Tuesday, August 17, 2010

قضايا الرشوة والكرامة
جان عزيز
ثلاث محطات كبرى يحملها هذا الأسبوع، بدءاً من اليوم. ومع كل منها عناوين «سيادية»، أو حتى وطنية، وحتى «قومية»: قانون النفط والغاز في المجلس النيابي اليوم، وتسليح الجيش والمحكمة الدولية من زاوية مستجدتها الإسرائيلية، في مجلس الوزراء غداً، والاستراتيجية الدفاعية في الجلسة الخامسة من طاولة الحوار الثالثة، بعد غد الخميس...
قضايا جوهرية مفصلية، تعني كل مواطن وفرد في هذا «النظام». وهي غالباً ما يسيل حولها كلام الصالونات وسجالات الشارع ونقاشات الباحثين عن تقطيع الوقت الضائع، أو تضييع ما وجد منه...
مع أن الحياة العفوية للإنسان عندنا متركزة في أمكنة أخرى.
متركزة مثلاً في أزمة سير، قيل في دراسة أعدّت قبل نحو 15 عاماً إنها ترتّب على ناتجنا الوطني خسارة تناهز ملياراً ونصف مليار دولار أميركي. في زمن كان فيه مثل هذا الرقم يمثّل نحو عشرة في المئة من مجمل الناتج، وهي أزمة مرشحة لتصاعد دائم، مع حاجة نظرية مستحيلة، لإيجاد نحو 100 ألف متر إضافية من الطرقات المعبّدة شهرياً، لاستيعاب سياراتنا الخصوصية المنضمة كل شهر إلى أسطول نقلنا الفرداني حتى الأنانية المطلقة...
وحياة الإنسان عندنا متركزة يومياً في دوائر 964 بلدية في مختلف أنحاء لبنان، حيث تمارس الدولة قمّة مكرها وخداعها لمواطنها. تترك له وهم اختياره لممثّله في سلطته المحلية عبر الانتخاب البلدي، ثم تصادره منه بألف وسيلة ووسيلة: سافرة وقحة. 964 مجلساً بلدياً، تضم 11442 مواطناً منتخباً، يملكون في ذمّة الدولة اللبنانية نحو ألفي مليار ليرة لبنانية، ولا مَن يتحرّك لاستردادها، فضلاً عن إلغاء الشخصية القضائية والمعنوية المستقلة للبلدية كسلطة منتخبة، بفضل ألاعيب السلطة المركزية وتحايلاتها...
كل ورقة يقرها المنتخبون البلديون، تحتاج ـــــ قبل أن تصير نافذة ـــــ إلى توقيع مراقب وزارة المالية. والتوقيع يعني «التبليع». وتبدأ سلسلة الفساد «الملياري»، التي تجعل من المراقبين المذكورين، رؤساء السلطة الفعلية في البلديات، وتجعل من رؤساء البلديات ـــــ الفاسدين منهم طبعاً ـــــ سماسرة عقاريين يستبدلون أصوات ناخبيهم بمال الرشى المتهافتة من كل حدب: رشوة بداية لخفض سعر تخمين الأرض (تحسم منها نسبة عمولة لمندوب الداخلية في لجان التخمين) ورشوة لقاء كل إفادة من البلدية (ما لم «يقوطب» عليها أمين السجل العقاري، بحيث يعطي الإفادة على مسؤوليته ويقبض «المعلوم» لحسابه)، ورشوة ثالثة بعد عودة المعاملة من الدوائر المركزية، مهما كانت تلك، في التنظيم المدني، حيث الكلمتان طباق مناقض لفوضى غاياتيّة مطلقة، أو في مغاور الاتحادات البلدية، حيث الداخل مفقود والخارج مولود...
وحياة الإنسان عندنا متركزة يومياً عند قطاع الاستشفاء، حيث لبنان في مفارقة غريبة عجيبة: أن يكون في مصافّ الدول المتقدمة جداً، لناحية فاتورته الصحية السنوية، وأن يكون في عداد البلدان المتواضعة جداً، إن لم يكن المتخلّفة، لجهة نوعية الخدمة الصحية... وما الفارق بين الاثنين إلّا فراغ الفساد والإفساد في هذا القطاع...
وصولاً إلى حياة إنساننا المتركزة عند القطاع التربوي، حيث المفارقة الأخرى: تعليم رسمي يرتّب على الدولة كلفة سنوية مقابل كل طالب في مدرسة رسمية، تقارب ضعفاً ونصف ضعف كلفته في المدرسة الخاصة... فيما المنشآت الرسمية أقرب غالباً إلى الزرائب...
وتنتهي حياة إنساننا اليومية عند القضاء، أو القضاة، أو القَدَر... هناك حيث رأس «القضاء الواقف»، يقف متفرّجاً على معتقل سابق يصفه على هواء الشاشات المباشر بأنه «مجرم»، فلا يعتقله مجدداً ولا يستقيل معتذراً... وهناك حيث وزير يتمترس خلف متراس الوطن، يدّعي ويستدعي خلافاً للقانون والأصول، قبل أن تختتم المهزلة بمكرمة على حساب الكرامة...
مهم جداً قانون النفط وحقوق الفلسطينيين كبشر في لبنان، ومهمة أكثر قضايا حقيقة الجرائم وسيادة الدولة والدفاع عن الوطن... لكن حياة الإنسان كل يوم عندنا، مأزومة في أمكنة أخرى، حيث إنسانية الشخص البشري عرضة للتآكل بالمفرّق، في انتظار إنسانية وطنية موعودة بالجملة، وأجمل ما فيها أبدية الوعود.

عدد الثلاثاء ١٧ آب ٢٠١٠
الاخبار

No comments:

Post a Comment