الجيش خارج المساءلة، لكن على المرّ الاعتذار
ابراهيم الأمين
اختبار آخر، ولا بأس بالمحاولة من جديد.
نشرت «الأخبار» أمس تقريراً عن العميل الفارّ غسان الجد [1]. وفيه ورد أن قائد الجيش العماد جان قهوجي أبلغ وزير الدفاع الياس المر بأن الاستخبارات في صدد توقيفه. فطلب الأخير التمهّل لبعض الوقت، لكن الجد سافر في اليوم التالي إلى خارج لبنان. وهذه العبارة سبقتها عبارة أكثر وضوحاً فيها أن «وبحسب مصدر مطّلع، فإنّ عملية الفرار جرت بعد حصول المشتبه فيه على إشارات معيّنة لم يُعرف ما إذا كانت تسريباً مقصوداً أو معلومات وفّرتها له إسرائيل».
وزير الدفاع قرأ الأمر، من تلقاء نفسه أو بواسطة مساعدين، على أنه اتهام له بتهريب العميل الفارّ. وهو أقنع قائد الجيش بأنه هو الآخر متهم بالأمر نفسه، علماً بأن الصورة في غاية الوضوح. ذلك أن إسرائيل ليس مكتوفة الأيدي إزاء ما يصيب المتعاملين معها، وهي منذ أن كرّت سبحة التوقيفات عمدت الى إبلاغ «حشد» من العملاء بضرورة أخذ الحيطة والحذر. طلبت من البعض التوقف عن التواصل. وطلبت من آخرين إتلاف ما بحوزتهم من أجهزة وغير ذلك، وطلبت من فئة ثالثة المغادرة فوراً، واستجابت لطلب فئة رابعة بأن وفرت لهم سبل الخروج من لبنان قبل الاعتقال. وبين هذه المجموعة عناصر عسكريون من رتب مختلفة، أحدهم العميل غسان الجد.
هنا، لا حاجة لأن توضح «الأخبار» الكثير. هي لا تتهم أحداً بالتعامل أو التعاون، وقد تكون «الأخبار» الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي تكتب بتحفّظ شديد عن ملف العملاء، برغم وفرة المعلومات عن المشتبه فيهم أو عن التحقيقات الأولية معهم. ثم إن «الأخبار» تعي الوضع الحسّاس للجيش اللبناني في هذه المرحلة، لا على صعيد المواجهة مع إسرائيل فحسب، بل على الصعيد الداخلي، وبرغم أن «الأخبار» لا تخفي اعتراضها على أي سلوك مخالف للمنطق أو للقانون من أي مؤسسة كان، بما في ذلك الجيش، إلا أن في قيادة الجيش من يعرف جيداً أن «الأخبار» تمنّعت عن نشر الكثير من المعطيات عن المحاولات المستمرة دونما توقّف لتفكيك المؤسسة وإخضاعها كلياً للتوازنات الطائفية التي تتحكم ببقية مؤسسات الدولة.
أكثر من ذلك، فإن «الأخبار»، مثل أي عاقل متابع للوضع السياسي، تعرف أن هناك محاولة جدية لتوريط الجيش في مواجهات داخلية جانبية، في عز انخراطه في حملة الدفاع عن حق المؤسسة العسكرية بالحصول على وسائل كافية للدفاع عن النفس، سواء أكان من جانب إسرائيل أم من جانب قوى داخلية تحاول إنهاك هذه المؤسسة. وما حصل أمس، لم يكن سوى محاولة يائسة، لتحويل الجيش الى عنصر مواجهة مع الآخرين في لبنان، وبدأ الأمر من خطوات عدة، أبرزها:
أولاً: محاولة الوزير المر إقحام الجيش بإقناعه بأن ما ورد في «الأخبار» إنما يستهدفه كجزء من حملة عامة، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق. لكن يبدو أن هناك من يريد تحقيق هذه النتيجة الآن.
ثانياً: محاولة بعض السلطة القضائية توريط الجيش مع الصحافة من خلال استنابة غير مطابقة لأصول التحقيق مع الصحافيين، إذ صار معروفاً أنهم لا يقابلون سوى قضاة وبحضور المحامين.
ثالثاً: محاولة إطالة وجود الزميل حسن عليق في مقر استخبارات الجيش وتأخير إطلاقه، لعل في ذلك ما ينقل الاحتجاج إلى الجيش بدل تركيزه على ما قاله المر في مؤتمره الصحافي، الذي ينطبق عليه بيان قبضاي الحيّ.
رابعاً: إن مجرد اتهام الوزير المر الزميل علّيق بأنه عميل، هو عمل لا يليق بمسؤول في هذا الموقع، ومن لديه انفعالات بهذا الحجم فليترك المنصب لغيره. عدا عن أنه ليس لدينا من تفسير لمحاولة تشويه صورة الزميل حسن، سوى أنه نجح مهنياً، في تقديم معلومات موثّقة عن عمليات التزوير والتضليل في ملف التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وهي محاولة يشارك فيها كثيرون، بمن فيهم من أقنعوا وزير الدفاع أمس بأن يقول ما قاله.
في هذه اللحظة، ليس أمامنا سوى قول الآتي: إن «الأخبار» لا تقول كلاماً عاماً حول موقعها الى جانب الجيش في مواجهة العدو. وزميلنا الراحل الشهيد عساف أبو رحال كان في الدشمة نفسها، حيث استشهد مع عسكريين. لكن «الأخبار» التي لا تخشى الذهاب الى أبعد مما يتصوّر المر وغيره في هذه المعركة، تقول للمر كلمة واحدة: اعتذر!
عدد الخميس ١٢ آب ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment