استكمالاً لعملية «الهروب الكبير» من رومية:
قصة موقوف «فتح الإسلام» الذي هرب مرتين
جعفر العطار
نجح الموقوف المنتمي لتنظيم «فتح الإسلام» وليد البستاني (لبناني من طرابلس)، عند السابعة والنصف من صباح الثلاثاء الفائت، في الهرب من سجن رومية المركزي - قسم
المحكومين -، فيما ألقت القوى الأمنية القبض على «زميله» منجد الفحّام، وهو سوري، بعدما أصيب بجراح بالغ لدى سقوطه عن الجدار الذي تسلقه مع البستاني بعلو ثلاثة
طوابق، فأخضع لثلاث عمليات جراحية حالت دون استجوابه حتى الآن.
وحملت عملية الهرب بعض الجهات الأمنية على إعادة طرح سلسلة من الأسئلة التي تتعلق بالعجز الذي ترى أنها تعاني منه في تأديتها لمهامها، وأبرزها إلقاء مسؤولية
حراسة «جهاديين» يعتبرون أنهم في حال حرب دائمة على قوى الأمن الداخلي من دون أن تكون لديها الإمكانيات اللازمة للنجاح في ذلك.
وتسأل بعض الجهات الأمنية مثلا عن السبب الذي يحول دون تثبيت أجهزة تشويش على المكالمات الخلوية التي تتم من داخل السجن والتي كان الوزير جبران باسيل قد اقترح
استخدامها عندما كان يشغل منصب وزير الاتصالات، مشيرة إلى أن قوى الأمن عاجزة عن منع إدخال الأجهزة الخلوية إلى السجناء، لاسيما الأمنيين منهم.
وتشير المصادر إلى أن السجناء الإسلاميين يعتبرون أنفسهم في حالة «جهاد» فلا يخلعون أحذيتهم لدى الصلاة، مفترضة أن ذلك يستدعي نوعا خاصا من الحراسة والمراقبة،
في حين يؤكد مصدر أمني مطّلع أن إعداد سجون خاصة بـ «السجناء العقائديين» أمر يتطلب مدّة زمنية تتجاوز السنتين.
وبدت عملية فرار البستاني شبيهة إلى حد ما بعملية «الهروب الكبير» التي حاول خلالها سبعة أفراد من سجناء «فتح الإسلام» الفرار، في 18 آب 2009، إلا أنها باءت
الفشل بعدما كُشف أمرهم، فيما نجح السوري طه حاجي أحمد سليمان بالفرار، ثم ألقت قوة من مغاوير الجيش اللبناني القبض عليه بعد يوم واحد من هربه في منطقة حرجية
كثيفة في خراج بلدة بصاليم المطلّة على مبنى رومية.
وتشير مصادر أمنية وثيقة الصلة بالملف إلى أن البستاني عمل لمدة زمنية مازالت قيد التحقيق، على نشر حديد زنزانته، حتى صار باستطاعته مدّ الحبال منها إلى السطح
المحاذي للزنزانة، ثم عمد مع الفحام إلى القفز نحو السطح، ومنه انتقلا إلى زاوية مقفرة، قبل أن يصلا إلى الباحة القريبة لـ«المواجهة»، حيث يلتقي السجناء بذويهم.
وفيما كان وصول الفحام مكلفاً، إذ لم يستطع التدليّ من الحبال عن علو ثلاثة طوابق فسقط وجُرح، استطاع البستاني الوصول بسلام، ثم انتقل إلى زاوية تضم حاويات
للنفايات، فاندسّ بين الحشود خارج السجن، في صورة لا تشبه صورته، إذ بدّل ثيابه وحلق لحيته.
وبدا أن البستاني لم ينتقِ يوم فراره عبثاً، إذ تزامن مع حلول أول أيام عيد الأضحى، حيث ينشغل السجن باستقبال زوار السجناء من جهة، ويقلّ عدد «العسكر» المولج
بحماية السجن، من جهة ثانية. كما أنه استفاد من الثغرات التي واجهت سليمان، حيث بقي الأخير متنقلاً بين الأحراج المحيطة برومية، فيما نجح البستاني في الخروج
من تلك البقعة، وفقاً لتأكيد مصدر أمني استبعد أن يكون الفارّ ما يزال في محيط السجن.
وإثر فرار البستاني، عملت القوى الأمنية بمختلف أجهزتها على البحث عنه في محيط السجن، مستخدمة الكلاب البوليسية المختصة باقتفاء الأثر، وطوافات عسكرية. كما
عمّمت صورة شمسية للموقوف على القطاعات الأمنية المختصة، في خطوة تختلف عن التدابير التي اتخذت يوم «الهروب الكبير»، حيث وزّعت القوى الأمنية صورة سليمان في
وسائل الإعلام، طالبةً من المواطنين الإدلاء بالمعلومات حين توفرها.
وفي حين تعتبر بعض الأجهزة الأمنية أن مشهد ما بعد الفرار مازال غامضاً حتى الآن، تؤكد مصادر أمنية معنية بالملف أن البستاني استخدم أسلوباً جديداً لم تحدده
في الخطوة التي تلت هروبه، مشيرة إلى أنه «ثمة أدلة» ستقود فريق التحقيق إلى القبض على السجين الفارّ «في أقرب وقت». وأشارت المصادر الأمنية إلى توقيف ثلاثة
رتباء في قوى الأمن الداخلي، يُشتبه بتورطهم بفرار البستاني، إما عبر التواطؤ المباشر مع الفحام والبستاني، أو عبر إهمالهم بطريقة أو بأخرى للحيثيات الأمنية
للسجينين.
وفي مشهد يشبه المشهد الذي شهده سجن رومية في العام الماضي، إثر فشل عملية «الهروب الكبير» وتشدد القوى الأمنية في السجن بتفتيش حاجيات السجناء، نفّذ السجناء
الإسلاميون الذين يبلغ عددهم حوالي 240 سجيناً، حركة احتجاجية يوم أمس في السجن، فكسّروا كل ما ظهر أمامهم وأثاروا الشغب لأكثر من ثلاث ساعات، مطلقين شعارات
تدعو إلى «الجهاد». كما عملت إدارة السجن على تأجيل مواعيد لقاء الأهالي مع السجناء.
عملية توقيف البستاني في 2007
يقابل نجاح البستاني بالفرار من قبضة القوى الأمنية في سجن رومية، نجاح مشابه: ففي حزيران من العام 2007، تعرّف أحد الرعاة في محيط تلة الطيلة في محيط الكورة
على عناصر منتمين لـ«فتح الإسلام»، يعملون ضمن خلية «الإسناد اللوجستي»، وكان بعضهم يرتدي بزات أمنية رسمية، وكان البستاني من بينهم.
تطوّرت العلاقة بين المجموعة المؤلفة من ستة أشخاص، وبين الراعي، من السلام العابر إلى الكلام، حتى اعترف عناصر المجموعة بسرّهم: «نحن عناصر جهادية، قررنا الاعتكاف
في إحدى المغارات الجبلية للتنسك والتقرّب من الله، ونعمل على جمع الأسلحة بغية قتال المشركين في العراق وفي فلسطين، ونريد منك مساعدتنا في الحصول على المواد
التموينية بصورة دورية، لقاء مبالغ مادية».
وهكذا كان، إلى أن أسرّ الراعي لأحد أقاربه بأمر المجموعة، فقام الأخير بإبلاغ الجيش اللبناني الذي عمل على جمع معلومات تفصيلية حول مكان تواجد المجموعة، فتبين
بعد الاستقصاءات المكثفة أن أعضاء المجموعة، وعلى رأسهم البستاني، هم من نفذوا مجزرة بلدة قلحات التي أسفرت عن استشهاد أربعة عسكريين، كما أنهم أطلقوا النار
على الجيش في شارع المئتين في اليوم نفسه. وتبين أيضا أن المجموعة نفذت هجوماً ضد الجيش خلال اقتحامه مجمع الشهال في أبي سمراء في العام 2007. وتزامن تحديد
ساعة الصفر للهجوم على المجموعة، مع ضرب طوق أمني حول التلة، فيما كان الراعي - الذي وافق على التعاون مع مخابرات الجيش بعدما أقنعه رجل دين بضرورة ذلك - يتوجه
إلى المكان منفذاً مهمته: إعطاء المجموعة حليبا فيه دواء منوّم. مرّ الوقت، ونام خمسة من عناصر المجموعة، بينما انتبه البستاني إلى وجود شيء غير طبيعي في الحليب،
فقرر المغادرة بعدما تعذّر عليه سحب رفاقه.
وما إن تحرّك البستاني، حتى شعر الجيش بالخطر على مجمل الخطة، فهاجم المكان بمساندة مروحية من نوع «غازيل»، وتعرّض لطلقات نارية استوجبت منه الرد بالقذائف والأسلحة
الرشاشة، ما أدى إلى مقتل عناصر المجموعة الخمسة، وفرار البستاني، قبل أن يلقى القبض عليه بعد أسبوع في الميناء وبحوزته سلاح فردي وبطاقة أمنية (تابعة لجهاز
أمن الدولة) مزورة باسم كريم سامي فرنجية.
واعترف البستاني، حينها، أنه استهدف دورية الجيش اللبناني في قلحات بقذيفة من نوع «آر. بي. جي.»، قائلاً أنه غير نادم على ما أقدم عليه...
السفير
No comments:
Post a Comment