يحدث في سوريا وحولها
سامي كليب
أنهت القوات السورية في مخيم الرمل الفلسطيني آخر معاركها الأمنية الكبيرة. اكتملت استراتيجية الطوق الأمني عند الحدود. صارت المناطق الحدودية العراقية والتركية
والاردنية واللبنانية أكثر وضوحا وربما اقل خطرا بالنسبة للقيادة السورية، فماذا عن وضوح الرؤية السياسية؟ وما الذي جرى في الاشهر الماضية على المستوى الأمني؟
عاشت سوريا في الشهر الاول لاندلاع المواجهات خضة أمنية حقيقية. سرت شكوك كثيرة. حصلت بلبلة في كيفية تفادي الأسوأ. لم تكن القيادة الأمنية معتادة على هذا النوع
من الحراك في الشوارع الآمنة والساكنة منذ أكثر من 40 عاما. ليس لديها قوات مكافحة شغب، ولم تفكر يوما بأن ثمة من قد يتحرك بهذه السرعة والانتشار ضد الدولة
.
امتصت القيادة الأمنية الصدمة. ترسَّخ يقين بأن أي تساهل في الموضوع الأمني او مع المتظاهرين قد يهدد النظام والبلد برمته. اجتمعت الآراء على ضرورة وضع استراتيجية
سريعة تنطلق من فكرة أنه لا بد من ضبط الحدود مهما كلف الأمر. قرر الرئيس بشار الأسد ان يغلق سوريا على داخلها. صمَّ اذنيه عن كل ما يقال في الخارج، وحين اشتدت
الوطأة الخارجية، قال وزير الخارجية السوري وليد المعلم جملته الشهيرة بانه سيمحو اوروبا عن خريطة الاهتمام السوري وان الكلاب تنبح والقافلة تسير. كان الهدف
الأول ضبط الأمن، وذلك من منطلق ان سوريا لن تفاوض أحدا من موقع الضعف.
نجح الرهان الأمني بمعناه الأمني الى حد بعيد. ضُبطت الحدود حتى في المناطق الخطيرة بما فيها المناطق ذات الثقل العشائري كدير الزور. حققت الاستراتيجية الامنية
هدفين كبيرين بالنسبة للقيادة السورية: منعت حدوث انهيارات امنية، وحالت دون ارتفاع عدد التظاهرات بسبب خوف المتظاهرين من جهة، وظهور شبكات مسلحة اساءت للتظاهرات.
كشف مركز دراسات أمني اوروبي انه في جمعة 25 آذار الماضي كان عدد المتظاهرين حوالى 22 ألفا ، وبقي في جمعة 12 آب الماضي أقل من 27 ألفا، بينما نقاط التظاهر
لم تحدث اختراقات كبيرة، وتبين ان الفارق لا يزال ضئيلا بين اولى التظاهرات وآخرها.
هذا كان سببا رئيسيا في بث القيادة السورية لزوارها دائما اجواء من الاطمئنان الأمني. لكن وسط هذا الاطمئنان ظهرت قضية مدينة «حماه». سُلِّطت كل الانظار على
المدينة ذات الثقل الدموي بين التيار المسلح في «الاخوان المسلمين» ونظام الرئيس الراحل حافظ الأسد. قيل ان المجزرة التي ستُرتكب فيها كفيلة بتأجيج كل الشارع
السوري وكل العمق السني في العالم العربي وتركيا لاسقاط نظام بشار الأسد. حققت تظاهرة جمعة «ارحل» رقما عاليا من المتظاهرين، لكن العدد (حوالى 150 الفا) بقي
أقل بكثير من ذلك الذي اعلنته بعض الفضائيات (اكثر من مليون) .
فوجئ الجميع بان الأسد قرر عدم الدخول الى حماه بمعركة. كل الاعلاميين الذين زاروا المدينة بعد خروج الجيش منها أكدوا انها لم تشهد اطلاق قذيفة واحدة.
الدخول شبه العادي والخروج السريع للجيش من حماه، أحدث تحولا في بعض المواقف. ترافق ذلك مع توزيع القيادة السورية اشرطة مصورة لمسلحين يرمون جنودا من فوق النهر
ولجثث مشوهة.
تسلح الروس بكل ذلك فجنَّبوا سوريا قرارا مفصليا في مجلس الأمن. ذهب وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو حتى دمشق في مسعى لا تزال تفاصيله غامضة حتى اليوم
برغم كل الضجيج المثار بشأن احتمالات التصعيد العسكري الاطلسي التركي عند الحدود مع سوريا.
ماذا بعد ؟
العنوان البارز ورد في كلام وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون قبل يومين، قالت: إن «مطالبة اميركية بتنحي الاسد لن تجلب نتيجة مرجوة» ، ولكنها أضافت
انه «اذا طالبت تركيا بذلك او طالب الملك السعودي الملك عبد الله فسيستمع الاسد».
تسعى واشنطن ومعها دول غربية منذ فترة لرفع الغطاء الاقليمي والعربي عن سوريا. تجاوب العرب سريعا معها. تصدَّر مجلس التعاون الخليجي الحملة في سحب عدد من السفراء.
يقال الكثير عن أسباب الموقف السعودي، ولكن دمشق لم تبد حتى الآن أي رد فعل وقد لا تبديه لاحقا. ثمة من يعتقد بان طرفا ثالثا دخل على الخط لاعادة ترطيب الاجواء
بين الرياض والقيادة السورية، هذا صعب الآن، ولكنه لن يكون صعبا اذا ما هدأ الامن وتقدمت السياسة.
ثمة من يرى في تقلبات الموقف التركي مؤشرات على أن شيئا ما يطبخ خلف الكواليس، وان ايران ليست بعيدة عن ذلك. توحي الحركة التركية والتصريحات الايرانية والروسية
بوجود جهود حقيقية لعدم ايصال الاوضاع الى مرحلة الخطر الكبير. قالت كلينتون على نحو واضح ان «تركيا تسعى جاهدة للتأثير على النظام السوري واتخاذ خطوات ملموسة»،
هذا يعني ان الخيار التركي امام هامش كبير من المناورة حيال الملف السوري سلبا او ايجابا. الاحتمالان قائمان.
تكثيف المطالب التركية لسوريا بوقف الأعمال العسكرية يعزز الحضور التركي في العمق السني من المشرق إلى المغرب، ولكنه يعزز أيضا قدرة أنقرة على القيام بدور وسطي
في حال تجاوب الاسد مع آخر التمنيات (وليس التحذيرات) التي نقلها داود اوغلو إلى الأسد .
من المنطقي والحالة هذه، ان تنتقل سوريا في الأيام المقبلة إلى تقديم السياسي على الأمني. لا بد من العودة الى تعويم لغة الاصلاحات والحوار بعدما تراجعت حدة
القلق السوري من تدهور امني كبير. تتوجه الاستراتيجية الامنية الحالية نحو الحفاظ على ما تحقق أمنيا وضبط الامور في الداخل حيث ان حركة الشارع قابلة لكل الاحتمالات،
وثمة مدن لم تهدأ كليا وفي مقدمها حمص ستكون هدفا في عمليات ضبط الامن المقبلة.
لكن الامن وحده لم يعد كافيا. القيادة السورية بحاجة الى العودة الى لغة السياسة والاصلاحات واقناع العالم بان استراتيجيتها الامنية ليست هدفا بحد ذاته. القلق
ليس أمنيا، وانما اقتصادي بامتياز. رفع الغطاء العربي عن سوريا يسهل خنقها اقتصاديا، لا بد اذا من تسريع الخطوات السياسية والتقليل من الضجيج الامني.
تحاول ايران الدخول بقوة على الخط السوري. كررت التحذيرات لواشنطن بضرورة عدم التدخل. بدا الموقف الايراني منطقيا بعدما ارتفعت لهجة دول الخليج. تم تعويم الملف
النووي الايراني عبر البوابة الروسية والاغراءات باحتمال استئناف الحوار الدولي. هذه امور مفيدة بموازاة المحاولات الاميركية المضنية للاتفاق على مستقبل القوات
الاميركية في العراق. المتحدث باسم الجيش الاميركي في العراق جيفري بوكانن كرر أمس ما تقوله القيادة الاميركية منذ فترة بان «ايران تمثل اكبر تهديد لأمن العراق
في الوقت الراهن».
من غير المعقول تصور الاميركي قابلا بان يترك المنطقة بعد سحب جيشه من العراق في ظل تفوق ايراني واضح، وفي ظل استعادة القيادة السورية تماسكها. فماذا سيفعل؟
لا بد من خلق بؤر كثيرة بين الخليج وايران وسوريا. وثمة من يعتقد بان الضغوط الهائلة على سوريا حاليا، وتلك التي ستأتي من قبل الاوروبيين لاحقا وعبر مجلس الامن
ومنظمات حقوق الانسان، ومن خلال اثارة الجدل مجددا في قضية المحكمة المتعلقة بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تدخل في سياق مستقبل الصراع او التفاهم الايراني
الاميركي.
تدرك القيادة السورية ان الأشهر المقبلة مهمة جدا لتطور الملف السوري. لم تعر أي انتباه لكل ما قيل حتى الآن حول عملياتها الامنية. لكن الامن وحده قد يتحول
لاحقا الى فخ حقيقي، فلا استقرار لاي امن بعد التحولات العربية الكبيرة من دون مخارج سياسية فعلية.
اذا ما عدنا الى الخطاب الاخير للرئيس بشار الاسد وكلامه عن حركة سياسية في اواخر شهر آب، يمكن ان نتوقع حركة سياسية حثيثة في الايام والاسابيع المقبلة، اكان
ذلك عبر المواقف السياسية المعلنة او في سياق تنفيذ الاصلاحات او في المؤتمر المقبل لحزب البعث والذي يقول المنطق انه سيشهد تغييرات مهمة. هذا اذا بقي الشارع
السوري مضبوطا .
سامي كليب
No comments:
Post a Comment