Thursday, June 9, 2011

دراسة دستورية 1/4ماذا عن الانعقاد الحكمي؟
تفعيل عمل المجلس أولوية
غسان مخيبر
تطرح حالياً، كما طرحت في مراحل مختلفة من تاريخ لبنان السياسي، مسألة جواز اجتماع مجلس النواب للتشريع في ظلّ حكومة مستقيلة، او معتبرة مستقيلة، تمارس صلاحياتها
بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال، ويُفترض أن تطرح المسألة ايضا بالنسبة الى ممارسة مجلس النواب سائر وظائفه التشريعية والرقابية والانتخابية والاتهامية.
لا بد لنا من التطرق بادئ ذي بدء الى عدد من المسائل الأولية والمنهجية:
أولا، حذار التأثير السلبي للانقسام السياسي والمذهبي على صحة تفسير الدستور والمطالبة بفعالية اكبر لمجلس النواب:
ان اخطر ما في مناقشة الموضوع في الظروف الراهنة، اختلاط المواقف والمصالح والهواجس والمناكفات السياسية الآنية، مع حسن تفسير النصوص الدستورية والممارسة البرلمانية،
لا سيما بالنسبة الى الاستجابة للمطالبة المزمنة بفعالية أكبر لمجلس النواب عبر انعقاد هيئته العامة بوتيرة منتظمة. إن أياً من السلطتين التشريعية والتنفيذية
ليست حكراً او ملكاً لأية طائفة، ولا يمكن ان يختزلهما أي من رئيسيهما. ففي هذا الإطار، لا يمكن قبول منطق تعدّي سلطة على أخرى، أو خرق اية قاعدة دستورية.
ثانياً، ان الدستور والقانون ليسا مجرد وجهة نظر وان احتاجا الى التفسير في بعض الموضوعات:
العديد من احكام الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب واضحة وصريحة، كما انه في المواضيع حيث لا نصوص صريحة او مفاهيم قانونية واضحة (مثل مفهوم تصريف الأعمال)،
لا بد من الاستعانة بالأعراف المستقرة، وبالآراء الفقهية الدستورية واجتهادات المحاكم اللبنانية والدولية المقارنة، للتوصل الى حلول دستورية صحيحة ومقنعة. على
ان هذا التعليل يجب ان يكون متكاملاً ومسنداً إسناداً صحيحاً وكافياً، لا ان يجتزأ او يقع في إطار المواقف والمناكفات السياسية. وفي مطلق الأحوال، وان استمر
الاختلاف في وجهات النظر، لا بد من التذكير بأن الدستور يُفسح في المجال لمراجعة المجلس الدستوري.
ثالثا، قد يكون من مسببات حدة النقاش الدائر حالياً، ان انعقاد جلسات الهيئة العامة بات نادراً جداً الى حد ان الدعوة الى جلسة واحدة تتطلب هذا الكم من النقاش
وإبداء الهواجس. لذلك، ندعو الى تطوير وتيرة انعقاد مجلس النواب في اجتماعات دورية (اسبوعية) مخصصة للمناقشة العامة وللأسئلة وللتشريع، في جميع الأوقات، وأياً
يكن واقع الحكومة ومدى صلاحياتها وتركيبتها السياسية، وقد بات تحقيق هذا المطلب ضرورياً للتأكيد على عودة الحوار والعمل المجديين الى المؤسسات الدستورية. من
هنا، ليكن تفعيل عمل مجلس النواب ودوره خطوة اساسية على طريق بناء مؤسسات الدولة الديموقراطية والفاعلة في لبنان.
رابعاً، ان المسألة المطروحة ذات ابعاد هامة مرتبطة بتأمين فعالية مجلس النواب وانتظام العلاقات الدستورية بين السلطات، ولا يمكن تحجيمها الى مجرد وسيلة لتأمين
حل لحاجة آنية، فمع إقرارنا مثلاً بحاجة لبنان الماسة الى تأمين الإستمرارية في حاكمية مصرف لبنان، نلاحظ ان اختزال النقاش وحصره بهذه القضية، بشكل مباشر او
غير مباشر، يجعل هذا النقاش ينزلق الى متاهات الهواجس من تدخل السلطة التشريعية في اختصاص السلطة التنفيذية، والى مساعٍ لتسويات مختلفة قد لا تؤدي بالضرورة
الى تعزيز القاعدة الدستورية السليمة.
الدورة الاستثنائية
اولا، في اصول انعقاد الدورة الإستثنائية الحكمية الخاصة حين تصبح الحكومة بحكم المستقيلة:
ان الشرط الأول لانعقاد صحيح لمجلس النواب في جلسة اصولية، ان يحصل الاجتماع في احدى الدورات العادية او الإستثنائية او الحكمية.
ينص الدستور في مادته 69 فقرة 3 على ما يأتي: «... عند استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة، يصبح مجلس النواب حكماً في دورة انعقاد استثنائية حتى تأليف حكومة
جديدة ونيلها الثقة».
وقد احتاط الدستور بذلك للوقت الذي قد تستغرقه عملية تأليف الحكومات، التي باتت تطول لأشهر عدة في الحالات الأكثر تعقيداً. لذلك يكون اجتماع المجلس النيابي
في غياب الحكومة المكتملة الصلاحية لازماً ولا غنى عنه بخاصة اذا صادف حصول الأزمة الحكومية خارج دورات الانعقاد العادية.
يعني الانعقاد الحكمي لمجلس النواب ان الدورة الاستثنائية المنعقدة وفق المادة 69 لا تحتاج الى صدور مرسوم من رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، لا بمبادرة
منه ولا بناء على طلب الأكثرية المطلقة من مجموع اعضاء مجلس النواب كما هي الحال بالنسبة للعقود التي نصت عليها المادة 33 من الدستور .
بناء عليه، يحق لمجلس النواب الاجتماع بعد ان تصبح الحكومة معتبرة مستقيلة لكونه يصبح في دورة انعقاد استثنائية خاصة حكمية، لا تحتاج الى صدور مرسوم خاص في
شأنها.
ثانياً: في برنامج الدورة الإستثنائية الخاصة وجداول اعمال اجتماعاتها:
يقتضي التمييز بين حالتين: الأولى، حالة العقود الاستثنائية المحدّد برنامجها من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة على ما هو وارد في المادة 33 من الدستور؛ والثانية،
حالة «الدورات الاستثنائية» المنعقدة وفق احكام المادة 69، حيث يكون مجلس النواب غير مقيّد في دورته الاستثنائية في مواضيع محددة ويكون بالتالي من حقّه التشريع
في مختلف المواضيع، للأسباب الآتية:
أ ـ ان العبارة التي نصت عليها المادة 69 من الدستور «... حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة» تفيد تحديد الفترة الزمنية لانعقاد الدورة الاستثنائية التي تبدأ
بالمرسوم الذي يصدره منفرداً رئيس الجمهورية باستقالة الحكومة أو باعتبارها مستقيلة وتنتهي بنيل الحكومة الجديدة الثقة، إذ لا يُعقل أن تعني غير ذلك لأنّ واقعة
«تأليف الحكومة» ليست من الأعمال التي تدخل في صلاحية مجلس النواب، ويكون تعدادها بالتالي على سبيل عمل دستوري يقع في تسلسل زمني وليس على سبيل برنامج محدد.

ب ـ لم ينص الدستور لا صراحة ولا ضمناً على الحد من صلاحية المجلس في مثل هذه الدورة الاستثنائية الخاصة، في حين نجد حدوداً موضوعة على العقود الاستثنائية الأخرى
التي نصّ عليها الدستور. ابرزها العقود الاستثنائية التي يُدعى اليها بمرسوم وفق احكام المادة 33 من الدستور المحدودة في زمانها (يحدد المرسوم افتتاح الدورة
واختتامها) وفي المواضيع التي يمكن مناقشتها فيها (أي برنامجها)، الا اذا لم يتضمن المرسوم تحديد برنامج واكتفى بتحديد المدة الزمنية للدورة الاستثنائية، فيبقى
حينها للمجلس ان يتولى التشريع في المجالات كافة. كذلك بالنسبة لاجتماعات المجلس التي تعقد «فوراً بحكم القانون» اذا خلت سدّة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس او استقالته
او سبب آخر، فلقد نصّ الدستور صراحة على أن يكون الاجتماع منعقداً حصراً «لأجل انتخاب الخلف» (المادة 74 دستور) «ويترتب عليه (أي المجلس) الشروع حالاً في انتخاب
رئيس الدولة دون مناقشة او اي عمل آخر» (المادة 75 دستور).
ج ـ لا بدّ من ان يستمر مجلس النواب في تأدية وظائفه المختلفة عملاً بمبدأ استمرارية المرفق العام، وهي تشمل الأعمال الرقابية والتشريعية والانتخابية والقضائية،
إذ لو اعتمدنا الرأي القائل إنّ جدول اعمال الدورة الاستثنائية الخاصة ينحصر بالتصويت على الثقة، لكان من شأن ذلك أن يشلّ عمل السلطة الدستورية الأولى، وهذا
ما يخالف مبدأ عاماً من المبادئ الدستورية وهو استمرارية المرفق العام، وقد استقر على ذلك الاجتهاد الدستوري والإداري اللبناني والفرنسي والمقارن.
يبقى التأكيد أنه يسري على وضع جدول اعمال الجلسات المدعوة خلال الدورة الاستثنائية الخاصة ما يسري على سائر الجلسات في الدورات العادية، أي أنه يعود لمكتب
المجلس تحديد المواضيع المدرجة على جدول الأعمال العائد لكل جلسة من الجلسات التي يدعو رئيس المجلس اليها خلال الدورة الاستثنائية الحكمية.
ولا يمكن اعتبار أنّ مجرد انعقاد المجلس يشكل «تعدياً» على صلاحيات السلطة الإجرائية او إحلالاً للسلطة التشريعية محل السلطة التنفيذية» كما يخشى البعض، او
خرقاً لمبدأ فصل السلطات، لأن هذه المسألة لا يمكن مقاربتها إلا بالنسبة إلى كل موضوع على حدة يدرج على جدول اعمال الجلسات.
بناء عليه، لا ينحصر برنامج الدورة الاستثنائية الحكمية المنصوص عليها في المادة 69 من الدستور على مناقشة بيان الحكومة الجديدة والتصويت على الثقة، بل تتعداها
الى سائر الأعمال التي أناط الدستور بالمجلس أداءها.
(غداً الجزء الثاني حول تأثير صلاحيات الحكومة المحدودة بتصريف الأعمال على صلاحيات مجلس النواب).
[ نائب في البرلمان اللبناني

No comments:

Post a Comment