، نحلم بحقيبة سفر ونمضي العمر نبكي «مُلكاً لم نحافظ عليه...».
وإذا سار الراعي في أزقة «الحارة» صوب مرفأ الصيادين، سيحس بقدميه تلامسان التاريخ، وقد يخفف الوطء فوق سِفره المرصوف، حتى يطل على كاتدرائية سيدة البحار، تلك
المخبأة كالدرّ بين أول البيوت وآخر البشر. الوضع هنا ليس بأفضل. لا بل أقل من الملكيين من صمد. لا يزالون يلاعبون الموج والشباك. كأن كل واحد منهم بطرس، مع
أنهم لم يُنكروا، ولم يصبحوا صيادي بشر. ولا يزال سمك صور يعرف وجوههم والقسمات والأيدي الشديدة على الصواري والأشرعة ووخز الزمان. سيتبادلون النظرات التائهة
مع الراعي: ماذا تقدر أن تفعل لنا؟ ماذا نقدر أن نحقق لكنيستنا، نحن من صرنا «حارة نصارى» تتآكلها الأيام مثل واحات المحيط؟؟
وقد تُذرف أكثر من دمعة صامتة أو مكابرة أو هاربة بين العيون، حين يشد الموكب البطريركي رحاله صوب الرحلة الطويلة. لا تزال أمامه علما بأجراسها الفرحة، وقانا
بمنحوتاتها ومفارقة الجليل الذي ليس في الجليل. على باب المغارة «المقدسة»، قد يجدر بصحب الراعي أن يحيدوا نظره عن القاطع المقابل، كي لا يشهد بعينه زحف الاعتداءات
الجارف للأملاك العامة والخاصة واندثار مفهوم الدولة وثقافتها، قبل أن يصل الى رميش، «عاصمة» الصامدين في «القطاع الشرقي». هناك سيكون بأمس الحاجة الى «سلاح»
الدولة ليقنع الناس بالانتصار على غرائز البقاء والحياة كيفما كان. ولن يحار بحثاً في رميش. تكفيه ذكرى فرانسوا، ذاك البطل الذي سقط كبيراً بعدما أنجز التاريخ
حفراً بيد وقلب وجرأة، ليتمتع به من بعده من يعوزهم كل ما كان يفيض في فرانسوا...
لتظل محطة الراعي الأكثر دقة وصعوبة، في القطاع الشرقي، في القليعة وبعض الجوار. هناك تنتظره عيون يسكنها القلق، ويعتاش من مائها الانتظار منذ عقد ونيف. هناك
عائلات لم تختم جراحها، ولم تعلن حدادها. تحيا في دوامة أن تكون متهَمة ومتهِمة. لم تشارك في الانتصارات، ولم تلغها الهزائم. لم تعبر الى الوطن، ولم تغادره.
تقف عند الحد الفاصل بين إيمان وكفر. هناك تتجسد أكثر استحالة مهمة الراعي في الجنوب. لكنه يذهب. كمن لا مستحيل عنده. هو من يحول الخبز والخمر كل صباح، فكيف
يُسأل عن مستحيل ذات صباح في الجنوب...
> غازي العريضي: «السيد أنا» وزير بلا خطة
غازي العريضي: «السيد أنا» وزير بلا خطة
العريضي: هم مبتدئون بالسياسة ولا يمكنهم اللعب معي (أرشيف ــ مروان طحطح)
بين الجملة والجملة، ترد كلمة «أنا» مئات المرّات في حديث ساعتين. «أنا مدرسة سياسية»، «أنا نظافة الكف»، «أنا أدافع عن كرامة لبنان»... يبرَّر للرجل «أناه»،
بأنّه يعمل يداً يمنى لوليد جنبلاط، فضلاً عن أن «الحرّيف السياسي» حوَّل وزارته إلى سوبر وزارة
غدي فرنسيس
خرجت «خطة النقل» إلى الضوء للمرة الأولى الأسبوع الماضي بعد ثلاث سنوات في عتمة الأدراج الحكومية. بحسب وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي، فإن الرئيس
فؤاد السنيورة كان قد جمّد الخطة لأنه راعي الخصخصة، وليس من مصلحته تحسين النقل العام، ويسجّل للرئيس نجيب ميقاتي إيقاظها من سباتها. حين أتى موعد بحثها في
الجلسة، استحضر العريضي مدير مصلحة النقل عبد الحفيظ القيسي ليشرحها. ما كاد القيسي ينهي عرضه، حتى بدأت «الحركشات العونية». جبران باسيل الملوّع بالكهرباء
جُنّ جنونه. فلا جدول زمنياً ولا موازنة للمشاريع. عملياً: لا خطة للنقل في الأوراق المطروحة. ثمة اقتراحات هي بمثابة حلول سطحية لأزمة السير. مرّت «الخطة»
بعد بلبلة بموافقة مشروطة بتقديم... خطة!
مشكلة العونيين مع ورقة العريضي أنها تقارب مشكلة النقل من دون البحث في أصل الخلل. إذا كانت الكهرباء تعني كل مواطن، وتستحق التجاذب في الإعلام، فإن خطة نقل
شاملة من شأنها تغيير شكل البلد اجتماعياً واقتصادياً، يجب أن تحدث مهرجاناً حكومياً. لكن ميقاتي أوقف المهرجان قبل حصوله. العريضي، هنا، يصبح منفتحاً على اقتراحات
بعض الوزراء الذين يسخر منهم: «مرّت الخطة، وسآخذ بالاقتراحات».
في لبنان ثلاثة مطارات، سكة حديد، موانئ على البحر، وبلد بموقع استراتيجي. لكن ورقة العريضي اقتصرت على فتح مواقف سيارات على باب العاصمة، أو فرض رسوم على السيارات
الداخلة إليها تفادياً للزحمة.
من صالونه المزين بالتماثيل والآثار الرومانية، يختصر الوزير مشاكل النقل بمشكلة السير: «سيارات قديمة، عدد السيارات من أعلى النسب، الطرقات، الكثافة السكانية».
يلفت، من دون سؤال، إلى أن سر نجاحه الدائم هو أنه «يشخّص الحالة صح، ليشخّص الحل صح». لكن تشخيصه لحالة النقل اختصر المشكلة بأزمة سير في العاصمة لا أزمة بلد
مبتور الأوصال. وبذلك، تضمنت الورقة ـــــ الخطة قرارات لا تغيّر شيئاً. أولها صرف 50 مليار ليرة لشراء 165 قافلة للنقل العام. «بعدها، بإمكاننا أن نستحدث نظام
فرض رسوم دخول على أبواب المدن. فاللبنانيون يحبون السيارات الخصوصية، لكن حين تؤلمهم في جيوبهم، يتعوّدون على النقل العام». لا جدول زمنياً للخطة، لذا، لا
موعد لانتظارها. ورغم أن الوزير قدم الوعود على الورق، فإنه لم يبالغ ولا وعد بالمستحيل، كاستحداث قطار يصل المناطق بالعاصمة مثلاً. يرفع حاجبيه، «لا سكة حديد
ولا قطار في المدى المنظور». ورغم وجود ست دراسات عن سكة الحديد في أدراج الوزارة، يطلب العريضي المزيد من المال لدراسة جديدة ستستغرق سنوات وملايين. ستبقى
الطرقات أول مستهلك لوقت اللبنانيين.
لا حلول لأزمات المطار، يضع وزير النقل حداً لأحلام وزير السياحة فادي عبود: ليس هناك إمكان لخفض الأسعار، ولن نأتي بشركة تنافس شركة الوطن. والسياحة يضربها
الوضع الأمني لا الأسعار. كرامة شركة طيران الشرق الأوسط هي كرامة لبنان. ويعقب: «أنا وزير وصاية، ومن يرد أن يبحث في أسعار الرحلات وصفقاتها أو يبدِ ملاحظاته،
فأنا أرعى له اجتماعاً مع مدير الشركة محمد الحوت، وليتفق معه. إذا اتفقتم، فأنا أوافق».
حين تذمّر عبود من الأسعار، اتفق العريضي مع نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر على أن يعرض ملاحظاته على الحوت. ذهب وقابله ثم غيّر رأيه، وقال إن «الأسعار معقولة».
ويضيف: «كل من ينتقد المطار والحوت وشركة طيرانه، هكذا من دون الاطّلاع على الأوراق والأرقام، يضيّع الوقت سدى. حتى الوزير عبود تراجع وقال إن الأسعار معقولة
بعد أن علم بالتفاصيل».
وفي الحديث عن الحوت وصفقاته، يصبح الدفاع عن شركة الطيران واجباً وطنياً، وتصبح صفقات المطارات والدول الأجنبية وتجاذباتها جزءاً من الدفاع عن كرامة لبنان.
يروي العريضي: «أنا ربّيت الأتراك والإنكليز؛ فحين طلب الأتراك 16 رحلة، طلبت في المقابل واحدة لشركة طيران الشرق الأوسط، وحين رفضوا رفضت. واستمرت الاتصالات،
الرئاسات الثلاث، الوزراء، توسّط الجميع ولم أعدل عن رأيي. في النهاية، حصل ما أردته، وأخذت MEA ما طلبته. أما الشركة الإنكليزية BMI، فلم أوافق لها على طلباتها،
وقصدتني السفيرة البريطانية مرّتين لنمرر الموضوع ورفضت».
هكذا، فإن العريضي ساعة يفاوض العالم باسم الشركة، وساعة يقول: «أنا وزير وصاية، نسّقوا مع المدير».
عندما طرحت الخطة، اقترح عبود تفعيل الموانئ البحرية للرحلات اليومية ومطاري رياق وحامات للرحلات الداخلية السياحية. العريضي يأخذ بالأفكار، ويؤجل القرارات
ثم يرد على عبود «مطار رياق مغلق لأسباب أمنية، أما مطار حامات، فترقّب زيارتي له بعد أسبوعين».
تحت صراع الوزراء في السياسة على حاجات السائقين والركّاب، لا تزال سيارات الأجرة تنتظر الوعد الذي قضى بإعطائها بدل 12 صفيحة ونصف من البنزين. وقبل أن يصرف
البدل، يمنّن السائقين: «أنا دافعت عنهم، وهم ليسوا أولاد الطائفة ولا أولاد الحزب».
الوزير عبود ينتظر الرحلات الجوية الداخلية للنقل والسياحة بين مطارات لبنان، ولا يزال يغيظ العريضي بقصة «تاكسي المطار». فبعد أن اجتمع الوزيران مع السائقين
في مكتب العريضي، لم يتوصّل أحد إلى حل، ولا تزال عملية استغلال الركّاب تحصل على باب المطار. ألا يستطيع عناصر الدرك تنظيم التاكسي؟ يجيب العريضي: «كلّهم متواطئون
مع بعضهم. عصابات بين السائقين والدرك».
هكذا، مرة أخرى، يناقض الوزير نفسه، فيتحول السائقون الذين يدافع عنهم في سياق سابق إلى عصابات لا يمكن التحكّم بها.
يودّع العريضي زواره على باب المصعد حيث التماثيل. هناك أيضاً يذكّر بنجاحه ودهائه السياسي، متعالياً على طبقة سياسية يراها «مبتدئة». ثم يقول: «لا يمكنهم أن
يلعبوا معي. أنا لا أتراجع، وكل شيء يحصل كما أريد في النهاية».
تعرفنا على الاستاذ غازي إعلاميا ناجحا. لكننا لم نجده كذلك كوزير للنقل. إذ كان أداؤه فاشلا خلال حادثة الطائرة الاثيوبية. وكان كذلك خلال مناقشة خطة الكهرباء. وهو الأن يتابع خطواته غير المدروسة عبر خطة النقلالموعودة.
غازي العريضي: «السيد أنا» وزير بلا خطة
العريضي: هم مبتدئون بالسياسة ولا يمكنهم اللعب معي (أرشيف ــ مروان طحطح)
بين الجملة والجملة، ترد كلمة «أنا» مئات المرّات في حديث ساعتين. «أنا مدرسة سياسية»، «أنا نظافة الكف»، «أنا أدافع عن كرامة لبنان»... يبرَّر للرجل «أناه»،
بأنّه يعمل يداً يمنى لوليد جنبلاط، فضلاً عن أن «الحرّيف السياسي» حوَّل وزارته إلى سوبر وزارة
غدي فرنسيس
خرجت «خطة النقل» إلى الضوء للمرة الأولى الأسبوع الماضي بعد ثلاث سنوات في عتمة الأدراج الحكومية. بحسب وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي، فإن الرئيس
فؤاد السنيورة كان قد جمّد الخطة لأنه راعي الخصخصة، وليس من مصلحته تحسين النقل العام، ويسجّل للرئيس نجيب ميقاتي إيقاظها من سباتها. حين أتى موعد بحثها في
الجلسة، استحضر العريضي مدير مصلحة النقل عبد الحفيظ القيسي ليشرحها. ما كاد القيسي ينهي عرضه، حتى بدأت «الحركشات العونية». جبران باسيل الملوّع بالكهرباء
جُنّ جنونه. فلا جدول زمنياً ولا موازنة للمشاريع. عملياً: لا خطة للنقل في الأوراق المطروحة. ثمة اقتراحات هي بمثابة حلول سطحية لأزمة السير. مرّت «الخطة»
بعد بلبلة بموافقة مشروطة بتقديم... خطة!
مشكلة العونيين مع ورقة العريضي أنها تقارب مشكلة النقل من دون البحث في أصل الخلل. إذا كانت الكهرباء تعني كل مواطن، وتستحق التجاذب في الإعلام، فإن خطة نقل
شاملة من شأنها تغيير شكل البلد اجتماعياً واقتصادياً، يجب أن تحدث مهرجاناً حكومياً. لكن ميقاتي أوقف المهرجان قبل حصوله. العريضي، هنا، يصبح منفتحاً على اقتراحات
بعض الوزراء الذين يسخر منهم: «مرّت الخطة، وسآخذ بالاقتراحات».
في لبنان ثلاثة مطارات، سكة حديد، موانئ على البحر، وبلد بموقع استراتيجي. لكن ورقة العريضي اقتصرت على فتح مواقف سيارات على باب العاصمة، أو فرض رسوم على السيارات
الداخلة إليها تفادياً للزحمة.
من صالونه المزين بالتماثيل والآثار الرومانية، يختصر الوزير مشاكل النقل بمشكلة السير: «سيارات قديمة، عدد السيارات من أعلى النسب، الطرقات، الكثافة السكانية».
يلفت، من دون سؤال، إلى أن سر نجاحه الدائم هو أنه «يشخّص الحالة صح، ليشخّص الحل صح». لكن تشخيصه لحالة النقل اختصر المشكلة بأزمة سير في العاصمة لا أزمة بلد
مبتور الأوصال. وبذلك، تضمنت الورقة ـــــ الخطة قرارات لا تغيّر شيئاً. أولها صرف 50 مليار ليرة لشراء 165 قافلة للنقل العام. «بعدها، بإمكاننا أن نستحدث نظام
فرض رسوم دخول على أبواب المدن. فاللبنانيون يحبون السيارات الخصوصية، لكن حين تؤلمهم في جيوبهم، يتعوّدون على النقل العام». لا جدول زمنياً للخطة، لذا، لا
موعد لانتظارها. ورغم أن الوزير قدم الوعود على الورق، فإنه لم يبالغ ولا وعد بالمستحيل، كاستحداث قطار يصل المناطق بالعاصمة مثلاً. يرفع حاجبيه، «لا سكة حديد
ولا قطار في المدى المنظور». ورغم وجود ست دراسات عن سكة الحديد في أدراج الوزارة، يطلب العريضي المزيد من المال لدراسة جديدة ستستغرق سنوات وملايين. ستبقى
الطرقات أول مستهلك لوقت اللبنانيين.
لا حلول لأزمات المطار، يضع وزير النقل حداً لأحلام وزير السياحة فادي عبود: ليس هناك إمكان لخفض الأسعار، ولن نأتي بشركة تنافس شركة الوطن. والسياحة يضربها
الوضع الأمني لا الأسعار. كرامة شركة طيران الشرق الأوسط هي كرامة لبنان. ويعقب: «أنا وزير وصاية، ومن يرد أن يبحث في أسعار الرحلات وصفقاتها أو يبدِ ملاحظاته،
فأنا أرعى له اجتماعاً مع مدير الشركة محمد الحوت، وليتفق معه. إذا اتفقتم، فأنا أوافق».
حين تذمّر عبود من الأسعار، اتفق العريضي مع نقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر على أن يعرض ملاحظاته على الحوت. ذهب وقابله ثم غيّر رأيه، وقال إن «الأسعار معقولة».
ويضيف: «كل من ينتقد المطار والحوت وشركة طيرانه، هكذا من دون الاطّلاع على الأوراق والأرقام، يضيّع الوقت سدى. حتى الوزير عبود تراجع وقال إن الأسعار معقولة
بعد أن علم بالتفاصيل».
وفي الحديث عن الحوت وصفقاته، يصبح الدفاع عن شركة الطيران واجباً وطنياً، وتصبح صفقات المطارات والدول الأجنبية وتجاذباتها جزءاً من الدفاع عن كرامة لبنان.
يروي العريضي: «أنا ربّيت الأتراك والإنكليز؛ فحين طلب الأتراك 16 رحلة، طلبت في المقابل واحدة لشركة طيران الشرق الأوسط، وحين رفضوا رفضت. واستمرت الاتصالات،
الرئاسات الثلاث، الوزراء، توسّط الجميع ولم أعدل عن رأيي. في النهاية، حصل ما أردته، وأخذت MEA ما طلبته. أما الشركة الإنكليزية BMI، فلم أوافق لها على طلباتها،
وقصدتني السفيرة البريطانية مرّتين لنمرر الموضوع ورفضت».
هكذا، فإن العريضي ساعة يفاوض العالم باسم الشركة، وساعة يقول: «أنا وزير وصاية، نسّقوا مع المدير».
عندما طرحت الخطة، اقترح عبود تفعيل الموانئ البحرية للرحلات اليومية ومطاري رياق وحامات للرحلات الداخلية السياحية. العريضي يأخذ بالأفكار، ويؤجل القرارات
ثم يرد على عبود «مطار رياق مغلق لأسباب أمنية، أما مطار حامات، فترقّب زيارتي له بعد أسبوعين».
تحت صراع الوزراء في السياسة على حاجات السائقين والركّاب، لا تزال سيارات الأجرة تنتظر الوعد الذي قضى بإعطائها بدل 12 صفيحة ونصف من البنزين. وقبل أن يصرف
البدل، يمنّن السائقين: «أنا دافعت عنهم، وهم ليسوا أولاد الطائفة ولا أولاد الحزب».
الوزير عبود ينتظر الرحلات الجوية الداخلية للنقل والسياحة بين مطارات لبنان، ولا يزال يغيظ العريضي بقصة «تاكسي المطار». فبعد أن اجتمع الوزيران مع السائقين
في مكتب العريضي، لم يتوصّل أحد إلى حل، ولا تزال عملية استغلال الركّاب تحصل على باب المطار. ألا يستطيع عناصر الدرك تنظيم التاكسي؟ يجيب العريضي: «كلّهم متواطئون
مع بعضهم. عصابات بين السائقين والدرك».
هكذا، مرة أخرى، يناقض الوزير نفسه، فيتحول السائقون الذين يدافع عنهم في سياق سابق إلى عصابات لا يمكن التحكّم بها.
يودّع العريضي زواره على باب المصعد حيث التماثيل. هناك أيضاً يذكّر بنجاحه ودهائه السياسي، متعالياً على طبقة سياسية يراها «مبتدئة». ثم يقول: «لا يمكنهم أن
يلعبوا معي. أنا لا أتراجع، وكل شيء يحصل كما أريد في النهاية».
تعرفنا على الاستاذ غازي إعلاميا ناجحا. لكننا لم نجده كذلك كوزير للنقل. إذ كان أداؤه فاشلا خلال حادثة الطائرة الاثيوبية. وكان كذلك خلال مناقشة خطة الكهرباء. وهو الأن يتابع خطواته غير المدروسة عبر خطة النقلالموعودة.
> معركة المياه بدأت... بعد الكهرباء
معركة المياه بدأت... بعد الكهرباء
لا يوجد بديل عن إنشاء السدود مع النمو السكاني والزراعي والصناعي (الأخبار)
بعد أن شُغل اللبنانيون خلال الأسابيع الماضية بحرب ضروس بشأن خطة الكهرباءالتي أعدّها وزير الطاقة جبران باسيل، وبعد انتهاء هذا الصراع بالحمم الباردة، جاء
دور خطة المياه. فيوم أمس، وخلال توقيع كل من وزارة الطاقة والمياه ووزارة الزراعة اتفاقاً مائياً مشتركاً للري الزراعي، أُعلن بدء معركة المياه... إلى أن تصبح
واقعاً
رشا أبو زكي
مبدئياً، يمكن القول إن معركة الكهرباء انتهت. إلا أن ملامح معركة المياه لا تزال تترقّب فرصة خلوّ الساحة الكهربائية، لتصبح في الميدان. يهمس عدد من المعنيين
بالملف بأن خطة المياه ستكون أكثر اشتعالاً، وخصوصاً أنها تكلّف حوالى 7،66 مليارات دولار مجزّأة على مراحل لمدة 9 سنوات. وقد أشار وزير الطاقة والمياه إلى
أن 1.6 مليار دولار من هذا المبلغ متوافرة من خلال مشاريع قائمة أو أموال محجوزة بانتظار استثمارها، لتبقى 6.1 مليارات دولار ستتموّل من الموازنات العامّة والاقتراض
والقطاع الخاص. شعارات المعركة المائية ستكون وفق الحقائق الآتية: 48% من مياه لبنان تُهدر، 50% من شبكات التوزيع يتجاوز عمرها 25 عاماً، 6% فقط من الري يحصل
عبر الطرق الحديثة، 8% فقط من المياه المبتذلة تُعالج، نسبة الشواغر في مؤسسات المياه 67%. والحلول هي خطة باسيل المائية التي أعلنها في نهاية عام 2010، وجرى
تحديثها في نيسان الماضي... وقد أصبحت المعركة قريبة جداً. هذا ما لمّح إليه وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، وما وافقه عليه وزير الزراعة حسين الحاج حسن.
انطلاق الشرارة الأولى
يوم أمس، كان موضوع ريّ الأراضي الزراعية مناسبة لإطلاق الشرارة الأولى للصراع المائي المقبل. فقد أشار باسيل، خلال توقيعه مع وزير الزراعة حسين الحاج حسن مشروعاً
لإدارة المياه في وزارة الطاقة والمياه مموّلاً من الحكومة الإيطالية ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) يتمحور حول الري الزراعي، إلى بدء العمل على خطة
المياه. «أمس قلنا إننا قد أنهينا الكهرباء، وسنبدأ اليوم بالمياه» يقول باسيل. يتابع «البداية انطلقت بالخطة التي أعدّتها وزارة الطاقة مع وزارة الزراعة وبمشاركة
الفاو لمشاريع المياه»، إذ إن 70 في المئة من المياه ضمن المعايير العالمية تستخدم للري، ويستخدم لبنان 60 في المئة من الطلب لغايات الري. لذلك فإن الحاجة الأساسية
تذهب إلى الزراعة.
الاستراتيجية، بحسب باسيل، تتضمن في السنوات الخمس الأولى مبلغاً من المال يصل إلى حدود 370 مليون دولار لإعادة تأهيل الشبكات القديمة وإيصال المياه إلى حوالى
15 ألف هكتار إضافية من الأراضي الزراعية، ما يؤكد أهمية مشاريع الري لتنمية قطاع إنتاجي كالزراعة التي يجب أن يكون لها حيّز أساسي في المشاريع المائية.
يرى باسيل «أننا نظلم يومياً قطاع الزراعة بمنع هذه المادة الأساسية، التي هي المياه، من الوصول إلى المزارعين وإلى الأراضي التي تحتاج إلى الري»، مشيراً إلى
ضرورة السير بالمشاريع الموضوعة، وكذلك إعادة استخدام المياه المكررة من الصرف الصحي، «حيث لدينا في لبنان الكثير من محطات الصرف الصحي المنجزة، ولم يؤخذ أساساً
في الاعتبار تحديد أماكنها بنحو يجعلها تخدم الاستخدام الزراعي».
أهمية مشروع المياه
ويدعم باسيل من خلال خطته ضرورة إنشاء السدود عبر مراحل الخطة المائية التي تهدف إلى تلبية حاجات المواطنين حتى عام 2035 في كل المناطق والمحافظات. فبحسب الخطة،
النقص في المياه عام 2010 كان 426 مليون متر مكعب سنوياً. وحتى في ظل القيام بعدد من الإجراءات التحسينية كالشبكات والخزانات والتوعية، فلن تكفي في ظل الطلب
المتزايد على المياه في عام 2015، وهو يزداد تباعاً ليصل النقص في عام 2035 إلى 718 مليون متر مكعب سنوياً. وبالتالي لا بديل من إنشاء السدود مع ازدياد الطلب
نتيجة النمو السكاني والعمراني والسياحي والزراعي والصناعي، والحاجة ستزداد في ظل مشكلة تناقص المياه المتعاظمة سنوياً، وتطرح قيام مشاريع التغذية الاصطناعية
للمياه الجوفية التي تؤمن حداً أقصى 200 مليون متر مكعب سنوياً. ومع إعادة استعمال المياه المعالجة من الصرف الصحي، نحصل على 101 مليون متر مكعب سنوياً فقط،
فيما السدود الإضافية الموجودة نظرياً في الدراسات تؤمن نحو 680 مليون متر مكعب كحجم تخزيني ثابت و900 مليون متر مكعب كحجم تخزيني متحرك يوصل إلى 900 مليون
متر مكعب تقريباً. وبالتالي، فإن مجموع هذه الأرقام يعطي 980 مليون متر مكعب إضافية في حال تنفيذ المشاريع. أما النتيجة الحتمية من دون إنشاء السدود والبحيرات
الجبلية في كل المناطق اللبنانية، فهي بحسب باسيل عدم توفير المياه للبنانيين للري أو الاستعمال السكني أو الصناعي أو السياحة.
وزير الزراعة: في أقرب فرصة؟
نتيجة هذه المحصّلات، أشار وزير الزراعة حسين الحاج حسن إلى أنه «بعد إنجاز خطة الكهرباء أمس في مجلس النواب، التي نهنّئ بها الشعب اللبناني والحكومة والمجلس
النيابي ووزير الطاقة، نتمنى أن نهنّئ أيضاً في أقرب فرصة بمشاريع السدود والمياه التي نعوّل عليها كثيراً في موضوع الزراعة».
ويتحدث الحاج حسن عن أهمية خطة المياه، لافتاً إلى أن لبنان متأخر كثيراً عن اللحاق بركب حاجاته من المياه، والمسؤولية ليست مسؤولية الوزير، بل هي مسؤولية من
منع التمويل سنين طويلة عن هذه الوزارة منذ عام 1998، وبالتالي لم يكن بالإمكان إقامة سدود لتخزين المياه، حيث تذهب مياه الأنهر اللبنانية هدراً، إما إلى البحر
وإما تُحدث سيولاً تضرب الزراعة والممتلكات». ويأمل الحاج حسن أن تشهد الأسابيع والشهور المقبلة نهضة كبيرة في مجال المياه بعد إنجاز الكهرباء، «وهذا ما سوف
نعمل معاً عليه مع الوزير ليصبح أمراً واقعاً». فالمياه، وفق الحاج حسن، سلعة استراتيجية وأهمية وطنية واقتصادية وزراعية وبيئية واجتماعية، فيما يشير ممثل منظمة
الفاو في لبنان، علي مومن، إلى أهمية انطلاق مشروع يتعلق بالمياه (متحدّثاً عن المشروع المموّل من الفاو) وما له من أهمية في الزراعة.
معركة المياه بدأت... بعد الكهرباء
لا يوجد بديل عن إنشاء السدود مع النمو السكاني والزراعي والصناعي (الأخبار)
بعد أن شُغل اللبنانيون خلال الأسابيع الماضية بحرب ضروس بشأن خطة الكهرباءالتي أعدّها وزير الطاقة جبران باسيل، وبعد انتهاء هذا الصراع بالحمم الباردة، جاء
دور خطة المياه. فيوم أمس، وخلال توقيع كل من وزارة الطاقة والمياه ووزارة الزراعة اتفاقاً مائياً مشتركاً للري الزراعي، أُعلن بدء معركة المياه... إلى أن تصبح
واقعاً
رشا أبو زكي
مبدئياً، يمكن القول إن معركة الكهرباء انتهت. إلا أن ملامح معركة المياه لا تزال تترقّب فرصة خلوّ الساحة الكهربائية، لتصبح في الميدان. يهمس عدد من المعنيين
بالملف بأن خطة المياه ستكون أكثر اشتعالاً، وخصوصاً أنها تكلّف حوالى 7،66 مليارات دولار مجزّأة على مراحل لمدة 9 سنوات. وقد أشار وزير الطاقة والمياه إلى
أن 1.6 مليار دولار من هذا المبلغ متوافرة من خلال مشاريع قائمة أو أموال محجوزة بانتظار استثمارها، لتبقى 6.1 مليارات دولار ستتموّل من الموازنات العامّة والاقتراض
والقطاع الخاص. شعارات المعركة المائية ستكون وفق الحقائق الآتية: 48% من مياه لبنان تُهدر، 50% من شبكات التوزيع يتجاوز عمرها 25 عاماً، 6% فقط من الري يحصل
عبر الطرق الحديثة، 8% فقط من المياه المبتذلة تُعالج، نسبة الشواغر في مؤسسات المياه 67%. والحلول هي خطة باسيل المائية التي أعلنها في نهاية عام 2010، وجرى
تحديثها في نيسان الماضي... وقد أصبحت المعركة قريبة جداً. هذا ما لمّح إليه وزير الطاقة والمياه جبران باسيل، وما وافقه عليه وزير الزراعة حسين الحاج حسن.
انطلاق الشرارة الأولى
يوم أمس، كان موضوع ريّ الأراضي الزراعية مناسبة لإطلاق الشرارة الأولى للصراع المائي المقبل. فقد أشار باسيل، خلال توقيعه مع وزير الزراعة حسين الحاج حسن مشروعاً
لإدارة المياه في وزارة الطاقة والمياه مموّلاً من الحكومة الإيطالية ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) يتمحور حول الري الزراعي، إلى بدء العمل على خطة
المياه. «أمس قلنا إننا قد أنهينا الكهرباء، وسنبدأ اليوم بالمياه» يقول باسيل. يتابع «البداية انطلقت بالخطة التي أعدّتها وزارة الطاقة مع وزارة الزراعة وبمشاركة
الفاو لمشاريع المياه»، إذ إن 70 في المئة من المياه ضمن المعايير العالمية تستخدم للري، ويستخدم لبنان 60 في المئة من الطلب لغايات الري. لذلك فإن الحاجة الأساسية
تذهب إلى الزراعة.
الاستراتيجية، بحسب باسيل، تتضمن في السنوات الخمس الأولى مبلغاً من المال يصل إلى حدود 370 مليون دولار لإعادة تأهيل الشبكات القديمة وإيصال المياه إلى حوالى
15 ألف هكتار إضافية من الأراضي الزراعية، ما يؤكد أهمية مشاريع الري لتنمية قطاع إنتاجي كالزراعة التي يجب أن يكون لها حيّز أساسي في المشاريع المائية.
يرى باسيل «أننا نظلم يومياً قطاع الزراعة بمنع هذه المادة الأساسية، التي هي المياه، من الوصول إلى المزارعين وإلى الأراضي التي تحتاج إلى الري»، مشيراً إلى
ضرورة السير بالمشاريع الموضوعة، وكذلك إعادة استخدام المياه المكررة من الصرف الصحي، «حيث لدينا في لبنان الكثير من محطات الصرف الصحي المنجزة، ولم يؤخذ أساساً
في الاعتبار تحديد أماكنها بنحو يجعلها تخدم الاستخدام الزراعي».
أهمية مشروع المياه
ويدعم باسيل من خلال خطته ضرورة إنشاء السدود عبر مراحل الخطة المائية التي تهدف إلى تلبية حاجات المواطنين حتى عام 2035 في كل المناطق والمحافظات. فبحسب الخطة،
النقص في المياه عام 2010 كان 426 مليون متر مكعب سنوياً. وحتى في ظل القيام بعدد من الإجراءات التحسينية كالشبكات والخزانات والتوعية، فلن تكفي في ظل الطلب
المتزايد على المياه في عام 2015، وهو يزداد تباعاً ليصل النقص في عام 2035 إلى 718 مليون متر مكعب سنوياً. وبالتالي لا بديل من إنشاء السدود مع ازدياد الطلب
نتيجة النمو السكاني والعمراني والسياحي والزراعي والصناعي، والحاجة ستزداد في ظل مشكلة تناقص المياه المتعاظمة سنوياً، وتطرح قيام مشاريع التغذية الاصطناعية
للمياه الجوفية التي تؤمن حداً أقصى 200 مليون متر مكعب سنوياً. ومع إعادة استعمال المياه المعالجة من الصرف الصحي، نحصل على 101 مليون متر مكعب سنوياً فقط،
فيما السدود الإضافية الموجودة نظرياً في الدراسات تؤمن نحو 680 مليون متر مكعب كحجم تخزيني ثابت و900 مليون متر مكعب كحجم تخزيني متحرك يوصل إلى 900 مليون
متر مكعب تقريباً. وبالتالي، فإن مجموع هذه الأرقام يعطي 980 مليون متر مكعب إضافية في حال تنفيذ المشاريع. أما النتيجة الحتمية من دون إنشاء السدود والبحيرات
الجبلية في كل المناطق اللبنانية، فهي بحسب باسيل عدم توفير المياه للبنانيين للري أو الاستعمال السكني أو الصناعي أو السياحة.
وزير الزراعة: في أقرب فرصة؟
نتيجة هذه المحصّلات، أشار وزير الزراعة حسين الحاج حسن إلى أنه «بعد إنجاز خطة الكهرباء أمس في مجلس النواب، التي نهنّئ بها الشعب اللبناني والحكومة والمجلس
النيابي ووزير الطاقة، نتمنى أن نهنّئ أيضاً في أقرب فرصة بمشاريع السدود والمياه التي نعوّل عليها كثيراً في موضوع الزراعة».
ويتحدث الحاج حسن عن أهمية خطة المياه، لافتاً إلى أن لبنان متأخر كثيراً عن اللحاق بركب حاجاته من المياه، والمسؤولية ليست مسؤولية الوزير، بل هي مسؤولية من
منع التمويل سنين طويلة عن هذه الوزارة منذ عام 1998، وبالتالي لم يكن بالإمكان إقامة سدود لتخزين المياه، حيث تذهب مياه الأنهر اللبنانية هدراً، إما إلى البحر
وإما تُحدث سيولاً تضرب الزراعة والممتلكات». ويأمل الحاج حسن أن تشهد الأسابيع والشهور المقبلة نهضة كبيرة في مجال المياه بعد إنجاز الكهرباء، «وهذا ما سوف
نعمل معاً عليه مع الوزير ليصبح أمراً واقعاً». فالمياه، وفق الحاج حسن، سلعة استراتيجية وأهمية وطنية واقتصادية وزراعية وبيئية واجتماعية، فيما يشير ممثل منظمة
الفاو في لبنان، علي مومن، إلى أهمية انطلاق مشروع يتعلق بالمياه (متحدّثاً عن المشروع المموّل من الفاو) وما له من أهمية في الزراعة.
> ميقاتي: عدم تمويل المحكـمة يخدم إسرائيل
ميقاتي: عدم تمويل المحكـمة يخدم إسرائيل
أكد ميقاتي أن العماد جان قهوجي سيزور واشنطن قريباً لبحث تسليح الجيش (إيمانويل دوناند ــ أ ف ب)
يوم نيويوركي آخر لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي يخرق
فيه الطوق الذي قيل إنه مفروض حول حكومته منذ تأليفها. والبارز أمس لم يكن لقاءات ميقاتي أو ترؤسه لمجلس الأمن الدولي وحسب، بل الموقف الذي أطلقه بصفته رئيساً
للمجلس، لناحية تأكيده التزام لبنان تمويل المحكمة الدولية
من نيويورك وعائشة بكار، أطلت السياسة برأسها أمس. في الأولى، رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يرأس مجلس الأمن الدولي. وفي الثانية، عقد «رؤساء» الطوائف اللبنانية
اجتماعاً برزت فيه نجومية البطريرك الماروني بشارة الراعي، بعدما أدى «خطأ تقني» إلى بث جزء من كلمته التي كان من المفترض أن تُقال بعيداً عن وسائل الإعلام.
ولعل أبرز ما صدر عن ميقاتي في نيويورك هو جزمه بأن لبنان ملتزم تمويل المحكمة الدولية، من دون إيضاحه كيفية إصدار قرار التمويل الخلافي. فصحيح أن ميقاتي سبق
أن أعلن الموقف ذاته في لبنان، إلا أن كلامه أمس يكتسب أهمية إضافية؛ لكونه صادراً عن رئيس مجلس الأمن الدولي. وقد أكد رئيس الحكومة خلال إلقائه كلمة لبنان
المترئس لمجلس الأمن أن الحكومة اللبنانية «ملتزمة دوماً احترام قرارات الشرعية الدولية، بما فيها تلك المتعلقة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وفقاً لما أكدته
البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية المتعاقبة». وفي حديثه إلى الصحافيين بعد اجتماع بالأمين العام للأمم المتحدة، لفت ميقاتي إلى أنه إذا لم يدفع لبنان ما
يترتب عليه من ميزانية المحكمة، «فإن المتضرر الأول هو لبنان»، سائلاً: «هل هناك أحد في لبنان ضد المصلحة اللبنانية؟»، قبل أن يضع عنواناً جديداً لمعركة التمويل
ويربطه بالعداء لإسرائيل. فبرأي ميقاتي، إن «المستفيد الأول من عدم تمويل المحكمة هو إسرائيل؛ لأننا نكون قد أعطيناها ما لم تستطع أخذه بالحرب، وهي تنتظر الفرصة
لكي تتخذ إجراءات ضد لبنان». وعما إذا كان قد حُمِّل أي رسائل أميركية إلى سوريا، أجاب ميقاتي: «ليس دوري نقل رسائل من أحد لأحد. أنا رئيس وزراء لبنان ومسؤول
عن الشؤون اللبنانية وأقوم بواجباتي بكل ما للكلمة من معنى»، مطمئناً إلى أن «المصارف اللبنانية بخير ولا يوجد أي شيء دولي يتعلق بالمصارف اللبنانية». وقال
إنه أبلغ الأمم المتحدة بكل إحداثيات المنطقة الاقتصادية الخالصة. أما بالنسبة إلى ما قيل عن حصار مفروض عليه وعلى حكومته، فقال رئيس الحكومة إنه «لا أحد يمكنه
أن يحاصر لبنان، لما يمثله من همزة وصل بين الشرق والغرب». وفي السياق ذاته، قال الأمين العام للامم المتحدة، بان كي مون، إن الأمم المتحدة يهمها أن «توفّر
الحكومة اللبنانية التمويل اللازم للمحكمة الدولية، فضلاً عن الاهتمام بأوضاع المخيمات الفلسطينية وإعادة إعمار مخيم نهر البارد».
وفي كلمته في جلسة مجلس الأمن المخصصة للتشاور في طلب التصويت لفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، أكد ميقاتي أحقية أن تكون لفلسطين دولة، لافتاً
إلى أن «فلسطين دولة محتلة، وعليه يكون لزاماً علينا أن نساند جهودها في إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال وعودة (اللاجئين) إلى أرضهم». وأتى رئيس مجلس الأمن
على ذكر الأحداث الجارية في سوريا، من باب «التأكيد مجدداً حرصه على وحدة أراضيها وشعبها، وأمن جميع أبنائها وسلامتهم».
وغير بعيد عن نيويورك، تسلم وزير المال محمد الصفدي، رئاسة مجلس المحافظين في البنك والصندوق الدوليين في واشنطن، مؤكداً أنه أوضح للسلطات الأميركية، في اجتماعاته
مع مساعد وزير الخزانة الأميركية تشارلز كولينز، «أن ما يُروَّج له عن أن الحكومة اللبنانية هي حكومة خاضعة لـ«حزب الله» هو خطأ يراد منه الضرر للبنان». وأكد
وزير المال أن كولينز «لم يبد أي موقف سلبي بشأن لبنان». وفي الشان السوري، قال الصفدي «إن اعتبار لبنان رئة لسوريا يضر بلبنان، لأنه عندما يفرض المجتمع الدولي
عقوبات على سوريا، فذلك يعني المجتمع الدولي وسوريا، ولا يجب أن يدفع لبنان الثمن بغض النظر».
وبعد أشهر من القطيعة السعودية مع الصفدي، التقى وزير المال أمس نظيره السعودي إبراهيم عبد العزيز العساف الذي أكد، بحسب بيان لمكتب الصفدي، «استمرار دعم المملكة
العربية السعودية للبنان وحرصها على استقراره وازدهار اقتصاده».
قمة روحية في دار الفتوى
وفي دار الفتوى، كان البطريرك الماروني بشارة الراعي نجم «القمة الروحية» من خلال كلامه الذي قاله داخل اجتماع رجال الدين، والذي نقلته من طريق الخطأ إذاعة القرآن
الكريم التابعة لدار الفتوى، قبل أن تقطع بث ما يدور في الخلوة. وشرح الراعي في كلمته المواقف التي أطلقها من باريس، قائلاً إنه طلب من الرئيس الفرنسي نيكولا
ساركوزي «العمل على توطيد العلاقة بين ميقاتي والحريري من أجل الوحدة داخل الطائفة السنية». أضاف البطريرك أنه قال لساركوزي إن «حل مشكلة سلاح حزب الله ليس
فقط في أيدي اللبنانيين، بل فرنسا والأسرة الدولية تحملان مسؤولية ساسية ودوراً، فحزب الله يبرر سلاحه باحتلال إسرائيل لأرض لبنانية ويبرر سلاحه بعدم قدرة الجيش
على المقاومة وعلى حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية وسواها، فطالبتُ فرنسا والدول المعنية بتسليح الجيش، وإذا ساعدت على تقويته وتسليحه بما يلزم، نستطيع
أن نقول لحزب الله لا حاجة بعد الآن إلى أن تحتفظ بسلاحك».
أضاف الراعي: «يجب ألّا تقود الأحداث الجارية في سوريا إلى حرب أهلية تصبح بين السنّة والعلويين وتحصد ضحايا بريئة ومنها مسيحيون، وبما أن في لبنان المرتبط
عضوياً بسوريا سنّة وعلويين، يخشى أن تمتد الحرب الأهلية إلى ربوعه». وأبدى تخوفه من أن «يكون الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام أكثر ديكتاتورية؛ إذ يخشى
أن تتسلم زمام السلطة مجموعة أصولية لكونها ممولة من دول، وألّا يضطر العلويون إذا تحولت الأحداث إلى حرب أهلية إلى إعلان دولتهم».
ولاحقاً، خرج البيان الختامي للقمة بسبعة بنود تُركّز على الوحدة الوطنيّة وتؤكد «أن وجود المسيحيين في الشرق هو وجود تاريخي أصيل ودورهم أساسي وضروري في أوطانهم».
وجاء في البيان أن الحراك الجاري في البلدان العربيّة «المطالب بالحرية والكرامة والعدالة والديموقراطية، يتيح فرصاً يقتضي الاستفادة منها لحماية هذا الحراك
ومنعه من الانزلاق إلى ما قد يتجه به اتجاهات تنحرف به عن غاياته الأصيلة أو تكون سبباً في إثارة الهواجس والمخاوف.(...) مع تأكيد رفض كل أنواع التدخلات الأجنبية
في الشؤون الداخلية ورفض كل أنواع الظلم والعنف والاستبداد».
على صعيد آخر، رد النائب ميشال عون أمس على اتهام رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع لخصومه بالدعوة إلى تحالف الأقليات، قائلاً: «من أين اخترع جعجع قصة الأقليات؟»،
مؤكداً أن «الأقليات في سوريا بخطر، وهذا الأمر أقرّ به الأميركيون الذين هم من سبّب المشاكل».
وفي الشؤون المعيشية، لفت عون إلى أن «رئيس لجنة يعرقل قانوناً متعلقاً بقانون المحروقات ويسمح باستخدام الغاز للسيارات»، متوجهاً إلى السائقين بالقول: «المساعدة
التي قُدمت لكم هي شحاذة». أضاف أن هناك مشروعاً للتغطية الصحية الكاملة للشعب اللبناني سيؤدي إلى «تغيير الأسلوب بكامله لينتهي الشعب من الشحاذة».
من جهتها، رأت كتلة المستقبل بعد اجتماعها الدوري أمس أن «إقدام وزير الاتصالات نقولا صحناوي على دخول الطبقة الثانية من مبنى الاتصالات في العدلية من طريق
الكسر والخلع يمثّل اعتداءً على المؤسسات وعلى منطق القانون، والواجب يقضي مساءلته ومحاسبته لدى السلطات المختصة»، مستنكرة ما ورد على لسان «أحد مسؤولي حزب
الله في عرمتى عن أن سلاح الحزب يحمي العيش المشترك والمؤسسات»، واضعة التصريح المذكور في إطار «المآزق التي يسببها فائض القوة لحزب الله».
http://www.al-akhbar.com/
www.al-akhbar.com[1]
ميقاتي: عدم تمويل المحكـمة يخدم إسرائيل
أكد ميقاتي أن العماد جان قهوجي سيزور واشنطن قريباً لبحث تسليح الجيش (إيمانويل دوناند ــ أ ف ب)
يوم نيويوركي آخر لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي يخرق
فيه الطوق الذي قيل إنه مفروض حول حكومته منذ تأليفها. والبارز أمس لم يكن لقاءات ميقاتي أو ترؤسه لمجلس الأمن الدولي وحسب، بل الموقف الذي أطلقه بصفته رئيساً
للمجلس، لناحية تأكيده التزام لبنان تمويل المحكمة الدولية
من نيويورك وعائشة بكار، أطلت السياسة برأسها أمس. في الأولى، رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يرأس مجلس الأمن الدولي. وفي الثانية، عقد «رؤساء» الطوائف اللبنانية
اجتماعاً برزت فيه نجومية البطريرك الماروني بشارة الراعي، بعدما أدى «خطأ تقني» إلى بث جزء من كلمته التي كان من المفترض أن تُقال بعيداً عن وسائل الإعلام.
ولعل أبرز ما صدر عن ميقاتي في نيويورك هو جزمه بأن لبنان ملتزم تمويل المحكمة الدولية، من دون إيضاحه كيفية إصدار قرار التمويل الخلافي. فصحيح أن ميقاتي سبق
أن أعلن الموقف ذاته في لبنان، إلا أن كلامه أمس يكتسب أهمية إضافية؛ لكونه صادراً عن رئيس مجلس الأمن الدولي. وقد أكد رئيس الحكومة خلال إلقائه كلمة لبنان
المترئس لمجلس الأمن أن الحكومة اللبنانية «ملتزمة دوماً احترام قرارات الشرعية الدولية، بما فيها تلك المتعلقة بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وفقاً لما أكدته
البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية المتعاقبة». وفي حديثه إلى الصحافيين بعد اجتماع بالأمين العام للأمم المتحدة، لفت ميقاتي إلى أنه إذا لم يدفع لبنان ما
يترتب عليه من ميزانية المحكمة، «فإن المتضرر الأول هو لبنان»، سائلاً: «هل هناك أحد في لبنان ضد المصلحة اللبنانية؟»، قبل أن يضع عنواناً جديداً لمعركة التمويل
ويربطه بالعداء لإسرائيل. فبرأي ميقاتي، إن «المستفيد الأول من عدم تمويل المحكمة هو إسرائيل؛ لأننا نكون قد أعطيناها ما لم تستطع أخذه بالحرب، وهي تنتظر الفرصة
لكي تتخذ إجراءات ضد لبنان». وعما إذا كان قد حُمِّل أي رسائل أميركية إلى سوريا، أجاب ميقاتي: «ليس دوري نقل رسائل من أحد لأحد. أنا رئيس وزراء لبنان ومسؤول
عن الشؤون اللبنانية وأقوم بواجباتي بكل ما للكلمة من معنى»، مطمئناً إلى أن «المصارف اللبنانية بخير ولا يوجد أي شيء دولي يتعلق بالمصارف اللبنانية». وقال
إنه أبلغ الأمم المتحدة بكل إحداثيات المنطقة الاقتصادية الخالصة. أما بالنسبة إلى ما قيل عن حصار مفروض عليه وعلى حكومته، فقال رئيس الحكومة إنه «لا أحد يمكنه
أن يحاصر لبنان، لما يمثله من همزة وصل بين الشرق والغرب». وفي السياق ذاته، قال الأمين العام للامم المتحدة، بان كي مون، إن الأمم المتحدة يهمها أن «توفّر
الحكومة اللبنانية التمويل اللازم للمحكمة الدولية، فضلاً عن الاهتمام بأوضاع المخيمات الفلسطينية وإعادة إعمار مخيم نهر البارد».
وفي كلمته في جلسة مجلس الأمن المخصصة للتشاور في طلب التصويت لفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، أكد ميقاتي أحقية أن تكون لفلسطين دولة، لافتاً
إلى أن «فلسطين دولة محتلة، وعليه يكون لزاماً علينا أن نساند جهودها في إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال وعودة (اللاجئين) إلى أرضهم». وأتى رئيس مجلس الأمن
على ذكر الأحداث الجارية في سوريا، من باب «التأكيد مجدداً حرصه على وحدة أراضيها وشعبها، وأمن جميع أبنائها وسلامتهم».
وغير بعيد عن نيويورك، تسلم وزير المال محمد الصفدي، رئاسة مجلس المحافظين في البنك والصندوق الدوليين في واشنطن، مؤكداً أنه أوضح للسلطات الأميركية، في اجتماعاته
مع مساعد وزير الخزانة الأميركية تشارلز كولينز، «أن ما يُروَّج له عن أن الحكومة اللبنانية هي حكومة خاضعة لـ«حزب الله» هو خطأ يراد منه الضرر للبنان». وأكد
وزير المال أن كولينز «لم يبد أي موقف سلبي بشأن لبنان». وفي الشان السوري، قال الصفدي «إن اعتبار لبنان رئة لسوريا يضر بلبنان، لأنه عندما يفرض المجتمع الدولي
عقوبات على سوريا، فذلك يعني المجتمع الدولي وسوريا، ولا يجب أن يدفع لبنان الثمن بغض النظر».
وبعد أشهر من القطيعة السعودية مع الصفدي، التقى وزير المال أمس نظيره السعودي إبراهيم عبد العزيز العساف الذي أكد، بحسب بيان لمكتب الصفدي، «استمرار دعم المملكة
العربية السعودية للبنان وحرصها على استقراره وازدهار اقتصاده».
قمة روحية في دار الفتوى
وفي دار الفتوى، كان البطريرك الماروني بشارة الراعي نجم «القمة الروحية» من خلال كلامه الذي قاله داخل اجتماع رجال الدين، والذي نقلته من طريق الخطأ إذاعة القرآن
الكريم التابعة لدار الفتوى، قبل أن تقطع بث ما يدور في الخلوة. وشرح الراعي في كلمته المواقف التي أطلقها من باريس، قائلاً إنه طلب من الرئيس الفرنسي نيكولا
ساركوزي «العمل على توطيد العلاقة بين ميقاتي والحريري من أجل الوحدة داخل الطائفة السنية». أضاف البطريرك أنه قال لساركوزي إن «حل مشكلة سلاح حزب الله ليس
فقط في أيدي اللبنانيين، بل فرنسا والأسرة الدولية تحملان مسؤولية ساسية ودوراً، فحزب الله يبرر سلاحه باحتلال إسرائيل لأرض لبنانية ويبرر سلاحه بعدم قدرة الجيش
على المقاومة وعلى حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية وسواها، فطالبتُ فرنسا والدول المعنية بتسليح الجيش، وإذا ساعدت على تقويته وتسليحه بما يلزم، نستطيع
أن نقول لحزب الله لا حاجة بعد الآن إلى أن تحتفظ بسلاحك».
أضاف الراعي: «يجب ألّا تقود الأحداث الجارية في سوريا إلى حرب أهلية تصبح بين السنّة والعلويين وتحصد ضحايا بريئة ومنها مسيحيون، وبما أن في لبنان المرتبط
عضوياً بسوريا سنّة وعلويين، يخشى أن تمتد الحرب الأهلية إلى ربوعه». وأبدى تخوفه من أن «يكون الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام أكثر ديكتاتورية؛ إذ يخشى
أن تتسلم زمام السلطة مجموعة أصولية لكونها ممولة من دول، وألّا يضطر العلويون إذا تحولت الأحداث إلى حرب أهلية إلى إعلان دولتهم».
ولاحقاً، خرج البيان الختامي للقمة بسبعة بنود تُركّز على الوحدة الوطنيّة وتؤكد «أن وجود المسيحيين في الشرق هو وجود تاريخي أصيل ودورهم أساسي وضروري في أوطانهم».
وجاء في البيان أن الحراك الجاري في البلدان العربيّة «المطالب بالحرية والكرامة والعدالة والديموقراطية، يتيح فرصاً يقتضي الاستفادة منها لحماية هذا الحراك
ومنعه من الانزلاق إلى ما قد يتجه به اتجاهات تنحرف به عن غاياته الأصيلة أو تكون سبباً في إثارة الهواجس والمخاوف.(...) مع تأكيد رفض كل أنواع التدخلات الأجنبية
في الشؤون الداخلية ورفض كل أنواع الظلم والعنف والاستبداد».
على صعيد آخر، رد النائب ميشال عون أمس على اتهام رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع لخصومه بالدعوة إلى تحالف الأقليات، قائلاً: «من أين اخترع جعجع قصة الأقليات؟»،
مؤكداً أن «الأقليات في سوريا بخطر، وهذا الأمر أقرّ به الأميركيون الذين هم من سبّب المشاكل».
وفي الشؤون المعيشية، لفت عون إلى أن «رئيس لجنة يعرقل قانوناً متعلقاً بقانون المحروقات ويسمح باستخدام الغاز للسيارات»، متوجهاً إلى السائقين بالقول: «المساعدة
التي قُدمت لكم هي شحاذة». أضاف أن هناك مشروعاً للتغطية الصحية الكاملة للشعب اللبناني سيؤدي إلى «تغيير الأسلوب بكامله لينتهي الشعب من الشحاذة».
من جهتها، رأت كتلة المستقبل بعد اجتماعها الدوري أمس أن «إقدام وزير الاتصالات نقولا صحناوي على دخول الطبقة الثانية من مبنى الاتصالات في العدلية من طريق
الكسر والخلع يمثّل اعتداءً على المؤسسات وعلى منطق القانون، والواجب يقضي مساءلته ومحاسبته لدى السلطات المختصة»، مستنكرة ما ورد على لسان «أحد مسؤولي حزب
الله في عرمتى عن أن سلاح الحزب يحمي العيش المشترك والمؤسسات»، واضعة التصريح المذكور في إطار «المآزق التي يسببها فائض القوة لحزب الله».
http://www.al-akhbar.com/
www.al-akhbar.com[1]
«نقل» العيش المشترك
Published on الأخبار (http://www.al-akhbar.com)
الصفحة الرئيسية
> «نقل» العيش المشترك
«نقل» العيش المشترك
كلفة الازدحام المروري تبلغ 800 مليون دولار سنوياً غير أنّ الخسارة تفوق هذا الرقم بأشواط (شريف كريم ـــ رويترز)
خطّة العريضي لا تحقّق للبنان الصغير ما يحتاجه
سنوات من تغييب دور الدولة عن أدق تفاصيل حياة المواطن اللبناني، أرست أعرافاً وممارسات خائبة؛ تُرصد تحديداً على صعيد النقل العام. في هذا القطاع، ما يجب أن
يُبحث حالياً ليس خطّة تتطرّق بصورة عرضية إلى النقل المشترك، بل إعادة هيكلة المبادئ العامّة التي تحكم التفكير السياسي الإجمالي باتجاه تحقيق مفهوم النقل
من أجل العيش المشترك
حسن شقراني
يمضي الوزير غازي العريضي بالترويج لخطة النقل التي يطرحها؛ ففي لقاء لجنة الحوار المنبثقة من اتحادات ونقابات قطاع النقل البري أمس، أكّد وزير الأشغال العام
والنقل «تفعيل خطة النقل المشترك، وذلك عبر البدء بشراء الباصات الجديدة».
هناك منافع لا بأس بها لخطّة كهذه، ولكن النقاش المفتوح الذي يتحدّث عنه وزير الأشغال العامّة والنقل بشأن هذه الخطّة، لأنّها بطبيعة الحال «غير منزلة» على
حدّ تعبيره، يجب أن يكون عند مستوى آخر كلياً.
هناك دواع كثيرة لهذه الدعوة، أهمّها: إذا كنت تريد هيكلة النقل العام المشترك، فلماذا لا تفعل ذلك على نحو مناسب، بحيث يكون القطاع متماهياً مع كل القطاعات
الأخرى ويولّد المنافع الاقتصادية في كلّ اتجاه بعدما سيطرت الأساليب المشوّهة لإدارة هذا المرفق العام الحيوي؟
صحيح أنّ التقديرات المحافظة تضع الخسارة المباشرة من جرّاء ازدحام السير في لبنان عند نسبة 2% من الناتج المحلّي الإجمالي. وطبقاً لحجم الاقتصاد حالياً، تبلغ
الكلفة 800 مليون دولار سنوياً... غير أنّ الخسارة تفوق هذا الرقم بأشواط، وفقاً لوزير العمل، شربل نحاس، الذي يطرح مقاربة جذرية أكثر شموليّة لتحقيق هيكلة
القطاع حالياً، وتربط تلك الهيكلة بإعادة صياغة المبادئ التي تحكم فكر السياسيّين.
فالقطاع، كما يعترف معدّو الخطة، وكما يؤكّد نحّاس في حديثه لـ«الأخبار»، مرتبط على نحو وثيق بكل القطاعات الأخرى، نظراً إلى تأثيره على النشاط والحركة. الخطّة
تقول إنّ الحكومة تُدرك «مدى أهمية الدور الذي يؤديه قطاع النقل البري في تنشيط التنمية والنمو الاقتصادي وتفعيلهما» عموماً. وعلى وجه التحديد، تظهر الأهمية
في دور «قطاع النقل العام للركاب على صعيد «تحسين مستوى معيشة اللبنانيّين».
لكن الخطّة ليست الوثيقة المناسبة من حيث الشمولية ولا من حيث النوعية لتحقيق ذلك. ما يحتاجه لبنان حالياً لتطوير قطاع وعكس مفاعيل تأثيره على الاقتصاد ككلّ
هو وثيقة سياسية مبدئية، تنطلق من الإقرار بأن ما ساد في البلاد في السابق هو تشوّه: من السماح بالبناء على جوانب الطرقات السريعة عبر منح رخص غير مفهومة وصولاً
إلى إهمال المناطق الريفيّة.
يُقدّم شربل نحاس ملاحظاته انطلاقاً من خبرته في عمل أداه على محاور مختلفة في محاور النقل العام والتخطيط المدني. فهو شارك في صياغة المخطّط العام لتنظيم الأراضي
اللبنانية، وكانت له مشاركة أوّلية في صياغة مخطّطات إعادة الإعمار. تلك العملية التي كانت مختلّة في صميمها. «خذ مثلاً إلغاء إنشاء محطّة أساسيّة لمترو الأنفاق
(Subway) في منطقة وسط بيروت» يقول شربل نحاس. «ألغيت تلك المحطّة كي لا يختلط رواد النقل العام الذين سيستخدمونها بالطبقة التي خُصص كرمى لها وسط البلد»؛ أي
بمعنى آخر، إبقاء الفصل الطبقي.
الحقيقة هي أنّ سياسة النقل في أي بلد تُعدّ أداةً أساسيّة لتحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والعدالة والكفاءة في توزّع الفرص؛ غير أنّها في الوقت نفسه
يُمكن أن تتحوّل إلى أداة للتهميش والإفقار وتعزيز الفروق الطبقيّة كما يظهر حالياً.
فليس من المنطق بمكان أن يكون هناك اختلاف في أسعار السلع والخدمات، من الأراضي وصولاً إلى سندويش الفلافل، بنسبة 100% بين مدينتين تبعد إحداهما عن الأخرى مسافة
لا تزيد على 80 كيلومتراً. غير أنّ الوضع موجود في لبنان: بيروت وطرابلس
مثلاً!
وصل لبنان إلى وضع كهذا، بحسب نحاس، بسبب «تشتت السوق الداخلي»، فإن كان تأثير تشوّه قطاع النقل العام على الاقتصاد «مأساوياً»، أدّت عدم كفاءة وسائل النقل
في «لبنان الصغير» إلى تقسيم سوق العمل أو تشتّتها، واستتبع هذا الوضع تداعيات اجتماعية خطيرة.
بمعنى آخر، تتمثّل أسس هيكلة قطاع النقل في لبنان في تقويم الآثار الإجمالية للقطاع على حياة الناس والمفاصل الاقتصادية المختلفة. لذا، إنّ المقاربة يجب أن
تكون أكثر شمولية من المطروح حالياً، يجزم شربل نحاس.
ينطلق وزير العمل من قاعدة ذهبية: أن يكون النقل العام مربحاً ليس مسألة ضرورية؛ فنجاح القطاع من حيث تأثيره على الحركة الاقتصادية بمجملها يُمكن أن يتحقّق،
وفي الوقت نفسه تكون هيكليته ممولةً من الخزينة، أي من الأموال العامّة. «فالمردود العام الذي يولّده على صعيد خلق فرص العمل وتوحيد السوق وجدوى الوقت، وبطبيعة
الحال كلفة النقل، هو هائلة وأكبر بكثير من تقويم الخسارة المالية المباشرة التي يُمكن أن تُسجّل في حسابات المؤسّسة المعنيّة بإدارة النقل العام، عامّة كانت
أو خاصّة».
إذاً، لا يستبعد شربل نحاس إمكان إدارة القطاع الخاص للقطاع، واعتماد مبدأ الشراكة، «ما دام هناك حسن استخدام للموارد».
إدارة تلك الموارد يجب أن تنطلق من رؤية صعبة التحقّق، ربّما، غير أنّ البحث في آلية الإصلاح ضروري الآن أكثر من أي وقت، عوضاً عن تعميق التشوّهات؛ فإهمال تأثير
قطاع النقل أدّى إلى ارتفاعات صاخبة في أسعار العقارات، حيث اقتنع المواطنون مع غياب دور الدولة وسلطتها وتطبيق قوانينها بأنّه يُمكن البناء أينما كان دون احترام
تصنيف للأراضي، ومضت السياسة العامّة على مسار معوجّ تُمنح في إطاره رخص البناء من دون وعي لآثارها، نبتت فيه المجمعات التجارية ومحطّات البنزين والمحال التجّارية
كالفطر أينما كان. وهكذا يُمكن تفسير كيف أنّ الطريق السريع الذي ينطلق من بيروت جنوباً يصل إلى صيدا ويُحوّل إلى داخل المدينة!
والصعوبة تنشأ أيضاً من واقع أنّ المستفيدين من نمط كهذا، بعلاقاتهم الانتفاعية والسياسية، سيقاومون أي حالة تصحيحيّة؛ تلك المقاومة يجب أن تُدار بسياسة حكومية
رشيدة، مع التشديد دوماً على أنّ هيكلة قطاع النقل ليست بشراء الباصات كما يفترض غازي العريضي، بل بالبحث جدياً في كيفيّة إعادة صياغة خريطة النقل في لبنان
بمنظور شفاف اقتصادي اجتماعي.
25 في المئة
فائدة سندات الخزينة التي موّلت شراء الباصات عام 1996، حسبما يستذكر شربل نحاس، فيما كان هناك قرض ميسّر بفائدة 7.5% لهذه الغاية!
1.3 راكب
معدّل الركاب لكلّ سيارة وفقاً للتقديرات الحالية؛ وأحد أسباب هذا الرقم المخيف اقتصادياً وبيئياً هو غياب نظام نقل عام فعال وحيوي
الزمن الجميل
شوّهت السياسات غير الرشيدة قطاع النقل كلياً بعد الحرب. فقبل عام 1975 كان لبنان يتمتع بترامواي في مدينتين كبيرتين، وكانت هناك سكة حديد. كذلك إن خطوط النقل
كانت محددة بدقة جغرافياً وزمنياً. انهارت الأمور تقنياً وسياسياً، لدرجة أنّ شراء الباصات في منتصف التسعينيّات، تمّ مواربة عبر سندات خزينة، يُعلّق شربل نحاس.
Published on الأخبار (http://www.al-akhbar.com)
الصفحة الرئيسية
> «نقل» العيش المشترك
«نقل» العيش المشترك
كلفة الازدحام المروري تبلغ 800 مليون دولار سنوياً غير أنّ الخسارة تفوق هذا الرقم بأشواط (شريف كريم ـــ رويترز)
خطّة العريضي لا تحقّق للبنان الصغير ما يحتاجه
سنوات من تغييب دور الدولة عن أدق تفاصيل حياة المواطن اللبناني، أرست أعرافاً وممارسات خائبة؛ تُرصد تحديداً على صعيد النقل العام. في هذا القطاع، ما يجب أن
يُبحث حالياً ليس خطّة تتطرّق بصورة عرضية إلى النقل المشترك، بل إعادة هيكلة المبادئ العامّة التي تحكم التفكير السياسي الإجمالي باتجاه تحقيق مفهوم النقل
من أجل العيش المشترك
حسن شقراني
يمضي الوزير غازي العريضي بالترويج لخطة النقل التي يطرحها؛ ففي لقاء لجنة الحوار المنبثقة من اتحادات ونقابات قطاع النقل البري أمس، أكّد وزير الأشغال العام
والنقل «تفعيل خطة النقل المشترك، وذلك عبر البدء بشراء الباصات الجديدة».
هناك منافع لا بأس بها لخطّة كهذه، ولكن النقاش المفتوح الذي يتحدّث عنه وزير الأشغال العامّة والنقل بشأن هذه الخطّة، لأنّها بطبيعة الحال «غير منزلة» على
حدّ تعبيره، يجب أن يكون عند مستوى آخر كلياً.
هناك دواع كثيرة لهذه الدعوة، أهمّها: إذا كنت تريد هيكلة النقل العام المشترك، فلماذا لا تفعل ذلك على نحو مناسب، بحيث يكون القطاع متماهياً مع كل القطاعات
الأخرى ويولّد المنافع الاقتصادية في كلّ اتجاه بعدما سيطرت الأساليب المشوّهة لإدارة هذا المرفق العام الحيوي؟
صحيح أنّ التقديرات المحافظة تضع الخسارة المباشرة من جرّاء ازدحام السير في لبنان عند نسبة 2% من الناتج المحلّي الإجمالي. وطبقاً لحجم الاقتصاد حالياً، تبلغ
الكلفة 800 مليون دولار سنوياً... غير أنّ الخسارة تفوق هذا الرقم بأشواط، وفقاً لوزير العمل، شربل نحاس، الذي يطرح مقاربة جذرية أكثر شموليّة لتحقيق هيكلة
القطاع حالياً، وتربط تلك الهيكلة بإعادة صياغة المبادئ التي تحكم فكر السياسيّين.
فالقطاع، كما يعترف معدّو الخطة، وكما يؤكّد نحّاس في حديثه لـ«الأخبار»، مرتبط على نحو وثيق بكل القطاعات الأخرى، نظراً إلى تأثيره على النشاط والحركة. الخطّة
تقول إنّ الحكومة تُدرك «مدى أهمية الدور الذي يؤديه قطاع النقل البري في تنشيط التنمية والنمو الاقتصادي وتفعيلهما» عموماً. وعلى وجه التحديد، تظهر الأهمية
في دور «قطاع النقل العام للركاب على صعيد «تحسين مستوى معيشة اللبنانيّين».
لكن الخطّة ليست الوثيقة المناسبة من حيث الشمولية ولا من حيث النوعية لتحقيق ذلك. ما يحتاجه لبنان حالياً لتطوير قطاع وعكس مفاعيل تأثيره على الاقتصاد ككلّ
هو وثيقة سياسية مبدئية، تنطلق من الإقرار بأن ما ساد في البلاد في السابق هو تشوّه: من السماح بالبناء على جوانب الطرقات السريعة عبر منح رخص غير مفهومة وصولاً
إلى إهمال المناطق الريفيّة.
يُقدّم شربل نحاس ملاحظاته انطلاقاً من خبرته في عمل أداه على محاور مختلفة في محاور النقل العام والتخطيط المدني. فهو شارك في صياغة المخطّط العام لتنظيم الأراضي
اللبنانية، وكانت له مشاركة أوّلية في صياغة مخطّطات إعادة الإعمار. تلك العملية التي كانت مختلّة في صميمها. «خذ مثلاً إلغاء إنشاء محطّة أساسيّة لمترو الأنفاق
(Subway) في منطقة وسط بيروت» يقول شربل نحاس. «ألغيت تلك المحطّة كي لا يختلط رواد النقل العام الذين سيستخدمونها بالطبقة التي خُصص كرمى لها وسط البلد»؛ أي
بمعنى آخر، إبقاء الفصل الطبقي.
الحقيقة هي أنّ سياسة النقل في أي بلد تُعدّ أداةً أساسيّة لتحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والعدالة والكفاءة في توزّع الفرص؛ غير أنّها في الوقت نفسه
يُمكن أن تتحوّل إلى أداة للتهميش والإفقار وتعزيز الفروق الطبقيّة كما يظهر حالياً.
فليس من المنطق بمكان أن يكون هناك اختلاف في أسعار السلع والخدمات، من الأراضي وصولاً إلى سندويش الفلافل، بنسبة 100% بين مدينتين تبعد إحداهما عن الأخرى مسافة
لا تزيد على 80 كيلومتراً. غير أنّ الوضع موجود في لبنان: بيروت وطرابلس
مثلاً!
وصل لبنان إلى وضع كهذا، بحسب نحاس، بسبب «تشتت السوق الداخلي»، فإن كان تأثير تشوّه قطاع النقل العام على الاقتصاد «مأساوياً»، أدّت عدم كفاءة وسائل النقل
في «لبنان الصغير» إلى تقسيم سوق العمل أو تشتّتها، واستتبع هذا الوضع تداعيات اجتماعية خطيرة.
بمعنى آخر، تتمثّل أسس هيكلة قطاع النقل في لبنان في تقويم الآثار الإجمالية للقطاع على حياة الناس والمفاصل الاقتصادية المختلفة. لذا، إنّ المقاربة يجب أن
تكون أكثر شمولية من المطروح حالياً، يجزم شربل نحاس.
ينطلق وزير العمل من قاعدة ذهبية: أن يكون النقل العام مربحاً ليس مسألة ضرورية؛ فنجاح القطاع من حيث تأثيره على الحركة الاقتصادية بمجملها يُمكن أن يتحقّق،
وفي الوقت نفسه تكون هيكليته ممولةً من الخزينة، أي من الأموال العامّة. «فالمردود العام الذي يولّده على صعيد خلق فرص العمل وتوحيد السوق وجدوى الوقت، وبطبيعة
الحال كلفة النقل، هو هائلة وأكبر بكثير من تقويم الخسارة المالية المباشرة التي يُمكن أن تُسجّل في حسابات المؤسّسة المعنيّة بإدارة النقل العام، عامّة كانت
أو خاصّة».
إذاً، لا يستبعد شربل نحاس إمكان إدارة القطاع الخاص للقطاع، واعتماد مبدأ الشراكة، «ما دام هناك حسن استخدام للموارد».
إدارة تلك الموارد يجب أن تنطلق من رؤية صعبة التحقّق، ربّما، غير أنّ البحث في آلية الإصلاح ضروري الآن أكثر من أي وقت، عوضاً عن تعميق التشوّهات؛ فإهمال تأثير
قطاع النقل أدّى إلى ارتفاعات صاخبة في أسعار العقارات، حيث اقتنع المواطنون مع غياب دور الدولة وسلطتها وتطبيق قوانينها بأنّه يُمكن البناء أينما كان دون احترام
تصنيف للأراضي، ومضت السياسة العامّة على مسار معوجّ تُمنح في إطاره رخص البناء من دون وعي لآثارها، نبتت فيه المجمعات التجارية ومحطّات البنزين والمحال التجّارية
كالفطر أينما كان. وهكذا يُمكن تفسير كيف أنّ الطريق السريع الذي ينطلق من بيروت جنوباً يصل إلى صيدا ويُحوّل إلى داخل المدينة!
والصعوبة تنشأ أيضاً من واقع أنّ المستفيدين من نمط كهذا، بعلاقاتهم الانتفاعية والسياسية، سيقاومون أي حالة تصحيحيّة؛ تلك المقاومة يجب أن تُدار بسياسة حكومية
رشيدة، مع التشديد دوماً على أنّ هيكلة قطاع النقل ليست بشراء الباصات كما يفترض غازي العريضي، بل بالبحث جدياً في كيفيّة إعادة صياغة خريطة النقل في لبنان
بمنظور شفاف اقتصادي اجتماعي.
25 في المئة
فائدة سندات الخزينة التي موّلت شراء الباصات عام 1996، حسبما يستذكر شربل نحاس، فيما كان هناك قرض ميسّر بفائدة 7.5% لهذه الغاية!
1.3 راكب
معدّل الركاب لكلّ سيارة وفقاً للتقديرات الحالية؛ وأحد أسباب هذا الرقم المخيف اقتصادياً وبيئياً هو غياب نظام نقل عام فعال وحيوي
الزمن الجميل
شوّهت السياسات غير الرشيدة قطاع النقل كلياً بعد الحرب. فقبل عام 1975 كان لبنان يتمتع بترامواي في مدينتين كبيرتين، وكانت هناك سكة حديد. كذلك إن خطوط النقل
كانت محددة بدقة جغرافياً وزمنياً. انهارت الأمور تقنياً وسياسياً، لدرجة أنّ شراء الباصات في منتصف التسعينيّات، تمّ مواربة عبر سندات خزينة، يُعلّق شربل نحاس.
Subscribe to:
Posts (Atom)