الموازنة تطلب اقتراضاً بلا سقف
الحسن: نعم تلاعبنا بالأرقام
تتجدّد الحملة على وزير الاتصالات شربل نحّاس. التهمة الجديدة هي أنّه يودع فائض إيرادات وزارته لدى المصارف الخاصّة، ما يضطرّ وزارة المال إلى مزيد من الاقتراض... حملة تتناسى أنّ أموال وزارة الاتصالات تودَع مباشرة في حساب لدى مصرف لبنان، وأنّ وزارة المال تقترض أصلاً ما يفوق حاجات الدولة بهدف امتصاص السيولة الفائضة لدى المصارف التجارية. وما دام الأمر كذلك، فما سرّ الحملة المتجدّدة على نحاس؟
يعاود مجلس الوزراء مساء اليوم جلساته المخصصة لمناقشة مشروع قانون موازنة عام 2010 وإقراره. ومن المقرّر أن يسبق هذه الجلسة اجتماع بين وزيرة المال ريا الحسن ووزير الاتصالات شربل نحّاس لوضع اقتراحات مشتركة من أجل توضيح المادة الخامسة من المشروع المتعلّقة بالإجازة للحكومة بالاقتراض، ووضع الآليات الممكنة لضمّ نحو 2660 مليار ليرة من الاعتمادات الملحوظة خارج الموازنة إلى اعتمادات الموازنة نفسها، التزاماً بأحكام الدستور وقانون المحاسبة العمومية التي تفرض أن تكون موازنة الحكومة شاملة لكل الإنفاق العام وكل الإيرادات، بما في ذلك الهبات والقروض.
هذا الاجتماع بين الحسن ونحّاس جاء بناءً على اقتراح من رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بعدما احتدم السجال في الجلسة السابقة (يوم الجمعة الماضي) بين فريقين في الحكومة، أحدهما يصرّ على إبقاء الفوضى كما هي، والآخر يصرّ على تحسين الموازنة، ولو جزئياً، وجعلها أكثر انسجاماً مع الموجبات الدستورية والقانونية، باعتبار أن توضيح الإجازة بالاقتراض وتحديدها بدقة، وضم كل الإنفاق إلى الموازنة لن تغيّر في الأرقام، لا كمّاً ولا نوعاً، بل تقيّد الحكومة بنصوص واضحة وتسمح بدرجة أعلى من الشفافية بما يتيح للمجلس النيابي القيام بدوره الرقابي عندما يقرر استعادة هذا الدور.
ولا شك في أن اقتراح الرئيس سليمان نمّ عن رغبة في تسهيل إمرار مشروع الموازنة بسرعة، ولا سيما أنه علم بنتائج اجتماع وزراء التيار الوطني الحر وحركة أمل وحزب الله للمرّة الثانية في الأسبوع الماضي، إذ تقرر عدم الموافقة على إمرار المشروع إن لم يكن شاملاً، وبالتالي طرح أن يلتقي الوزيران الأكثر قدرة على نسج تسوية ما في هذا الشأن لتقديم الاقتراح اليوم، وقد ظنّ الرئيس أن الوقت سيكون كافياً لذلك. إلا أن وزيرة المال تذرّعت بأنها تعبة جدّاً ولن تعمل في الـ«ويك إند»، وبالتالي أرجأت الاجتماع مع وزير الاتصالات الى يوم الاثنين، ما أوحى بأن هناك نيّات بعدم الاستجابة لمبدأ شمولية الموازنة، وترك الأمور تستفحل لكي يجد الوزراء المعترضون على انتهاك هذا المبدأ أنهم أمام أمر واقع. فإمّا أن يقبلوا باستمرار هذا الوضع على أمل تحسين شروط تغييره في مشروع موازنة عام 2011، وإمّا أن يرفضوا الرضوخ ويتعرّضوا لاتهام جاهز بتعطيل إمرار مشروع الموازنة لأهداف سياسية تحاول النيل من رئيس الحكومة سعد الحريري.
لماذا الإصرار على تطبيق مبدأ شمولية الموازنة الآن؟
لقد قدّم الوزير نحّاس مطالعة في الجلسة السابقة تساءل فيها عن السبب الذي يمنع إدراج نحو 2660 مليار ليرة من الاعتمادات والسلف والنفقات خارج اعتمادات الموازنة. فالحجج القديمة التي أدّت الى نشوء ظاهرة وجود موازنتين، واحدة علنية ونظامية وأخرى مبهمة واستنسابية، لم تعد موجودة حالياً، إذ أنجزت وزارة المال أعمال المكننة وباتت أكثر قدرة على تجميع المعطيات وتحديد الحاجات وتوقّع الاحتمالات، كما أن لبنان يمرّ بحالة وفرة في التمويل على عكس المراحل السابقة، ولم تعد هناك حاجة فعلية لـ«بلف» أحد عبر إخفاء الحسابات الفعلية وتجميل الأرقام والإفصاح عن عجوزات غير حقيقية.
وذكّر نحّاس، وأيّده في ذلك وزراء كثر، بأنّ الدستور يلزم الحكومة بوضع موازنة شاملة لكل نفقاتها وإيراداتها، إلا أن وزيرة المال التي أيّدت المبدأ رفضت أن تلتزم به بذريعة عجز إدارات وزارة المال وعدم وجود الوقت الكافي، وهو ما استدعى مداخلات لعدد من الوزراء أبدوا فيها الاستعداد لتقديم كل العون والمساعدة للوزيرة كي تنجز هذه المهمّة بأسرع وقت، فاضطرت إلى الانتقال لاستخدام حجج أخرى تستند إلى أن الإنفاق من خارج الموازنة هو إنفاق قانوني لكونه مغطّى بقوانين خاصّة كقوانين البرامج المتعلقة بالمشاريع أو قوانين إصدار سندات الخزينة لتغطية مستحقات المتعهدين وفروق الأسعار وغيرها... وهذا ما ردّ عليه نحّاس بأن معظم الإنفاق في الموازنة مغطّى بقوانين خاصّة، بما في ذلك الرواتب والأجور التي لها قانون سلسلة الرتب والرواتب، فضلاً عن أن بعض الإنفاق من خارج الموازنة كمستحقات المتعهدين مغطّى بمواد قانونية ملحوظة في مشروع قانون موازنة عام 2010، إلا أن الاعتمادات ملحوظة خارج المشروع! فردّت الوزيرة الحسن بأن الإنفاق من خارج الموازنة هو تقديريّ، وبالتالي يجب عدم لحظه في الموازنة، فاضطر نحّاس إلى أن يوضح أن كل الموازنة هي تقديرية، ولذلك هناك بند يسمى بند الاحتياطي وهو مخصص لتغطية الفوارق بين الإنفاق التقديري والإنفاق المحقق فعلياً ومواجهة الظروف الطارئة والاستثنائية.
في خضم هذا السجال، تدخّل وزير الإعلام طارق متري ليكشف من دون قصد عن السبب الحقيقي لممانعة وجود موازنة شاملة، إذ قال إن الوزير نحّاس يقصد بكلامه الإيحاء بأن الحكومات السابقة كانت تتلاعب بالأرقام، وهو ما ردّ عليه نحّاس بأنه لا يوحي بذلك فقط، بل يؤكّده، طالباً من وزيرة المال إطلاع المجلس عمّا إذا كان هناك تلاعب، فأجابت بصراحة: نعم، كان هناك تلاعب، إذ كنّا نضطر إلى ترتيب الحسابات مع صندوق النقد الدولي لأننا كنّا بحاجة إلى ذلك... فانتفض وزير الأشغال العامّة والنقل غازي العريضي رافضاً الرضوخ لوصفات المؤسسات الدولية!
ولفت نحّاس إلى أن كل وضعية الإنفاق عبر مجلس الإنماء والإعمار مخالفة للقانون، بما في ذلك قانون إنشائه، إذ إن عدم إدراج القروض التي يتولى تنفيذها في الموازنة ليس له أي أساس قانوني، فأيّده وزير العمل بطرس حرب، لكنه تساءل إن كانت هناك قدرة لتصحيح هذا الوضع؟ فردّت الوزيرة الحسن بأنه ليس هناك قدرة لذلك، فيما أصرّ الوزير نحّاس على أن القدرة موجودة، وقال نحن مستعدّون للمساعدة... فاقترح الرئيس سليمان أن يلتقي نحّاس والحسن لوضع الاقتراحات في هذا الشأن وتقديمها إلى مجلس الوزراء في جلسته اليوم.
لم تنته الجلسة السابقة عند هذا الحد، بل برز اتجاه لـ«سلق» النقاش في شأن المواد القانونية المدرجة في المشروع، إلا أن المادّة الخامسة أثارت سجالاً حامياً جدّاً، إذ إنها مخصصة للإجازة للحكومة الاقتراض من أجل تغطية العجز الكلي المقدّر في المشروع بنحو 6 آلاف مليار ليرة. ولكن قراءة نص المادّة الطويل وفقراتها الكثيرة أظهر أن وزارة المال تطلب الإجازة بالاقتراض من دون سقف ولا تحديد، وفي أحسن الأحوال، فإنها تستطيع بموجب هذه المادّة أن تغطي عمليات اقتراض بالعملات المختلفة بما لا يقل عن 15 مليار دولار، فطالب الوزراء شربل نحّاس وجبران باسيل وفادي عبّود ومحمد فنيش وحسين الحاج حسن وزياد بارود وسليم الصايغ بتوضيح هذه المادة وتحديد سقف الاقتراض بما يغطّي العجز الكلي، مع هامش إضافي يراعي احتمالات نشوء حالات طارئة أو استثنائية ويسمح بمرونة محددة في إدارة عمليات الاقتراض... إلا أنّ الحسن أجابت «بحياتنا ما عملنا هيك»، فردّ الوزراء المعترضون «إذاً، فلنبدأ بذلك». وأشار نحّاس إلى أنّ قانون المحاسبة العموميّة يفرض أن تسجّل الهبات كإيرادات في الموازنة، فصرخت الحسن «لا لا لا هيك بتكونوا عم تربطوني، ولازم نكون واضحين. هيدي المسألة لها علاقة بالسياسة النقدية»... عندها تدخّّل فنيش وجدّد ملاحظته بشأن وجود فائض في حساب الخزينة لدى مصرف لبنان، وقال إن هناك مخالفة للقانون، إذ يجب عدم اقتراض أي مبلغ يفيض عن حاجة سدّ العجز، فأجابت الحسن بأنّها لا تقترض زيادة، بل تقترض مسبقاً، ولذلك هناك فائض في حساب الخزينة.
وحصل هرج ومرج، إذ قال الوزير جان أوغاسبيان إنه لا يجوز تقييد وزيرة المال، فردّ عليه نحّاس بأنّ المسألة ليست تقييداً، بل تفادي مخالفة القانون... وقبل أن تحتدم الأجواء طلب الرئيس سليمان أن تضاف هذه المادة إلى جدول الأعمال بين الحسن ونحّاس، وبالتالي تقديم الاقتراحات لتسوية هذا الوضع.
لقد سهّل اقتراح الرئيس سليمان إنجاز 22 مادّة من أصل 130 مادّة يتألف منها مشروع القانون، إلا أن ما جرى بعد الجلسة يوحي بأن هناك نيّات بعدم الخوض بأي إجراء لتحسين الموازنة وتطويرها. فقد تجددت الحملة في اليوم التالي على الوزير نحّاس بهدف الضغط على الفريق الساعي إلى تأمين شرط شمولية الموازنة وتحديد سقف الاقتراض وتوضيح آليات الاستدانة وأهدافها. ففي الجلسة نفسها، انفعل الرئيس سعد الحريري وسأل نحّاس عن سبب عدم تحويله أموال وزارة الاتصالات إلى وزارة المال، فأجابه نحّاس إن هذا الأمر سيبحث في الاجتماع المقرر بينه وبين الوزيرة الحسن، فإذا بفريق الحريري يسارع إلى تنفيذ حملة تحت عنوان أن مجلس الوزراء سأل الوزير نحّاس عن الأمر، وأن نحّاس يضع الأموال في المصارف الخاصّة للإيحاء بأن هناك خسائر تترتّب على الخزينة، فيما هذه الأموال موجودة في حسابات الخزينة لدى مصرف لبنان، لكن لم يجر تحويلها الى وزارة المال لأن قانون المحاسبة العمومية ينص على أن فائض الموازنات الملحقة يحوّل الى إيرادات الموازنة في نهاية السنة المالية.
لا شك في أن هناك علاقة بين ما يجري الآن في جلسات مجلس الوزراء من أجل تحقيق مبدأ شمولية الموازنة وتحديد سقف الاقتراض، وما جرى في السنوات السابقة، إذ إن تجاوز أحكام الدستور وقانون المحاسبة العمومية سمح للبعض بالقول إن إنفاق نحو 11 مليار دولار أكثر مما تجيزه القاعدة الاثنا عشرية في ظل عدم وجود أي قانون للموازنة منذ عام 2006 هو تجاوز مبرر ومجاز قانوناً، ومعنى ذلك أن المواد القانونية الفضفاضة والمبهمة أعدّت خصوصاً لنشوء اجتهادات من هذا النوع.
(الأخبار)
جريدة الاخبار
No comments:
Post a Comment