Sunday, June 20, 2010

ماؤه "انشقّت" مرتين... "أغوت" أنبياء وشهدت لمعمودية المسيح
نهر الاردن "العظيم" يواجه خطر جفاف مجراه الأسفل في 2011

لم يعد يبقى منه سوى مجرى ضئيل من المياه الآسنة الملوثة، بفعل تحوله "انبوبا للمجاري"، خصوصا في جزئه السفلي. نهر الاردن "العظيم" مهدد مجراه الاسفل بالاضمحلال
في نهاية السنة 2011 اذا لم تتخذ تدابير لانقاذه. "الشاهد الاول" لم يعد كما اشتهر به من قبل: دافق المياه، قوي، سخي... لكنه لا يزال يرتبط بحوادث تاريخية ذات
ابعاد دينية عميقة طبعت مسيرة الشعب اليهودي اولا، والمسيحيين ثانيا. ورغم كل شيء، لا تزال مياهه تحفظ وجوها خطّت على صفحاتها تاريخا ليس أيما تاريخ.

الوضع مقلق
خمس نتائج توصلت اليها جمعية "اصدقاء الارض الشرق الاوسط" في دراسة اقليمية للتدفق البيئي في النهر. الاولى تداعي النظام البيئي للنهر الاسفل بسبب الانخفاض
الشديد في مستوى تدفق المياه اليه وتدني جودتها. الثانية تحويل اسرائيل وسوريا والاردن اكثر من 98 في المئة من تدفق المياه التاريخي للاستخدام لاغراض منزلية
وزراعية. الثالثة ضمّ المياه المتدفقة، في شكل اساسي مياه الصرف الصحي، والمياه المتسربة من احواض الاسماك وبركها، وتسرب المياه المستخدمة في الزراعة، اضافة
الى المياه الشديدة الملوحة المحوّلة الى النهر من الينابيع المحلية حول بحيرة طبرية. الرابعة فقدان النهر اكثر من 50 في المئة من التنوع الحيوي بسبب تدني الموائل
التي تعتمد على التدفق السريع والفياضانات والملوحة الشديدة للمياه. الخامسة توقع ان تجف مواقع عدة على طول النهر الاسفل، ما لم يتخذ كل الافرقاء المعنيين اجراءات
عاجلة لاعادة تدفق المياه العذبة الى النهر.
ويقول المدير الاردني للجمعية منقذ مهيار لـ"النهار": في غياب سيناريو "عدم القيام باي عمل"، فان مستوى التدفق السنوي في الجزء الاسفل للنهر سيبقى في معدله
الحالي، اي 20 – 30 مسم. وستبقى نسبة حصول فيضانات صغيرة ضئيلة، مما يعطي فرصا ضئيلة لاعادة انعاش النظام البيئي للنهر. وسيبقى ايضا الجزء السفلي للنهر ملوثا،
مع ضآلة التنوع الحيوي والبيئي والصحي للنهر".
نهر الأردن نهر آسيوي في بلاد الشام، يجري بين فلسطين في الغرب، وسورية والاردن في الشرق، وبين اللحف الجنوبية لجبل الشيخ (حرمون) في الشمال، والبحر الميت في
الجنوب. وقد فرض عليه الانهدام السوري – الإفريقي خط سيره في واد أخدودي عميق تعلوه جوانب شديدة الانحدار بارتفاعات تراوح ما بين 300 م في الشمال، وأكثر من
800 م في الجنوب. ويبلغ عرض الوادي 5 – 24 كلم، وأقصى اتساع له هو في غور أريحا وقرب البحر الميت.
يبلغ طول النهر 320 كلم، ومساحة حوضه 17300 كلم2، تنتشر على الأراضي اللبنانية والسورية والأردنية والفلسطينية. وحوضه جزء من حوض الأردن - البحر الميت – وادي
عربة البالغة مساحته 43535 كلم2. وتتمثل مصادره الأساسية في الينابيع الواقعة شمالي الحوض في الأراضي اللبنانية والسورية، وأهمها ينابيع حاصبيا وبقية الينابيع
المشكلة لنهر الحاصباني، كالوَزّاني والغَجَر. وتعد منابع الحاصباني العليا في لبنان بداية نهر الأردن(1).
من جهتها، تفيد دراسة الجمعية ان نهر الاردن الادنى وروافده تتشارك فيها اسرائيل والاردن وسوريا وفلسطين. ويبلغ الطول الفعلي للسيول المتفرعة منه 217 كلم من
بحيرة طبرية الى البحر الميت. ويتدرج انحدار النهر من 212 مترا تحت مستوى سطح البحر الى 422.
"النازل" المقدس
أصل تسمية نهر الاردن كنعانية، على ما يُعتَقد، وتعني "النازل". وعُرِفَ عند اليونانيين بـ"أولون"، وعند العرب بـ"الأردن"، وايضا بـ "الشريعة والمشرع" (1).
وعند المسيحيين خصوصا، يقال انه "النهر المقدس". وتعزو استاذة الكتاب المقدس في جامعات الروح القدس والقديس يوسف والحكمة الدكتورة في اللاهوت البيبلي الاخت
روز ابي عاد (من راهبات القديسة تيريز الطفل يسوع المارونيات) سبب هذه التسمية الى ان "للنهر علاقة بالارض التي قيل ان الله وعد بها شعباً اختاره. ووفقا للكتاب
المقدس، هذا النهر يحدّ هذه الارض، ارض الميعاد، وفقا لحدود طبيعية، من اول نقطة ينبع منها، حتى آخره".
نهر الاردن حيوي جدا لديمومة ارض الميعاد. وارض الميعاد، وفقا لما يبينه الكتاب المقدس، هي الارض التي ارسل الله اليها ابرهيم، وقال له: "اذهب الى الارض التي
اريك"، و"اظهر له كنعان". وتشرح ابي عاد ان "كنعان كانت تمثل قسما من سوريا ولبنان وفلسطين". وتُرجِع اولى الاحداث المتعلقة بهذا النهر واهميته الى ابرهيم وابن
اخيه لوط. فعندما ضاقت الارض بهما معا، "لان املاكهما كانت كثيرة"، اقترح ابرهيم على لوط اختيار الارض التي يريدها، وان ينفصل عنه. "فرفع لوط عينيه، فرأى وادي
الاردن كجنة الرب، كارض مصر... فاختار لنفسه وادي الاردن" (تكوين 13/10-11).
وما يمثله هذا النهر لليهود اوّلاً يمتد عميقا في تاريخ هذا الشعب وجذوره، ويشكل مسرحا لحوادث عديدة طبعت بقوة الذاكرة اليهودية. وتشير ابي عاد الى ان "عند
مجاز يبوق، او نهر الزرقا كما يسمى اليوم وهو احد روافد نهر الاردن صارع يعقوب الله، وانخلع وركه خلال الصراع، وأبى أن يتركه قبل أن يباركه (تكوين 32)...
وتشير الى حدث آخر مهم جدا هو "عبور اليهود من ارض العبودية، اي مصر، الى ارض الميعاد، عبر نهر الاردن. وكما انشق البحر الاحمر، وعبر الشعب إلى اليابسة وهو
خارج من مصر، حصل الامر نفسه عند نهر الاردن، حيث توقفت المياه المنحدرة وانقطعت تماما، ومرّ الشعب بتابوت العهد (يشوع 3 و4)". وتذكارا "لبني اسرائيل الى الابد"،
نصب اليهود حجارة هناك، كما سألهم الله... وقد شكّل ايضا هذا "العبور الاعجوبة" موضع اشادة في المزمور 114 : "البحر رأى فهرب، الاردن الى الوراء رجع...". "فبقدر
ما طبعهم هذا الحدث وشعروا من خلاله بان الله معهم، رنموه".
وتضيف حدثا آخر شهده النهر، وهذه المرة مع النبي ايليا الذي يقول الكتاب المقدس ان الله ارسله الى نهر الاردن، وكان تلميذه اليشع يرافقه... "واخذ ايليا عباءته
ولفها وضرب المياه، فانشقت الى هنا وهناك، وعبرا على ارض يابسة. هناك ايضا رفع الله ايليا في مركبة نارية نحو السماء (2 الملوك 2 /1-18)".
وتتوالى احداث اخرى: حدث شفاء نعمان السرياني قائد جيش ملك آرام من البرص، بعدما طلب منه النبي اليشع، تلميذ النبي ايليا، ان يغتسل في مياه الاردن 7 مرات (2
الملوك 5). "ولما شُفِي، اعترف بالاله الذي يعبده اليشع. اي انه بقوة هذا الاله، شفي، وليس بقوة اليشع"، تشرح. ويتكلم ايضا النبي اشعيا على مجد الجليل قرب الاردن.
وتقول ابي عاد: "كانت هذه نبوءته، ويبيّن فيها اهمية الاردن". اما النبي ارميا، فيتكلم مرارا على "ادغال الاردن (ارميا 12/5، 49/19، و50/44) والحيوانات المفترسة
التي كانت تعيش فيها، بسبب كثافة الاشجار. ومرد ذلك، خصب النهر وتدفق مياهه...".
ولان نهر الاردن كان يشكل حدودا طبيعية فاصلة، "كان الشعب يهرب الى عبر الاردن". وتشير ابي عاد الى هروب ابن شاول عبر الاردن (2 صموئيل 2/8)، والى انتفاضة ابشالون
على ابيه داود الذي هرب الى عبر الاردن (2 صموئيل 17/22). وتجاه كل هذه الحوادث، تلفت الى "ابعاد عدة للنهر، اولها العبور، وثانيها بُعدٌ شفائي، اضافة الى بعد
آخر هو كونه ملجأ للمظلومين او المضطهدين او الهاربين".

"العبور الى الحياة الجديدة"
اسم الاردن ذكر في العهد القديم في الكتاب المقدس 183 مرة. "وقد تشمل هذه التسمية النهر او السهل او العبر"، وفقا لابي عاد. اما في العهد الجديد، فذكر 14 مرة،
واهم المحطات فيه "معمودية يسوع المسيح في نهر الاردن". (متى 3- مرقس 1) "تغطس يسوع المسيح في النهر، وصار هناك الحدث الكبير جدا الذي تمثل بظهور ألوهيته، وظهور
الثالوث: الآب بالصوت، والابن بحضوره، والروح في شكل حمامة".
حتى اليوم، لا يزال نهر الاردن يمثل للمسيحيين موقعا مقدسا، رمزا دينيا قويا، "يؤثرون فيها حصول المعمودية على ضفته، او الاغتسال فيه، لان المسيح تعمد فيه".
وتقول ابي عاد: "في العهد الجديد ايضا، يرمز النهر، من خلال معمودية المسيح، الى العبور الى الحياة الجديدة. وله ايضا بعد شفائي، اذ نشفى ايضا من الخطيئة الاصلية
بالمعمودية. فالمعمودية مدخل لنصير ابناء الآب، واخوة يسوع المسيح، وهياكل الروح القدس، وابناء الكنيسة".
وتلي "حدث المعمودية المهم" على النهر حوادث اخرى عند بحيرة "جناشرت" المعروفة اليوم بـ"طبرية"، ويرويها نهر الاردن. "حوادث كثيرة كان يسوع محورها عند هذه البحيرة
او في محيطها. ونعتبر اننا لا نزال في اطار نهر الاردن"، تشرح ابي عاد. ومن هذه الحوادث، دعوة يسوع التلاميذ الاولين، تبشيره الجموع، عظته الكبرى – التطويبات،
تكثيره الخبز والسمك، سيره على الماء، تعليمه الناس من السفينة، تسكينه العاصفة، شفاؤه المرضى، ترائيه لتلاميذه على الشاطئ بعد قيامته.
البحيرة كبيرة جدا، اذ يبلغ عرضها 12 كيلومترا، وطولها 21 كيلومترا، وتحوطها الجبال، وتحمل اربعة اسماء. وتقول ابي عاد: "في العهد القديم، سميت كنِّرة، لان
شكلها يشبه الكنارة. وفي العهد الجديد، تحوّلت تسميتها هذه الى جناسرت، والى بحر الجليل. واستقت تسمية طبرية من اسم الامبراطور الروماني القيصر تيباروس الذي
رغب هيرودوس انتيباس، ابن هيرودوس الكبير، في ان يطلقه عليها، اكراما للقيصر".
على طول نهر الاردن، تاريخ ديني زاخر بالمحطات والوجوه والحوادث ذات البعد الديني العميق. هل يفقد اهميته الدينية او معناه الروحي عند المسيحيين خصوصا، اذا
جفّ ماؤه؟ تجيب: "للمسيحيين فكرة روحية لكل شيء. اي ان المكان المقدس يعني لهم، ولا يمكن التخلي عنه. لكن اذا لم يوجد، فالمعنى الروحي يبقى قائما. واذا جف ماء
نهر الاردن، فسيكون ذلك خسارة بيئية، ولكن ليس خسارة روحية. وبالتأكيد سنشعر بالحزن لمصير النهر، لكن يجب الا يتوقف ايماننا على هذا الامر. يسوع قال "انا ماء
الحياة". وهذا ما يعزينا. يسوع موجود معنا. صحيح انه لا يمكن ان نصل الى كنيسة القيامة في القدس، لكن يسوع موجود معنا في بيت القربان. وصحيح انه لا يمكن ان
نصل الى نهر الاردن، لكن يسوع موجود معنا في سر المعمودية".

توصيات انقاذية
موت نهر "عظيم" كالاردن يدفع ابي عاد وكثراً غيرها من المسيحيين الى الشعور بالحزن. "المطلوب تحرك الدول المعنية لانقاذه"، تقول. وهذا التحرك ترسم خطوطه بوضوح
جمعية "اصدقاء الارض الشرق الاوسط" التي تستنتج في دراستها "انه يلزم تدفق نحو 400 مليون متر مكعب سنويا من المياه الى الجزء الاسفل من النهر، على ان تزاد تدريجا
الى 600، بغية استعادة النظام البيئي للنهر عافيته".
بالنسبة اليها، الوسيلة الوحيدة لانقاذ النهر هي في وقف سحب المياه في شكل جائر منه، وفي صب كميات كبيرة من المياه العذبة في مجراه السفلي. ويبدي مهيار تفاؤله
تجاه تجاوب الدول المعنية مع الخطة الموضوعة للنهر، وخصوصا "انه تم انشاء اللجنة الاستشارية لمشروع تأهيل نهر الاردن". وتوصي الجمعية "باجراء اسرائيل فيضانا
تجريبيا للنهر، بحيث يتم جمع المياه الناجمة عن الفيضان وتخزينها، مما يؤثر في شكل كبير على البيئة العامة للنهر، تعاون السلطات الاردنية والفلسطينية على تطوير
مخطط شمولي لنهر الاردن الادنى للتكامل مع جهود وزارة البيئة الاسرائيلية لسنة 2010، توفير مصادر المياه العذبة للنهر بغية الحد من تدهوره المستمر، ولا سيما
خفض درجة ملوحة مياهه الى ما لا يزيد عن 750 جزءا بالمليون".

(1) الموسوعة العربية www.arab-ency.com.

كتبت هالة حمصي
جريدة النهار

No comments:

Post a Comment