يحقّ لإلياس المرّ أن ينتفض...
جان عزيز
خانت الذاكرة إلياس المر، حين شدد في مؤتمره الصحافي أمس، على أنه لم يحتفل مرة بذكرى 12 تموز 2005، يوم انفجار الرابية الذي استهدف موكبه. ففي الوقائع، أن مهرجاناً كبيراً كان يُعدّ في الذكرى السنوية الأولى للحادث. وكان المكان قد حجز في مجمع ميشال المر الرياضي في جديدة المتن. وكانت بطاقات الدعوة قد وزعت، والخطابات قد كتبت، قبل أن تندلع الحرب، ويلغى الاحتفال، وتتغيّر الأحوال...
وكثيرون اعتبروا يومها، أن العدوان الإسرائيلي على لبنان، جنّب المر إحراجاً جديداً ربما. أو انزلاقاً غير محسوب. فقبل سنة ونيّف، وتحديداً في 15 آب 2005، أي بين اغتيال الحريري وانفجار الرابية، كان وليد جنبلاط يقول علناً عن المر، الكلام الحرفي الآتي: «إلياس المر ليس من موقعنا، بل من الموقع الآخر. كانت أكبر غلطة اشتراكه (في الحكومة). بغضّ النظر إذا حاولوا اغتياله أو لا. هذا تفصيل في سياق العملية السياسية. هم بين بعضهم. إنما أنا قلت إن الأمر ربما حصل لأنه يملك معلومات عن اغتيال الحريري. وغداً يقولون ربما الأصوليات. إنما وزير الدفاع ليس معنا». وطبعاً كان جنبلاط يومها في مقلب إليوت أبرامز. وبالتالي كان المقصود بكلامه أن المر هو في مقلب غازي كنعان.
وطبعاً انتفض المر يومها. فدأب على الصمت والسفر. تماماً كما السمة الغالبة في حياته السياسية والعامة.
وهي سمة كانت تتناقض دوماً مع حماسة متقطعة، غالباً ما زجّته حيث لا يريد. تماماً كما حصل عندما تحدث بصفته الوزارية، عن إشكال كان قد وقع في جامعة القديس يوسف في مار روكز، وعن الاعتقالات التي تلت أحداث الضنية مطلع سنة 2000، وفي المرتين لم يكن المر الابن وزيراً بعد، وإن كان حاكماً. حتى إنه أدلى بحديث صحافي شهير، تحدث فيه عن «اعتقالات قرى بكاملها، وتوقيف مئات ملأوا الشاحنات، بينهم رجال دين، قبل أن يتم فرزهم، لإطلاق سراح البريء وإبقاء المتهم موقوفاً»... كل ذلك وهو لم يكن وزيراً. والحماسة نفسها جعلها أول من «يشتبك» مع فارس سعيد في «ديوانية» الداخلية، بعد أيام على افتتاح نائب جبيل يومها، سلسلة التواقيع النيابية على اقتراح قانون للعفو عن سمير جعجع.
وفي 7 آب 2001، كان المر في مجلس الوزراء، بطل رواية الانقلاب الإسرائيلي المزعوم الذي يحضره طلاب سحقوا وسحلوا على رصيف العدلية. وفي فرعية المتن الشمالي في 2 حزيران 2002، صار المر نجم عدم إعلان نتيجة الاقتراع، ثم الإعلان عنها، ثم التراجع.. ومع إقفال محطة «أم تي في» في 4 أيلول من العام نفسه، ثم مع إبطال نيابة عمه وإشبينه في 4 تشرين الثاني، وصولاً الى «حادثة بتغرين» الموثقة في مجلة «الشراع»، ومع مسلسل المواجهة مع «قرنة شهوان»، التي وُجد فيها من يرفع دوماً مطلب إقالته، ووَجد هو فيها من يتهمهم دوماً بارتباطات وحسابات مغايرة... وحتى حين اتهمه مرة أحد النواب يومها، بأنه صاحب نظرية «بيع المسيحيين لسوريا بذريعة التآمر، وبيع المسلمين السنّة لأميركا بتهمة الإرهاب، في انتظار بيع الشيعة بتهم أخرى»... كان المر دوماً منتفضاً، وناطقاً بعد صمت.
ويوم أعلن المر في 21 أيلول 2004 توقيف شبكتين إرهابيتين كانتا تعدّان لتفجير سفارات غربية في بيروت، وتتولى إحداهما تجنيد مقاتلين ضد الجيش الأميركي في العراق، وقع بين الصمت والنطق. فبعد أسبوع وفي 27 أيلول 2004 أعلن عن وفاة أحد أبرز الموقوفين من أفراد الشبكتين: إسماعيل محمد الخطيب. الجهات الرسمية عزت السبب إلى «ضيق في التنفس» و«أزمة قلبية». فيما علا الصراخ في مجدل عنجر حول «قتل الخطيب بعد تعذيبه». حتى إن مراجع روحية سنية تحدثت عن «ضروب مرعبة من التعذيب وجدت على جثة الخطيب». وسرعان ما تحول الخبر اضطراباً أمنياً في مجدل عنجر، رافقه تدخل سوري للتهدئة، وهجوم عنيف على الياس المر. بعض الكلمات التي ألقيت قبل تشييع الخطيب وخلاله وبعده، حملت تحريضاً واضحاً على المر، الذي سمّي «الياس رامسفيلد»، واتهم بارتكاب «ما كان أكبر وأعظم مما جرى في سجون غوانتنامو وإسرائيل»... وكان المر منتفضاً.
بعد تلك الحقبة اعتذر رفيق الحريري عن ترؤس أول حكومة في العهد الممدّد، فجاء عمر كرامي وخرج المر من الصنائع، ليدخلها سليمان فرنجية. بعدها صار المر مسافراً، يتكلم قليلاً وينتقد كثيراً... بعد 14 شباط أوحى بتورط «منطقة» ما في محاولة اغتيال مروان حماده. فلمّح المر يومها في حديث تلفزيوني، الى أنه توصل الى معرفة الجهة التي تولت صبّ لوحة السيارة المزورة التي استعملت في التفجير ضد حمادة، وأوحى أن الملف سحب منه في وزارة الداخلية بعدها، وأودع جهة أمنية أخرى... قبل أن يعرب من بكركي بالذات، عن خشيته من أن من أبعده عن الداخلية، كان يهدف الى حصول ما حصل بين 1 تشرين و14 شباط. لم يطل الأمر. سقطت حكومة كرامي في 28 شباط 2005. جاء نجيب ميقاتي وعاد المر معه الى الدفاع بدل الداخلية. وفي آخر أيام تلك الحكومة وقع انفجار الرابية في توقيت لافت، في 12 تموز 2005، ومنه نجا المر من الاغتيال. بعد أيام على الانفجار خرج الى الإعلام، مؤكداً موقعه مع إميل لحود، ومشدداً على موقفه، مدافعاً عن عهده المثخن، كما يديه.
بعدها عاد وزير الدفاع الى السفر والصمت، حتى 25 أيلول، ليلة محاولة اغتيال مي شدياق. ذاك المساء، كسر المر سكوته، فجّر قنبلة في وجه رستم غزالة، ترددت شظاياها في بيروت والضواحي. والمحاولة نفسها كررها في مجلس وزراء إميل لحود في آذار 2006، مناشداً الرئيس أخذ العبر والاحتذاء به، وعدم الدفاع عمن قال إنهم تورطوا وورطوا... ثم انتفض بعد اكتشاف إحدى الشبكات الإسرائيلية سنة 2006، جازماً بالفصل بينها وبين تفجيرات ما بعد 14 شباط وما قبلها. واستمر في نطقه بعد صمته، حتى عندما قال له سليمان فرنجية، إنه كان عليه أن يعيد الوزارة الى الرئيس لحود...
انتفاضة الياس المر ما قبل الأخيرة، كانت عشية الانتخابات النيابية عام 2009. يومها زج والده باسمه، وباسم المؤسسة العسكرية، في تسجيل صوتي يهدد رجل دين، من أجل حفنة من الأصوات... فانتفض وزير الدفاع، بصمت بالغ بليغ...
يحق لإلياس المر أن ينتفض اليوم، وأن يهوّل. فتاريخه كله انتفاضاتٌ مماثلة، باسم الحق والضمير والمبادئ...
عدد الخميس ١٢ آب ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment