حرب أخرى في تموز
فداء عيتاني
يصرّ رئيس الحكومة سعد الحريري أمام من يلتقيهم على القول: «لن أتنازل عن دماء أبي»، كلّما فاتحه أحدهم بالقرار الاتهامي، الذي تزمع المحكمة الدولية إصداره. ويردّ على من يسأله من بطانته عمّا قاله للأمين العام لحزب الله حسن نصر الله: «ليس صحيحاً أنني قلت له مضمون القرار الاتهامي وتاريخ صدوره، بل أخبرته أنه إذا صدر القرار الاتهامي وأشار إلى عناصر من حزب الله، فعلينا أن نوافق على أن أعلن أنا أنّ الحزب لا علاقة له بهؤلاء، وهم مجموعة غير منضبطة».
إلا أنّ رئيس الحكومة يبدو في حال من الاسترخاء الشديد هذه الأيام، إلى الحد الذي استغرق منه ساعة كاملة من الوقت، بعدما قال فؤاد مخزومي ما قاله عن القرار الاتهامي وبوسطة عين الرمانة، قبل أن يحزم الحريري أمره، ويغادر قاعة البيال، كما أن الحريري أسرّ إلى بعض أصدقائه بتفكيره في أخذ إجازة طويلة بعد مرحلة العمل الطويلة التي أمضاها من أجل المصلحة العامة في البلاد.
الحريري، الذي غادر قاعة البيال وأصدر من حوله تصريحات تفيد أنه انسحب ممتعضاً فور سماعه كلمة مخزومي، يرسل إلى الأمين العام لحزب الله كلمات تشبه ما يقوله بين بطانته، من أنه لن يتنازل عن دماء والده، وأن موقف نصر الله غير مقبول، وأنه ليس بإمكان حزب الله أن يرفض القرار الاتهامي للمحكمة سلفاً.
وفي الضفة المقابلة تماماً ثمة شخص لا يشبه الحريري بشيء، هو نصر الله، الذي يرى أن ما يتعرّض له اليوم هو حرب كاملة، لا تقلّ فتكاًَ ولا خطورةً ولا أهميةً عن حرب تموز عام 2006، وإن كانت حرب تموز قد هدفت إلى تدمير المقاومة ووضعه مع باقي قادتها في معتقل غوانتانامو، فإن المؤشرات اليوم عن حرب القرار الاتهامي، إضافة إلى ما يرده من معلومات عنها، لا توحي بأقل من ذلك، وإن كان الهجوم الأميركي ـــــ الإسرائيلي في مرحلة ما قبل السابع من أيار عام 2008 كان في أوج التدخل الأميركي المباشر في المنطقة، فإنّ الهجوم الحالي الذي يتّخذ من المحكمة الدولية غطاءً يجري في ظل حاجة الإدارة الأميركية إلى الكثير من الغبار لتغطية انسحابها من المنطقة، وإقامة تسويات، ربما ما يدفعها إلى الاعتقاد بأنّ رأس حزب الله قد يكون جزءاً من الثمن الذي يمكنها أن تجنيه.
حين يلتقي نصر الله حلفاءه لا يطلب منهم أي شيء، أحياناً يكتفي بأن يستعرض أمامهم الواقع العام في البلاد، وفي المنطقة، وبعضهم يطرح إمكاناته للعمل في الجانب السياسي والميداني، إلا أنّ الرجل لا يعطي أية إشارة إلى رغبته أو حاجته إلى وقوف القادة السياسيين المحليين إلى جانبه، ولو على مستوى التصريحات السياسية اليومية، يبدو كأنه أصبح يعتمد على قدراته الذاتية، وكمن يحارب اليوم في السياسة كما سبق أن قاتل في حرب تموز: بمفرده مع قادة حزبه، وبعضهم ممّن تُعَد العدة لإدراج اسمه في القرار الاتهامي، ولكن حتماً دون حلفاء، أو أيّ شخص من خارج الدائرة الضيّقة للحزب.
نصر الله من ناحيته اتخذ القرار الأصعب بالسير في دفاعه عن حزبه ومقاومته حتى النهاية، وهذه النهاية يُفترض ألا تكون بعيدة، وقد تكون اليوم مع القمة التي ستُعقد بين الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز والرئيس اللبناني ميشال سليمان، وقد لا تكون، وإذا لم تصل الأمور إلى تسوية مقبولة في البلاد، فإنّ نصر الله سيختتم المعركة، أو قل يشعلها كاملةً قبيل بداية شهر رمضان.
ورئيس الحكومة يبدو كمن لم يعد يعرف كيف يخرج من أزمة هو من شكّلها بخطواته المتعثّرة كخطاباته، فهو لم يلتقط الإشارة إلى أن المطلوب منه أن يتحدث بالجملة التي نطقها الوزير محمد الصفدي من الرابية، ولم يعرف كيف يحفظ المقاومة، هذا إذا كان يريد ذلك، أضف إلى أنه لم يعرف كيف يحفظ حكومته من الانفجار من الداخل إذا ما وصلت الأمور إلى الموعد (الذي أبلغه هو إلى نصر الله كتوقيت لصدور القرار الاتهامي)، ولم يتفهّم أيضاً أن سوريا تنتظر منه خطوات عملية لا أقوالاً ومجاملات، ولا محاولات لإيجاد شرخ بينها وبين قيادة حزب الله.
إذا وصلت التسوية إلى تعهد واضح من الأطراف العربية (السعودية خاصةً) بتأجيل القرار الاتهامي، تمهيداً لإعادة صياغته كما يجب ويُفترض، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً، فإنّ بإمكان الأمين العام لحزب الله أن يتأكد من أنه قد استكمل نصر تموز بنصر آخر، لكن إلى حين يجنّ العدو ويقرّر مهاجمة وطننا مباشرةً، كما يمكن رئيس الحكومة أن يأخذ إجازة قد يمضيها مع عائلته بانتظار عودة له إلى البلاد بعد أن يخفّ مجدّداً جو التشنج السياسي، ولكن إذا لم يحصل هذا الأمر فقد يضطر العديد من قادة قوى 14 آذار إلى الإسراع لملاقاة مشغّليهم الدوليين أو الإقليميّين.
عدد الجمعة ٣٠ تموز ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment