الكتـــائب يبحـــث عــن هويّـــة اجتماعيّـــة
ثائر غندور
في يوم صيفي مشمس من صيف عام 2009، جلس النائب سامي الجميّل في بكفيا مع أحد المناوئين له، في محاولة لإقناعه بأن الكتائب في عهده ستتغيّر. تحدّث النائب الشاب كثيراً عن العلاقة مع سوريا وعن أفرقاء الداخل اللبناني، وكرّر كلاماً على أزمة النظام اللبناني التي تتكرّر دوماً. لكن الشاب تحدّث في نهاية الجلسة عن كلمة سرّ: «لا تتفاجأوا إذا ما طرحنا يوماً ملف سوليدير في مجلس النواب لأننا غير موافقين على كلّ ما حصل منذ بداية التسعينيات».
في ذلك الوقت، لم يكن سامي الجميّل يملك تصوّراً اقتصادياً. كان لا يزال يعمل على بناء قدراته الذاتيّة في مجال القيادة، ولاحقاً حول الخيارات الاقتصاديّة، مستعيناً بخبرات أكاديميّة. كان يملك تصوّرات معيّنة، يرى البعض أنها نتاج قراءاته لأدبيّات حزب الكتائب في خمسينيات القرن الماضي وستينياته.
مع الوقت بدأت تُسمع في أوساط شباب حزب الكتائب عبارات من نوع: «نحن حزب ديموقراطي اجتماعي، لماذا لا نستعيد تاريخنا؟»، ثم طرح البعض تعديل اسم الحزب لتكريس فكرة أن الحزب ديموقراطي اجتماعي.
تُرجمت هذه الأفكار في أيّار هذا العام. صدرت مجلّة «العمل» (التي يُصدرها الكتائب) بعنوان عريض استعملت فيه كلمتا «عيد العمّال» بدلاً من عيد العمل. أثارت هذه العبارة نقاشاً واسعاً في الصيفي بين مؤيّدين ومعارضين.
تطوّر خيار سامي الجميّل تدريجاً، واعتمد فريقه الاستشاري على الخيار الديموقراطي الاجتماعي في وضع أولويّات مشاريع القوانين التي يعمل عليها هذا الفريق. من هنا، بدأت صياغة مشاريع قوانين تُلبي هذا الموضوع. فقدّم الجميّل مشروع قانون للانتخابات البلديّة يتضمّن النسبيّة والكوتا النسائيّة، ولتفعيل العمل المحلي. وهو يُعلن دائماً تبنيه لخيار اللامركزيّة الإداريّة.
كذلك، بادر الجميّل إلى تبنّي مطلب الحقوق المدنيّة للشعب الفلسطيني، وهو مطلب كان حزب الكتائب من المعارضين له.
أمّا في الخيار الاقتصادي، فإن الجميّل سعى إلى التنسيق الدائم مع وزير حزبه في الحكومة سليم الصايغ في سبيل بلورة موقف من الموازنة، وقد تميّز هذا الموقف برفض أي زيادة على القيمة المضافة، ثم مطالبة الصايغ في مجلس الوزراء بأن تكون جميع النفقات مشمولة في الموازنة.
سيقدّم الجميّل مشروع قانون يهدف إلى خفض معاشات النواب ومخصّصاتهم
ومن دلائل هذا التبدّل الاقتصادي، التزام حزب الكتائب مطالب رابطة أساتذة التعليم الثانوي بالكامل، ورفضه تأييد الوزير حسن منيمنة الذي سعى إلى إنقاص هذه المطالب، رغم الضغوط الكبيرة التي تعرّض لها سامي، وهنا بدأت تظهر بوادر افتراق اقتصاديّ بينه وبين الرئيس الأعلى للحزب، أمين الجميّل، الذي حاول عدم افتعال معركة مع رئيس الحكومة سعد الحريري في هذا الأمر.
وسيقدّم الجميّل مشروع قانون يهدف إلى خفض معاشات النواب ومخصّصاتهم، وألا تكون رواتبهم لمدى الحياة. ويعمل فريقه على إعادة دراسة أغلب أبواب الإنفاق المالي الكبيرة التي لا تزال قائمة في الدولة، وذلك بهدف البحث في إمكان خفض الإنفاق غير الضروري. وستطرح أبواب جديدة للحصول على إيرادات للدولة، منها ضرائب جديدة على مواد استهلاكيّة مضرّة وغير ضرورية وتُعدّ من الكماليّات.
ويقول مقرّبون من الجميّل الابن، إنه يعمل حالياً على إعداد كلمته في البرلمان عند مناقشة الموازنة، حيث سيقدّم رؤيته الاقتصاديّة، وهي رؤية ستكون مناقضة للسياسة الاقتصاديّة التي اعتمدتها الحكومات الحريريّة منذ الطائف حتى اليوم، «لكنّه لن يكون يسارياً بالكامل»، كما يقول أحد المقربين.
في هذا الإطار، يبدو واضحاً الافتراق في الرؤى الاقتصاديّة بين أمين وسامي الجميّل، وهو ما ظهر بوضوح عندما سحب موقع حزب الكتائب الإلكتروني بيان قطاع التربويين في حزب الكتائب بعدما طالب الرئيس سعد الحريري بذلك.
ويتحدّث بعض الوزراء عن أن وزير حزب الكتائب، سليم الصايغ، يبدو أحياناً مرتبكاً في مجلس الوزراء، إذ يكون إلى يسار شربل نحاس في الخيار الاقتصادي، وعندما يحتدّ سعد الحريري يُلطّف موقفه تدريجاً لينحو نحو الوسط، وذلك في تعبير عن الخلاف الاقتصادي بين أمين وسامي.
والخلاف بين الأب وابنه، سببه أن رئيس الجمهوريّة الأسبق يرى، بحسب بعض الكتائبيين، أن حماية الكتائب تكون في أن يحتضنه رئيس الوزراء، ومن هنا هو لا يرغب في أن يكون عنده خيار اقتصادي، بل يتبنّى خيار الحريري، ربما لأن الجميّل اقتنع بأن النظام السياسي الذي نشأ بعد اغتيال شقيقه (بشير الجميّل) قام على أساس التحضير للطائف وتسليم رئيس الحكومة المفاصل الاقتصاديّة عبر تسليمه نحو ستين صندوقاً وهيئة موازية لوزارات الدولة، وتخضع لرئيس الحكومة مباشرةً، كما يقول أحد السياسيين العريقين. وهذه تفاصيل لا يعرفها سامي إلا من كتب التاريخ ولم يعشها لحظة بلحظة كما والده.
لعل رفض سامي الجميّل عرضاً حريرياً بمساعدته في تمويل حزب الكتائب مثال معبّر عنه، إذ إن سامي يرى في التمويل ارتهاناً سياسياً.
الاخبار
No comments:
Post a Comment