«الانقسام المسيحي» في المركز الكاثوليكي
بين «الحكم» و«الحكيم» ورؤية مشتركة... لم تتبلور
غراسيا بيطار
لا يدعي المركز الكاثوليكي للإعلام تقديم الحل وإنما، على ما قال رئيس اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام المطران بشارة الراعي، مساعدة الرأي العام على تكوين صورة
واضحة عن الفقرة 34 من «أداة العمل» لجمعية سينودس الشرق الأوسط: المسيحيون منقسمون سياسيا ومذهبيا ولا أحد يملك مشروعا سياسيا مقبولا من الجميع.
سامي الجميّل دعا الى «تخطي حساسيات شخصية من رواسب الماضي». سأله الحضور كيف ذلك، فأجاب: «ربما يحتاج الأمر لدى القادة الى إلهام من الروح القدس وأما على مستوانا
نحن فالأمر تحقق». «صوّب» إبراهيم كنعان: «لا يتحقق أي شيء على مستوى القاعدة إلا إذا توافرت الإرادة من فوق». وهذا «الفوق» ارتبط اسمه، في القراءات، بالجبهات
الخارجية التي، في الخلاصة، تنعكس انقساما مسيحيا في الداخل.
قدم كل فريق، مردي وقواتي وبرتقالي وكتائبي، طرحه للحل: بين يوسف سعادة الذي دعا الى «قراءة صفحة الماضي قبل طيها وتعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية فالرئيس إميل
لحود المثل الأبرز»، ودور المسيحي «الحكم» و«الإطفائي» مع الجميّل، و«تحييد لبنان وحصر السلاح بيد الدولة» مع إيلي كيروز، وإبراهيم كنعان الذي أضاف الى «الحك»
صفة «الحكيم». اختصرت مداخلة مدير المركز الأب عبدو بوكسم ندوة حاولت أن تشكل انطلاقة جدية لموقف مسيحي في القضايا الكبرى: «لكل فريق سياسي مشروعه المقتنع بأنه
سيكون لمصلحة لبنان».
الوزير «المردي» مرّ سريعا على الماضي حيث مراحل «تفويت الفرص والرهانات التي دفعنا ثمنها اليوم فضلا عن ارتكاب الأخطاء والخطايا...»، لكنه رفض طي كل تلك الصفحات
من دون قراءتها. ورأى أن لا آثار سلبية من الإنقسام المذهبي وإن ضمّ صوته الى دعوات التوحيد. وأما في السياسة، فليس المطلوب، برأيه، إعتماد الرأي المسيحي الواحد
وإنما «عدم تجاوز الخطوط الحمر في الثوابت الوطنية لما في ذلك من إنعكاسات على الدور والوجود المسيحي والقائم على الشراكة الفعلية في صناعة مستقبل البلد».
ورأى كيروز أن «انقسام المسيحيين في لبنان مذهبيا لا ينعكس انقساما سياسيا فانقسامهم السياسي مرده بالدرجة الأولى الى انقسامهم منذ العام 2005 حول الخيارات
الأساسية المتعلقة بتحرير لبنان واستعادة سيادته واستقلاله وبصورة خاصة الدور السوري فيه وسلاح «حزب الله». وعدد سلسلة ثوابت للمشروع السياسي ومنها «تثبيت نهائية
الكيان اللبناني والحرية في لبنان والعيش المشترك السوي والمجتمع التعددي». ومن ضمن هذه الثوابت، شدد على «أننا لا نريد تحويل لبنان الى معادلة عددية تكون الفاعلية
السياسية فيها وقفا على العدد»، مشيرا الى أن «القوات اللبنانية» تدعو الى مصالحة مسيحية مسيحية والى حصر السلاح اللبناني بالقوى الشرعية المسلحة وإخضاع كل
المهام الدفاعية والأمنية لقرار السلطة السياسية. وخلص الى أن الحوار هو الوسيلة الفضلى لتوحيد المسيحيين سياسيا حول مشروعهم التاريخي.
قراءة الماضي التي دعا اليها سعادة لم تحصل ورواسبه هي ما توقف عندها الجميّل، « فمن غير المقبول أن تبقى حساسيات الماضي الشخصية في العام 2010 فضلا عن عجز
المسيحيين عن خلق هوية سياسية لهم إنما دخلوا، إرادياً أم لا، في صراع إقليمي يرتد داخليا بشكل مباشر». و«أما الكتائب فرأت الحل في ما تعتبر أنها تمارسه هي
اليوم أي لعب دور «الحكم»: فعلى المسيحيين أن يلعبوا هذا الدور ليطفئوا نار الإشتعال أو الفتنة أو التشنج وهذا أكثر ما يحتاج اليه لبنان اليوم». وبذلك لا حلول
سحرية وإنما «إرادة سياسية تقضي بتحييد المناطق المسيحية من أي صراع قد ينشأ». ودعا الى بلورة مشروع مسيحي استراتيجي للمستقبل يأخذ بثوابت منها نهائية لبنان
والعيش المشترك وتحييد لبنان عن صراعات المنطقة «باستثناء الصراع العربي الإسرائيلي المفروض علينا». بالإضافة الى ثابتة «كتائبية»: «الحفاظ على اللامركزية الموسعة
أو التعددية المكرسّة بشكل جغرافي من أجل الحفاظ على الوجود المسيحي في لبنان وعلى سلمه الأهلي».
هذه التجربة المسيحية التنافسية دعا كنعان الى تعميمها «فنحن لسنا نموذجا شموليا لا في لبنان ولا في المنطقة». وإذ وافق على الثوابت التي عدّدها الجميّل، لفت
الانتباه الى أن لا انقسام مسيحي حول مبادئ السيادة والحرية والإستقلال ولكن «هناك مقاربات مختلفة حول ما يحصل حولنا وكيفية التعاطي مع معطيات المرحلة». اذ
ان «التيار الوطني الحر» ليس متمايزا اليوم عن «تيار المستقبل» و«الحزب التقدمي الإشتراكي» في رؤيتهما للعلاقات مع سوريا، قال كنعان متوقفا عند القمة الثلاثية
في بعبدا التي «تسجل لرئاسة الجمهورية التي كانت هي الحدث هذه المرة». ودعا الى «عدم الشطح في المواقف (مستئذنا من الوزير السابق محمد شطح)»، ومتمنيا العمل
على بلورة رؤية مشتركة لا تغفل احترام السلطة الكنسية، من أجل إعادة المسيحيين الى الدولة وليس الى التقوقع ورفض الآخر والتشكيك به فالجميع ناضل وقدم التضحيات.
غراسيا بيطار
السفير
No comments:
Post a Comment