القيادة الجديدة للجيش التركي:
عندما تحاسب السلطة السياسية العسكر
محمد نور الدين
تعتبر «الشورى العسكرية العليا» الهيئة الأعلى في القوات المسلحة التركية. وهي تجتمع مرتين في السنة لدرس القضايا الأساسية للمؤسسة العسكرية. لكن الاجتماع الذي
ينعقد مع مطلع آب من كل عام يعتبر الأهم، إذ يسبق عادة انتهاء مدة بعض قادة القوات المسلحة وإحالتهم على التقاعد، وبالتالي ضرورة تعيين بدل منهم. ويكتسب اجتماع
الهيئة أهمية إضافية إذا كانت المنتهية ولايته هو رئيس الأركان، أعلى موقع عسكري في تركيا.
وهيئة الشورى العسكرية تجتمع برئاسة رئيس الحكومة، وتتخذ قراراتها في الترفيعات والتعيينات من تلقاء ذاتها، لكن يتوجب أن تمر أولاً على وزير الدفاع الذي يرفع
الأسماء المقترحة للترفيع والتعيين ليوافق عليها رئيس الحكومة أو يرفضها، ومن ثم ترفع إلى رئيس الجمهورية الذي بدوره يوافق أو لا يوافق قبل أن تذهب، حال الموافقة،
إلى الجريدة الرسمية لتعتبر نافذة.
وفي العادة فإن اجتماعات الأول من آب تستمر يومين أو ثلاثة أو أكثر، وتقوم باقتراح التعيينات والترقيات التي تصبح سارية بدءا من 31 آب حيث ينتهي «العام العسكري»
إذا جاز التعبير في 30 آب.
لم يشهد تاريخ تركيا الحديث تضارباً أو تعارضاً بين الحكومة أو رئيس الجمهورية من جهة والمؤسسة العسكرية من جهة ثانية حول التعيينات والترقيات إلا نادراً. غالباً
ما كان الأمر ضمن البيت الواحد، وإذا حصل خلاف فلأسباب تقع في إطار الاجتهاد والتباين في الرأي.
حصل ذلك للمرة الأولى في عهد رئيس الحكومة سليمان ديميريل عام 1977 الذي أراد تعيين الجنرال علي فتحي ايسينير قائدا للقوات البرية، بينما عارض ذلك رئيس الجمهورية
فخري قوروتورك. وحينها استقال ايسينير ومن كان يمكن أن يكون بدلا منه بعده، أي قائد الجيش الثاني شكري اولجاي، ففتحت الطريق أمام كنعان ايفرين ليكون قائدا للقوات
البرية، ومن بعدها رئيساً للأركان، لينفّذ في العام 1980 انقلاباً عسكرياً دموياً لا تزال تركيا تعاني من آثاره السلبية حتى اليوم.
وفي عام 1987 ألزم رئيس الحكومة طورغوت اوزال قادة الجيش تعيين نجيب طورومتاي رئيساً للأركان رغم انه لم يكن دوره. وفي عام 2002 استُهدف الجنرال أديب باشير
بمنعه من تولي قيادة القوات البرية رغم انه كان يستحقها، وأحيل على التقاعد.
عدا هذه الاستثناءات التي كانت تحصل لاعتبارات غير سياسية فإن قرارات الشورى العسكرية العليا كانت دائما تعتبر»سارية»، وأمراً واقعاً لدى رسمها في اجتماعات
الهيئة، بحيث يكون دور رئيس الحكومة والجمهورية اقرب إلى كاتب عدل يصادق عليها.
لكن اجتماعات العام الحالي كانت استثنائية ومميزة. اجتماعات الأول من آب الحالي لم تنته في موعدها المحدد. انتهت أربعة أيام من الاجتماعات من دون نتيجة نهائية
حول الأسماء التي يجب أن تترقى، أو تلك التي يجب أن تعين.
المشكلة كانت غير مسبوقة. لم تكن مجرد تباين في وجهات النظر بل صراع سياسي مكشوف بين تيارين، واحد يقول بإخضاع العسكر للسلطة السياسية واحترام العملية الديموقراطية،
وآخر لا يتورع، إذا استطاع، عن خرق الأعراف والقوانين لهزيمة خصمه.
قبل أيام معدودة فقط أصدرت محكمة العقوبات الثقيلة الحادية عشرة في اسطنبول قراراً بتوقيف أكثر من مئة متهم عسكري، بينهم 28 ضابطاً في الخدمة الفعلية، ومن بين
هؤلاء تحديداً الجنرال حسن ايغسيز قائد الجيش الأول. كان اسم ايغسيز مقترحاً لتسلم قيادة الجيوش البرية، وهو الموقع الذي يخوّل صاحبه أن يصبح حسب التقليد رئيساً
للأركان. وإضافة إلى ايغسيز هناك 11 جنرالا مرشحون للترفيع والتعيين.
هنا انتفض رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان ومن خلفه رئيس الجمهورية عبد الله غول، ورفضا أن يتم تعيين أو ترقية أي ضابط له صلة بمذكرات التوقيف والمشاركة في إعداد
خطة «المطرقة» للإطاحة بالحكومة عام 2003. وكان تركيز اردوغان على دور ايغسيز في خطة الإطاحة بالحكومة.
هنا رفع رئيس الأركان في 4 آب الأسماء المقترحة مع إبقاء مركز قائد القوات البرية شاغراً، إضافة إلى عدم تعيين رئيس جديد للأركان رغم انه كان مجمعاً منذ مدة
على قائد القوات البرية ايشيك كوشانير. ومن هنا بدأت الأزمة.
وفي اثر ذلك انطلقت اجتماعات عدة بين رؤساء الجمهورية والحكومة والأركان للبحث في سبل حل الأزمة. وزاد من عمق الأزمة أن قائد الدرك الجنرال اتيلا ايشيك، الذي
كان اسمه قد طرح لقيادة القوات البرية كحل بعد رفض اسم ايغسيز، تقدم بطلب إحالته على التقاعد.
وهنا بدأ البحث من جديد عن أسماء من بين من تبقى، وما يفرضه ذلك من نقل جنرال من موقع إلى آخر وشغور موقعه، ما حوّل البحث عن حلول إلى لعبة شطرنج بالأسماء.
وفي هذه اللحظة، وبالتحديد الجمعة 6 آب بادرت محكمة اسطنبول إلى إلغاء مذكرات التوقيف بحق مئة متهم في قضية خطة «المطرقة»، ما اعتبر تراجعاً من جانب السلطة
السياسية، وهو ما اعتبر أيضاً مؤشراً على قرب الوصول إلى حل لقضية التعيينات.
لم تقتصر مشكلات هذا العام على اسم حسن ايغسيز. إذ بعد وصول مشكلة التعيينات إلى مأزق قال رئيس الأركان ايلكير باشبوغ إن تعيين نجدت اوزيل قائداً للقوات البرية،
كما يرغب اردوغان وغول، يقضي بتعيين نائب رئيس الأركان أصلان غونير قائداً عاماً للدرك بدلا من اوزيل. لكن رد اردوغان وغول جاء موافقاً على اوزيل لكنه معارض
لغونير لسببين: الأول، وهو غير معلن، هو موقف غونير السلبي بعد انتخاب غول رئيساً للجمهورية في 2007، وانسحابه من صف المنتظرين في المطار للرئيس وعقيلته وذلك
ليتجنب مصافحة زوجة الرئيس خير النساء، فقط لأنها محجبة.أما السبب الثاني فهو أن غونير لم يشارك من مواقعه السابقة كقيادي في أية معارك مع حزب العمال الكردستاني،
وهذا غير مألوف في من يمكن أن يتولى لاحقاً رئاسة الأركان. كذلك أصر غول وأردوغان على إحالة العقيد جمال تميز اوز على التقاعد نظرا لدوره في الجرائم المجهولة
الفاعل.
الصورة الحالية للقيادة العسكرية يمكن القول إنها انتصار لحزب العدالة والتنمية، حيث أن قائد القوات البرية الجديد اردال جيلان اوغلو الذي عادة ما يصبح رئيساً
للأركان سوف يحال للتقاعد بعد عام. وهذا يفتح الطريق أمام الجنرال نجدت اوزيل، الذي أصبح الآن قائداً للدرك، ليصبح العام المقبل قائدا للقوات البرية ومن بعدها
رئيساً للأركان للفترة بين 2013 و 2017. وأوزيل من الذين يدعمه كل من اردوغان وغول.
تعيين جيلان اوغلو قائداً للقوات البرية فتح أمام تعيين الجنرال خيري كيفريك اوغلو قائداً للجيش الأول والجنرال نصرت طاشديلير لقيادة جيش ايجه والجنرال بيلغين
بالانلي قائدا للأكاديميات الحربية.
لكن الصورة النهائية للتشكيلات العسكرية لم تخل من العديد من الملاحظات. فإذا كانت سلطة «العدالة والتنمية» قد نجحت في مواجهة الرموز التي كانت تعتبر خارجة
على القانون والانتصار للديموقراطية عبر تصفية من كانوا يحاولون الإطاحة بصورة غير شرعية بالحكومة فإن التعيينات الجديدة قد جاءت ببعض الأسماء ذات «التاريخ»
المعادي للإسلاميين.
من هؤلاء مثلا الجنرال اردال جيلان اوغلو الذي عين قائدا للقوات البرية. وجيلان اوغلو كان قائد سرية الدبابات التي قامت بعرض قوة عسكري في شوارع ضاحية سنجان
في أنقرة في مطلع شباط 1997 كرد فعل على الاحتفال من جانب رئيس بلدية سنجان المنتمي إلى حزب «الرفاه» بليلة القدس بحضور السفير الإيراني. وكان رئيس الحكومة
وقتها نجم الدين اربكان الذي بدأت الإطاحة به بعد ذلك بعشرين يوما في 28 شباط في الاجتماع الأشهر في تاريخ تركيا لمجلس الأمن القومي.
حصلت أزمة التعيينات والترقيات في فترة مهمة من تاريخ تركيا، التي تهب في 12 أيلول المقبل إلى استفتاء على الإصلاحات، فيما في الأساس هو استفتاء على شعبية السلطة
والمعارضة.
هل لما جرى في اجتماعات الشورى العسكرية وما انتهت إليه تأثير على الاستفتاء؟ لا يمكن الجزم بعد بمدى تأثير ذلك، فلا يزال هناك شهر على الاستفتاء، والحملة بشأن
الاستفتاء لا تأخذ أي مجرى يتعلق بمضمون رزمة الإصلاح، بل تحوّلت إلى حملة انتخابية على شعبية حزب العدالة والتنمية. إذ أن قادة الأحزاب، بمن فيهم اردوغان،
يصولون في البلاد من أقصاها إلى أقصاها، بل إن الزعيم الجديد لحزب الشعب الجمهوري كمال كيليتشدار أوغلو يحاول أن يسجل انتصارا على اردوغان ليس بسقوط الإصلاحات
في الاستفتاء بل بتسجيل اردوغان نتيجة ضعيفة سيستغلها خصومه من اجل إجراء انتخابات نيابية مبكرة.
لكن يمكن القول أن ما انتهت إليه قضية التعيينات وتسجيل اردوغان وغول «انتصاراً» على العسكر سيعزز صورة اردوغان المدافع عن الديموقراطية ومنع تدخل العسكر في
السياسة، وهو ما قد يزيد بعض النقاط لصالح من سيقولون «نعم» في استفتاء 12 أيلول.
وفي جميع الأحوال سيحتفظ التاريخ بذكرى اجتماعات الشورى العسكرية عام 2010 بوصفها محطة إضافية في اتجاه أن يكون للسلطة السياسية الكلمة العليا في التعيينات،
وفي إخضاع المؤسسة العسكرية لرقابة السلطة المدنية في صراع جوهره سياسي، وهو ما يحدث للمرة الأولى في تركيا.
السفير
No comments:
Post a Comment