إمبابة: بؤرة توتر ... أُعلنت يوماً «جمهورية إسلامية»
تُعدّ منطقة امبابة في القاهرة واحدة من أكثر بؤر التوتر الطائفي في مصر، بالنظر إلى عوامل ديموغرافية واقتصادية متعددة، تجعلها، إلى جانب غيرها من المناطق
الشعبية والعشوائية، برميل بارود قابلاً للاشتعال في أي لحظة، في ظل غياب خطة شاملة للتنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية.
وتقع امبابة في شمالي محافظة الجيزة على الضفة الغربية من نهر النيل، في الجزء الواقع بين كوبري الزمالك، وكوبري امبابة، وصوامع الغلال. وتضم ثلاثة أحياء رئيسية
هي الكيت كات، وميت عقبة، والمنيرة.
ويعود تاريخ امبابة إلى قرون طويلة، حين كانت مرسى لتجار الجمال القادمين إلى مصر من السودان. وقد عرفت تقسيمات إدارية متعددة، لكن تقسيمها الحديث يعود إلى
بداية الأربعينيات من القرن الماضي. أما طابعها العمراني والديموغرافي فيجد جذوره في منتصف الخمسينيات حين أنشأت السلطات المصرية بعد الثورة مجمعات سكنية عدة
للعمال وذوي الدخل المحدود، للتحول على مدار السنين نقطة استقطاب للنازحين من الأرياف.
وشهدت المنطقة أحداثاً تاريخية مهمة، أبرزها «موقعة امبابة»، التي دارت رحاها بين المماليك وقوات الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابارت في العام 1798.
أما في العام 1992، فشهدت امبابة معركة من نوع آخر، حين أعلن الشيخ جابر، وهو أمير إحدى الجماعات الإسلامية في مصر، استقلالها تحت اسم «جمهورية امبابة الإسلامية»،
ما دفع بقوات إلى شن حملة عسكرية واسعة ـ شارك فيها نحو 14 ألف عنصر ونحو مئة عربة مدرعة ـ انتهت باقتحام المنطقة وتوقيف 250 إسلامياً، بعد حصار طويل.
ويُطلق البعض على امبابة اسم «الصين الشعبية»، بالنظر إلى كونها أكثر المناطق اكتظاظاً في السكان، ليس على مستوى محافظة الجيزة فحسب وإنما على مستوى الجمهورية،
إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن عدد سكانها يتجاوز المليون والمئة ألف نسمة، فيما يبلغ عدد الولادات فيها نحو 20 ألفاً في العام الواحد.
أما آخرون فيفضلون أن يطلقوا عليها اسم «جمهورية امبابة»، ليس تيمناً بـ«جمهورية امبابة الإسلامية»، بل لأن المنطقة أقرب ما تكون إلى جمهورية قائمة بذاتها،
سواء في أحيائها التي يتسم كل منها بطابعه الخاص، أو في التركيبة الديموغرافية لسكانها الموزعين بين نازحي الأرياف والعمال والموظفين والطلاب، أو في ظاهرة «الأمن
الذاتي» الذي تشهده بعض أحيائها العشوائية منذ سنوات طويلة، أو في الحلول التي اعتمدها سكانها لمواجهة الإهمال الحكومي للمناطق الشعبية، من مثل إدخال «التوك
توك» لحل أزمة المرور، والتوسع العمراني العشوائي لحل مشكلة السكن.
وتشير الإحصاءات إلى أن سكان امبابة من أرباب الأسر يتوزعون بين الموظفين (27 في المئة) ، والعمال (21 في المئة)، والحرفيين (20 في المئة)، وأصحاب المهن الحرة
(16 في المئة)، وهم في غالبيتهم من محدودي الدخل. وتعاني المنطقة من مشاكل اجتماعية حادة أهمها التسرب المدرسي (واحد إلى ثلاثة تلاميذ)، والنقص في خدمات المرافق
الصحية والمياه النقية والإنارة، فضلاً عن ظاهرة المساكن المشتركة.
ونتيجة لذلك، تحوّلت امبابة إلى تربة خصبة لنمو الكثير من الجماعات الإسلامية المتــــطرفة وعصابات الإجرام (البلطجية). وبالرغم من نجاح السلطات الأمنية في
طي صفحة «العنف الجهادي» في بداية التسعينيات، إلا أن التشدّد الديني ظل قائماً، ما يعكس فشل الحكومات المصرية المتعاقبة في اعتماد خطة ناجعة للتنمية الاقتصادية
والاجتماعية في العشوائيات. برغم ذلك، لاحظ الصحافي في جريدة «نيويورك تايمز» أنطوني شديد، في تقرير كتبه من امبابة بعد انتصار «ثورة 25 يناير»، أن أبناء المتحمّسين
للإسلام السياسي يتبنون مطالب اجتماعية تتمثل في «الخبز والعدالة الاجتماعية والحرية».
(«السفير»)
No comments:
Post a Comment