Monday, August 16, 2010

وزير الدفاع والجندي الطيّب
وزير الدفاع الياس المرّ خلال مؤتمره الصحافي ــ الفضيحة (محمّد عزاقير ــ رويترز)بعيداً عن الإعلام، وقع أمر ما يوم اشتباك العديسة بين بعبدا واليرزة وانعكس على الفياضية، أمر بقي طي الكتمان، لكن وزير الدفاع، لحساسية خاصة، رأى أنه يمكن توجيه الرسائل لاحقاً له عبر صناديق بريد كالصحف، علماً بأنه ليست كل الصحف بخدمة الساسة بصفة ساعي بريد
فداء عيتاني
أطلق الجيش اللبناني النار يوم تعدّت فيه القوات الإسرائيلية على السيادة اللبنانية في الثالث من الشهر الجاري، ولكن لم تكن الأطراف كافة على الموقف نفسه الذي أظهرته لاحقاً في دعم موقف الجيش الوطني، بل إن البعض من المعنيين والمسوؤلين علت أصواتهم تسأل عما دهى القوات العسكرية وجعلها تردّ على الاعتداء الإسرائيلي «من دون أوامر مباشرة» وعما آلت إليه الأمور حتى أصبح الجيش يجرؤ على فتح النار على القوات الإسرائيلية.
لم تكن الدهشة نصيب القوات المعادية وحدها، بل أيضاً نصيب من كان يرى أن الحديث عن العقيدة القتالية للجيش ما بعد الحرب الأهلية مجرد شعارات للاستهلاك المحلي، وأن العلاقة ما بين الجيش والمقاومة هي مجرد أمر تفرضه ضرورات سياسية وأمنية وموازين قوى سياسية داخلية. وإذ أصيب هؤلاء المسؤولون الحكوميون بالصدمة نتيجة إطلاق الجيش النار على من خرق سيادة البلاد، كانوا يطلقون الصراخ بوجه من استمع إليهم، مشددين على ضرورة «ضبط الوضع».
كان الصوت المرتفع يعلو من محيط بعبدا واليرزة ويصبّ في الفياضية، ولكن حين خرجت الأمور الى الإعلام بدت الصورة وردية، وبدأ الكل يتحدث عن ضرورة دعم الجيش وشراء الأسلحة له، وحتى إلغاء أي وجود للمقاومة بعدما أثبت الجيش قدرته على التصدي لأي خرق إسرائيلي للحدود، وبدأت احتفالية الدعوة إلى التبرع للجيش، الذي تتهالك آلياته على الطرقات في محاولة لتطويق النزاعات الأهلية. وهو الدور الذي يرغب الساسة في احتفاظ الجيش به، إضافة الى قمع التحركات المطلبية، وحماية احتفالات المسؤولين الرسميين، وربما تنفيذ سياسات أميركية وغربية في ضرب المخيمات الفلسطينية في لبنان حين تتاح الفرصة، إضافة الى وضعه في مواجهة المقاومة ما أمكن.
لكن، حين كرر الإسرائيليون الخرق للسيادة اللبنانية ونزعوا الأشجار الثلاث من منطقة العديسة الحدودية، وقف الجيش مكبلاً بأمرة القرار السياسي، وشاهد جنوده كيف تقتلع الآليات المعادية أشجار بلادهم التي دفعوا شهيدين، وآخر من الصحافة، للحفاظ عليها.
كان وزير الدفاع يرى أن هناك من يرصده عن قرب، وهو الذي حاول ترطيب الأجواء مع دمشق في الأشهر الماضية، وقد أبلغه عدد من أصدقائه الصحافيين، كما أحب أن يقول أمس عن الصحافيين في لقائه مع نقابة المحررين، أبلغه عدد من هؤلاء عن أصداء دمشق تجاهه، وأبلغه بعض المعنيين في العلاقة مع سوريا بأن السيناريوهات التي تطرح في البلاد عن تعديلات أو تغييرات حكومية مقبلة لا تلحظه.
علم الوزير أن دمشق وحلفاءها في لبنان لديهم اعتراضات جوهرية على سيرته ومسيرته
وعلم الوزير نفسه أن دمشق وحلفاءها في لبنان لديهم اعتراضات جوهرية على سيرته ومسيرته، وهو الذي اتكل على كونه رجل العهد، كما كان والده من قبله. بات قلقاً الى حد بعيد من الموقف السوري. وبرأيه أن الموقف لدى المقاومة ليس أكثر من انعكاس للموقف السوري، وأن ما أدلى به لحظات الاشتباك في العديسة قد يكون له انعكاس سلبي في الموقف السوري.
ما لم يعرفه أيضاً عموم الشعب اللبناني أن الجندي الطيب الذي أطلق النار على الضابط الإسرائيلي في لحظات الاشتباك الأولى كان عملياً من دون حماية، وكان يحمل بندقية إسناد المجموعة، السريعة الطلقات، وهو كان قد رصد الضابط الإسرائيلي وحدده قبل إعطاء الأمر بالاشتباك، وفور تلقيه أمر النار، بادر الى إصابة الضابط برأسه، وهو بالمناسبة شقيق أحد الشهداء في الصراع مع العدو، لكنه بحسب ما هو متوافر من معطيات لم يحصل على التفاتة من وزير الدفاع، الذي بنى على طلقاته سمعة مستجدة في مقاومة الاعتداءات الإسرائيلية، ويعرف العديد من ضباط الجيش اللبناني جيداً ما كان موقف وزير الدفاع.
والوزير نفسه الذي يفترض أن يكتفي بحماية اللبنانيين من عدوهم، هو من سبق أن حاول إصلاح ما انكسر بينه وبين أحد كبار الضباط السوريين. ووصل الى حد طلب موعد مباشر معه، بعدما كان في زمن حمية 14 آذار قد قال إنه يفضل أن يمزق إطارات سيارته على أن يزور هذا الضابط السوري، ثم أرسل من يطلب مواعيد معه. ومنذ أشهر أتى الجواب السوري بالرفض المهذب لهذه الزيارات التي تجرى عادة دون إشعار وسائل الإعلام.
لكن الوزير نفسه المستاء من تسريبات محلية وسورية بأن الحكومة المقبلة لن تضمّه، ولا حتى بشفاعة رئيس الدولة، يعمد الى إطلاق معلومات بأنه خلال أيام سيكون في دمشق، وستكون هناك سلسلة من المواعيد مع الشخصيات الرئيسية في النظام السوري. وبعد اشتباك العديسة، ورغم موقفه الفعلي، استثمر ما حصل في إرسال رسائل متعددة الى كل الجهات في لبنان وسوريا حول موقفه الداعم وعقيدة الجيش القتالية، الى آخر ما يعتبره هو يراوح بين الشعارات المعدة للاستهلاك الداخلي وتلك المفروضة عليه فرضاً.
ما دفع وزير دفاعنا الى القيام بردة فعل قاسية يراوح بين اعتبارين، الأول أن الوزير يرى أن حزب الله يقف الى جانبه، وأن الصحافي الزميل حسن عليق وجريدة «الأخبار» قد جرى التخلي عنهما من حماتهما (أي بحسب رأي الوزير المعني حزب الله) وأن هذا الحزب (أيضاً بحسب ما توافر من القريبين من الوزير نفسه) قد استخدم الصحيفة لمرة أخيرة كصندوق بريد لإرسال الرسائل له، قبل أن يسحب يده منها بعد تدقيق الوزير مع الحزب إن كان له علاقة بما نشر في «الأخبار».
استخدم الوزير كل ما لديه، استخدم الجيش اللبناني، وهي ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها هذا الوزير هذا الجيش، وإن كان هناك من مجال يوماً لإعادة سرد ما جرى في حرب نهر البارد، وقرار الوزير المعلن عبر شاشة برنامج «كلام الناس» بـ«وقف العمليات الحربية» في المخيم، قبل أن يستكمل الجيش عملياته بشكل طبيعي دون إقامة كبير وزن لكلام الوزير الذي في النهاية يتحمل جزءاً من مسؤولية استشهاد 169 من جنوده وجرح 3750 جندياً وضابطاً في حرب كان يمكن تفاديها، وجلب المطلوبين دون تدمير المخيم وحرق الجيش في أتون رئاسة الجمهورية وتضخيم نفوذ الوزير.
إلا أن تلك حكاية أخرى لوقت لاحق.
هذه المرة أجلس الوزير كبار قياديي الجيش الى جانبه، وأصر على إعادة الاعتبار لما رآه هو إساءة له، في إشارة فهمها وحده بأنها اتهام له بأنه عميل إسرائيلي، وقام بما قام به معتبراً أنه يمكن تربية الصحافة والصحافيين وإبعاد الشبهات عن نفسه، وإقامة خط اتصال مع المقاومة وسوريا يعيد له أهمية مفقودة ووزناً تقلص الى حد الاضمحلال. وإن كان بنى ذلك على حسابات غير واقعية، فإن ما قام به من ضغط على المؤسسة العسكرية لم يترك لضباطها من خيار إلا التنفيذ.
وفي مكان ما يسرّ الوزير الى بعض من أصدقائه الصحافيين بأن ما جرى قد انتهى، وأنه أثبت ما أراد إثباته، وأن الصحافي والصحيفة قد تراجعا، وانتهى الأمر. وربما لا يعلم الوزير أنه ليس كل الصحافيين مجرد مراسيل ومخبرين وعاملين في أكثر من جهاز وعلى القطعة، أو ربما لا يرغب في أن يلتقي أو يسمع من نوع آخر من الصحافيين، إلا أن ما ارتكبه الوزير من أخطاء تجاه الجيش اللبناني وتجاه البلاد وتجاه الإعلام قد لا يمر من دون محاسبة قانونية وإعلامية. وجلب صحافي بالطريقة التي استخدمها، ثم جلب نقابة المحررين من بعده لتطويب اختراقه القوانين والدستور قد لا يعني الكثير، وخاصة أن الوزير نفسه لم يعد في المشهد السياسي المحلي ولا السوري.
________________________________________

غوبلز والإعلام
كان جوزف غوبلز (1897ــ1945) وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر، وهو اختطّ مدرسة في الدعاية السياسية والحرب النفسية، ومن أشهر ما قاله مقولتان، الأولى هي «اكذب اكذب اكذب حتى يصدقك الناس»؛ والثانية «كلما سمعت كلمة مثقف تحسّست مسدسي». وغوبلز نفسه كان معنياً بالإعلاميين، ولكن على طريقته الخاصة، فأخضع الإعلام في ألمانيا لما يوافق الطموحات النازية حينها.
حين كان وزير دفاعنا يطلق تهديداته عبر التلفزة في مؤتمره الصحافي كان يريد اعتقال «أي صحافي أو شخص يتبيّن أنه يقف خلف» المعلومة التي فهمها بأنه هو من سهل فرار العميل غسان الجد الى خارج البلاد. لكنه أشار الى أحد الأجهزة التي سيرسلها لجلب المذنب، أي جهاز المكافحة، الذي يفترض أنه ليس صاحب الاختصاص، وخاصة أن وضع الجيش بمواجهة الإعلام أساساً أمر غير قانوني.
بعد لقاء وفد نقابة المحررين، التي تمثل بعض الصحافيين العاملين في لبنان بوزير الدفاع، خرج الوفد ليقول إن الوزير حريص على الحريات الإعلامية كونه عضواً في نقابتي الصحافة والمحررين (أي نقابتي أصحاب العمل والعمال في آن واحد).
في كل الأحوال كان لسان الوزير سبقه على الهواء مباشرة بقراره وقف مزحة «حرية التعبير».

عدد السبت ١٤ آب ٢٠١٠
الاخبار

No comments:

Post a Comment