ديماغوجيّة وزارة المال لتبرير الإنفاق غير الشرعي
ابراهيم كنعان: وزارة المال حرفت نص المادة 86 من الدستور (أرشيف ــ بلال جاويش)
يقدّم رئيس لجنة المال والموازنة النيابية، النائب إبراهيم كنعان، شرحاً تفصيلياً عن أسباب عدم قانونيّة إنفاق الماليّة العامّة بين عامي 2006 و2009، ويردّ على حجج وزارة المال التي «ابتدعت نظريات» لصياغة تبرير «متناقض»
يثير مبلغ الـ16590 مليار ليرة (11 مليار دولار) الذي أنفقته وزارة المال بين عامي 2006 و2009 فوق ما تجيزه القاعدة الاثني عشرية بحسب العرف لا الدستور، تساؤلات كثيرة عن مدى دستوريّة الممارسات التي أدّت إليه نظراً لأنّه لم يُشرّع بموازنات مُقرّة في البرلمان أو بقوانين مالية خاصّة.
وتحاول وزارة المال تبرير هذا الإنفاق من منطلقات عديدة وتزعم أنّه «واضح وليس هناك من تجاوزات على الإطلاق في شأنه، لأنّه جرى وفق ما تجيزه القوانين والأعراف المالية ويفرضه مبدأ الاستمرار بتسيير أعمال الدولة والمرافق العامة».
غير أنّ هذا التبرير «يتضمن من التناقضات ما يجعله يحمل في ذاته التبرير ونقيضه» فهو «زاد الأمور غموضاً وابتدع نظريات في علم المالية العامة» وفقاً لرأي النائب إبراهيم كنعان في مراجعة شاملة أعدّها عن الموضوع.
والقضيّة هي أنّ آخر موازنة عامة اقترنت بموافقة المجلس النيابي تعود إلى عام 2005 وأُقرت في مطلع عام 2006، وبعد ذلك استمر الإنفاق على أساس القاعدة الاثني عشرية، أي في المبدأ يجب اعتماد أرقام عام 2005 مرجعاً ثابتاً، وحينها بلغت النفقات 10 آلاف مليار ليرة. غير أن النفقات التي أنفقت فعلياً بين عامي 2006 و2009 كانت أكثر بكثير من ذلك.
ويقول إبراهيم كنعان مستنداً إلى نص المادّة 86 من الدستور بشأن الإنفاق الاثني عشري من دون موازنة شرعيّة، إنّ هذا الإنفاق «مفتقر إلى السندين الدستوري والقانوني» ويردّ على تبريرات وزارة المال له التي ضمّنها في بيان نشرته أخيراً.
وتقول الوزارة إنّ الإنفاق جرى على أساس «أحكام القوانين والأعراف المالية المرعية الإجراء، بما في ذلك استناداً إلى قانون المحاسبة العمومية والقوانين الخاصة التي أجازت هذا الإنفاق». غير أنّّها لم تحدّد وفقاً لكنعان «المواد ذات الصلة التي تبرر التجاوز» واكتفت «بالعموميات التي تؤدي بالنهاية إلى ديماغوجية تفقد البيان صفته الموضوعية».
وفي ما خص الأعراف المالية المرعية الإجراء، يتابع كنعان، «كنا نتمنى ألّا تلجأ وزارة المال إلى هذا المصدر لتبرير التجاوز الحاصل في الإنفاق العام، لأن هذا الإنفاق لا يمكن أن يجري إلا وفقاً لأحكام الدستور والقوانين والأنظمة النافذة في كل حين، ولا يمكن إسناده إلى أعراف وعادات وتقاليد».
تبريرات وزارة المال زادت الأمور غموضاً وابتدعت نظريات في علم المالية العامة
وتلجأ الوزارة إلى ذكر أنّ «الظروف الصعبة» التي واجهها البلاد «حالت دون إقرار الموازنات للسنوات الأربع الماضية، وفي ظل أوضاع مالية وأمنية هي الأصعب في تاريخ لبنان، كان طبيعياً على الحكومات المتعاقبة أن تتحمل مسؤوليتها باعتبارها الجهة المسؤولة». وعلى هذا التبرير يردّ إبراهيم كنعان بوصفه «سياسياً لا قانونياً» ويقول إنّ «الرد عليه سيكون سياسياً أيضاً في المجلس النيابي وخارجه».
وفي التفاصيل، تتحدّث الوزارة عن شرعيّة «الإنفاق من الاعتمادات المدورة من موازنات سنين سابقة»، ويردّ عليها كنعان «بالإشارة إلى أن هذه الاعتمادات هي إمكانات للإنفاق خلال سنة معينة». ويوضح أنّه «في حال عدم إنفاقها خلال السنة التي رصدت في موازنتها، فإن إجمالي الإنفاق الفعلي في هذه السنة يتدنى بقيمة ما دور من اعتمادات وبقيمة ما أُلغي من اعتمادات أيضاً».
وبالانتقال إلى الموضوع المتعلّق «بما يدخل في احتساب القاعدة الاثني عشرية»، يرى إبراهيم كنعان أنّ وزارة المال «حرفت نص المادة 86 من الدستور عندما رأت أن كل اعتماد إضافي يدخل في حساب هذه القاعدة، في حين أن ما يدخل في هذا الحساب هو الاعتمادات الإضافية الدائمة».
أما اعتمادات قوانين البرامج التي تحدّثت عنها الوزارة، فيقول البرلماني: «بالإضافة إلى أنّ حشر هذه البرامج في قانون الموازنة مخالف لأصول وضع قوانين البرامج، ولمبدأ سنوية الموازنة، فإنها لا تُعدّ من الاعتمادات الدائمة المضافة إلى اعتمادات موازنة السنة التي تعتمد لاحتساب القاعدة الاثني عشرية، وبالتالي فإن أخذها في الحساب مخالف لأحكام المادة 86 من الدستور».
وبحسب ما أفادت وزارة المال لجهة «عدم وجود دستور أو قانون في العالم يلحظ طرق الإنفاق وأطره في غياب موازنات لم تقر على مدى أربع سنوات»، شدّد كنعان على أنّ «وزارة المال تناقض ذاتها لأنها سبق لها أن أفادت بأن التجاوز، لا الإنفاق فقط، جرى وفقاً لأحكام القوانين والأعراف المالية المرعية الإجراء».
وعن نفقات الخزينة، يشير إبراهيم كنعان إلى أنّ وزارة المال منحت سلفاً لإدارات عامّة «خلافاً لأحكام المادة 203 وما بعدها من قانون المحاسبة العمومية».
وتقول الوزارة إنّ «الإنفاق من حساب الموازنة وخارج خدمة الدين العام بين عامي 2006 و2009، لم يتخطّ في كل سنة السقف المصدق من المجلس النيابي لمجموع هذه النفقات، أي 6100 مليار ليرة باستثناء ما حصل في عام 2009 بسبب المفعول الرجعي لإقرار سلسلة الرتب والرواتب». لكن السقف المذكور «ليس سقفاً»، وفقاً لكنعان «لأنّه مرتبط بقيمة الاعتمادات الملغاة من موازنة العام 2005».
أمّا على صعيد خدمة الدين العام، فتقول الوزارة إنّ مجموع زياداتها بلغ 5288 مليار ليرة وإنّ هذه الزيادة «تستند إلى الإجازة المعطاة للحكومة بموجب القوانين لتسديد الزيادة في هذه النفقات عند الاقتضاء لتسديد أقساط القروض التي تستحق».
ويردّ عليها كنعان بالقول إنّ «ما أجازته المادة السابعة من قانون موازنة عام 2005 هو الاقتراض لتسديد أقساط القروض والفوائد المستحقة والنفقات المتممة لا تعقيم السيولة المتراكمة لدى المصارف». ويسأل: «كم بلغت كلفة التعقيم؟ وأي قانون أجازها؟».
ويطرح النائب تساؤلات كثيرة عن أموال البلديات والصناديق المختلفة من حيث مصادرها وطرق إنفاقها. وعما أفادت به وزارة المال عن زيادات «نفقات الوزارات الجارية التي لا مفرّ من تسديدها»، لفت كنعان إلى أنّ «على وزارة المال، باستثناء التجاوز في الاعتمادات المخصصة لمعاشات التقاعد وتعويضات الصرف من الخدمة، أن تبين القوانين المرعية الإجراء التي أجازت هذا التجاوز بوضوح».
وعموماً، تلجأ وزارة المال ـــــ في إطار الدفاع عن الممارسات المذكورة ـــــ إلى حجّة تفيد بالآتي: «لولا ما قامت به الحكومة لما كان من الممكن أن تستمر أعمال تسيير الدولة». وعلى هذه الحجّة يردّ كنعان باعتبارها «تبريراً سياسياً» يستدعي «رداً سياسياً» مشدّداً على أنّ «المخالفة تبقى قائمة إلى أن تُسوّى».
ويختم إبراهيم كنعان مطالعته بالتأكيد أنّه «إلى حين تبرير وزارة المال كل تجاوز حاصل ببيان النص القانوني الذي يجيزه، يبقى التجاوز قائماً ومفتقراً إلى السند الدستوري والسند القانوني، ويبقى الإنفاق الذي جرى خلال السنوات الأربع الماضية بحاجة إلى تشريع يجيزه».
(الأخبار)
عدد الجمعة ١٦ تموز ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment