Monday, August 16, 2010

عن أولئك الذين لا يتعلّمون
فداء عيتاني
كثرٌٌ هم أولئك الذين لا يتعلمون في بلادنا، وخاصة في مناصب الحكم، ويسيطر عليهم وهم القوة، حيث يرى القادر أو صاحب السلطة أو المال أن باستطاعته تسيير الأمور كما يرغب، ويحيط نفسه بمدّاحين ومستشارين وأجهزة إعلام تغنّي على ليلاه، وتطنب له، وتشيد بخطواته الحكيمة كلما لاح له في الأفق شر، أو أعمل تفكيره المتواضع في مدى صوابية خطواته.
إلا أن الواقع يتحرك وفق معطيات مختلفة، وأوّلها موازين القوى، وتاليها الفعل ورد الفعل. ولا ينفع أن يرى البعض أن الكلام المعسول عن ترك التحقيق يأخذ مجراه سيخدع من يعلم مسبقاً بما تُعدّ له الدوائر المحلية والغربية من موجة جديدة من الاضطرابات الداخلية في لبنان.
ولا يفيد بشيء التذاكي الذي يمارسه بعض أقطاب قوى 14 آذار، وادّعاء البراءة الزائفة، حيث يتحدثون عن المهنية في التحقيقات، مع التشديد على حرصهم على الوضع الداخلي في البلاد، وينتظرون المدد من القرار الاتهامي الذي بات الجميع يدركون أنه يُبنى على معطيات تفيد بأن عناصر من حزب الله أعدّت لعملية اغتيال رفيق الحريري، ويستند هذا القرار إلى عاملين رئيسيين: الأول هو الشهود، والثاني هو داتا الاتصالات.
أما التذاكي ومحاولة تقطيع الوقت فهما لم يمرّا على الفريق الذي يفترض أن يُساق إلى المقصلة، ويقال له كل الوقت «ابتسم للصورة»، بينما تسنّ له الشفرات لقطع رأسه. وهذا الفريق، أي حزب الله، يرصد ما يجري حوله في الداخل اللبناني، تماماً كما يعدّ سكنات الجنود الإسرائيليين على الجانب الآخر من الحدود اللبنانية الفلسطينية.
ومن يعرف حزب الله، أو تعامل معه مباشرة، يعلم أن قيادة الحزب تترك الفريق الذي يعدّ للمحكمة الدولية أوراقها ويرسل لها الأدلة المزوّرة حتى يكاد يصل في لعبته إلى الخاتمة، ثم يعمد الحزب إلى تنفيس البالون المنفوخ بالمعطيات الكاذبة، وتترك قيادة الحزب هذه القوى تعمل على قاعدة «دعنا نر إلى أين سيصلون»، مع التشديد على فهم دقيق وتجميع كامل للمعطيات التي تُعدّ.
في المقابل، فإن عين هذه القيادة على الشارع الذي قد يُحرّك في وجهها، وتحديداً الشارع السنّي الذي يمكن أن تخرج منه الفتنة مجدداً، علماً بأن ظروف الوضع الراهن تختلف عن ظروف عام 2008، حين كان التهديد بالفتنة على أشدّه، وكان هناك آلاف من الشبان الذين يخدمون تحت مسمّى شركات الأمن الخاصة، وكان هناك ضخّ ماليّ وإعلاميّ لا مجال لمقارنته بما يجري اليوم. إلّا أن القلق اليوم من بعض التهديدات التي سمعتها قيادة الحزب من ردود فعل محتملة لبعض القوى الجهادية في الشارع اللبناني.
هذا التهديد الذي يعني إمكان تفجير مصلّى في الضاحية أو اعتداء على قوات اليونيفيل في وقت حساس بعد كل ما جرى مع هذه القوات في الجنوب، أو مهاجمة مستشفى ما في منطقة سكنية شيعية مكتظة في بيروت، يشير إلى انعدام قدرة على استعادة أجواء التوتر العامة، وإمكان استخدام بعض القوى الجهادية المخترقة لتفجير الوضع الأهلي.
في السياسة، فإن قيادة الحزب ترغب فعلاً في معرفة إلى أي مدى سيتواصل اللعب على ملف المحكمة، وخاصة أن الشهود هم شهود زور كما بات معروفاً، والأدلة الهاتفية من داتا للهواتف الخلوية اخترقتها الاستخبارات الإسرائيلية، وربما وضّبتها، وثانياً فإن العرض الذي سبق أن قدمه رئيس الحكومة للأمين العام لحزب الله بتحميل مسؤولية جزئية لبعض من في الحزب عن جريمة الاغتيال مرفوض بالكامل، كما أن أي اتهام أو أي صيغة تورّط الحزب في الجريمة مرفوضة سلفاً من قبل قيادة هذا الحزب، مهما كان شكلها، وخاصة أن الأدلة المجمّعة لغاية الآن عن علاقة ما لمجموعة (أو مجموعات) من الحزب بعملية الاغتيال هي أدلة كاذبة أو مختلقة ومفبركة.
ويشير بعض من يعرف حزب الله إلى أن أصابع الاتهام تتوجه إلى مدير فرع المعلومات وسام الحسن وأحد الوزراء السابقين في وزارة الاتصالات في المساهمة في تركيب الأدلة على الحزب وتوزيع التسريبات السياسية والإعلامية. ويضيفون أن رئيس الحكومة سمع من الرئيس السوري، خلال الزيارة الأخيرة، كلاماً يجب أن يُسأل عنه سعد الحريري عن المحكمة والعلاقات اللبنانية السورية وغيرها من الأمور.
«لا يجوز ترك الأمر لصِبية يلعبون بمصير البلاد، وإذا ما استمروا بالعبث فلا يعرف أحد إلى أين ستصل الأمور، أو قل إنهم هم لا يعرفون إلى أين ستصل الأمور، ولكنها بكل الأحوال لن تذهب باتجاه الخير، ولن يتركوا للمضي في كيدهم ومؤامراتهم، وإلا فلن يكونوا قد تعلموا أي شيء من الماضي القريب»، بحسب ما يقول أحد العارفين.

عدد الجمعة ٢٣ تموز ٢٠١٠
الاخبار

No comments:

Post a Comment