قيادة المقاومة «خارج السمع»
فداء عيتاني
القيادة الصغرى للمقاومة مشغولة هذه الأيام، أو بالتعبير المستخدم «ليست على السمع»، وهذا ما يعرفه العدو والصديق. فهذه القيادة تناقش اليوم أموراً لا يعلمها إلا الله، وهي عادة تعزل نفسها في المناسبات الرئيسية وعند المحطات الكبرى، وتصوغ ردوداً ومواقف على احتمالات عملانية أو سياسية أو تحولات كبرى مرتقبة. كل ما يمكن أن يقدمه المرء عن سر هذا الانشغال الكبير هو التحليل ووضع الأمور في سياقاتها السياسية والأمنية والميدانية.
تتعامل قيادة المقاومة وحزب الله إجمالاً مع الواقع السياسي اليوم لا بصفتها مقاومة معزولة، بل كجزء من محور إقليمي يكسب بالنقاط حتى الآن. وهذه القيادة لا تقيم كثير وزن لكثير من التحليلات التي تتحدث عن تفكّك المحور الإيراني السوري، الراعي للمقاومات في العراق وفلسطين ولبنان، بل هي تتصرف على قاعدة أن هذا التحالف يكسب كل يوم المزيد من القدرات في مواجهة غرب يوضّب عتاده العسكري للانسحاب من العراق، ولا يرى في قيام إسرائيل بأية خطوات عسكرية مباشرة مصلحة كبرى أو تكتيكية حالياً.
وفي الهجمات الارتدادية التي تشنّ على المقاومة حالياً من بوابة المحكمة الدولية، فإن العقل الجمعي لحزب الله يرى أن الكلام السعودي الذي رافق زيارة الملك عبد الله إلى لبنان غير ذي صدى، ولا يبرر موقف المملكة من ملف حساس كالمحكمة الدولية في جريمة اغتيال رفيق الحريري، وأن ما أعلنه بعض من رافق الملك أمام شخصيات لبنانية في جلسات جانبية من أن «الأمور أفلتت من أيدينا» في ما يتعلق بالمحكمة الدولية هو طرح غير مقبول، إذ لا يزال العقل السياسي الجمعي لحزب الله وقيادة المقاومة يرىان أن المملكة السعودية هي أهم من يمكنه التأثير على المحكمة الدولية، أو على الأقل على آل الشهيد، وعلى رأسهم رئيس الحكومة سعد الحريري، ويمكن السعودية أن تعطي إشارة واضحة ليعمل بها لبنانياً سعد الحريري، لرفض أي قرار يمسّ المقاومة، بحسب التسريبات من داخل المحكمة ومن محيطها.
وبعد مؤتمر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، أصبحت المعادلة كالآتي: «الاتهام الأول لإسرائيل، وكل اتهام من خارج هذا السياق يجب تقويمه سياسياً فقط». أضف إلى أن ذاكرة حزب الله بدأت تنشط، مستعيدة ما أبلغ سعد الحريري الأمين العام للحزب به من أن «الجناة هم مجموعة الـ13، وقد اعترفوا بجريمتهم». وهذه الذاكرة للحزب بدأت تستعيد على دفعات ما سبق أن رصدته وعملت عليه وما يمكن أن يربط بعضه ببعض من معلومات ومعطيات يمكنها أن تؤدي إلى استنتاجات مهمة.
وإن كان الموقف المصري، بحسب ما يراه البعض، لا يزال يعمل في مواجهة المملكة في لبنان وفي المنطقة، وخاصة بعدما تحولت المملكة من داعم مالي للمشاريع السياسية، إلى احتلال موقع من يقوم برد فعل سياسي (مع الحفاظ على الإمداد المالي) في لبنان كما في العراق وفلسطين وغيرها من دول النزاع، فإن مصر لا تزال تعمل من ناحية على مواجهة المملكة في دورها الجديد، ومن ناحية أخرى على تجميع أعداء أخصامها ومدّهم بالآمال والدعم المعنوي، فيما تسرّب بعض الأوساط معلومات عن وجود مستشارين عسكريين وأمنيين مصريين في المستشفى العسكري الميداني المصري الذي أُرسل إلى لبنان في مرحلة حرب تموز، وما تلاها من تجنيد لشبان في إطار ميليشيات الشركات الأمنية الخاصة.
وفي انتظار أن يحلّ سعد الحريري وفريقه الضيّق مجموعات الرسائل (البسيطة والمركبة) التي أرسلها له نصر الله في مؤتمره الصحافي الأخير، وخاصة لناحية تأثيرات بعض العملاء على فريق الحماية الخاص بوالده، وأسماء الذين كان العملاء يتواصلون معهم من ضمن فريق الحماية الحريري، وأسباب متابعة أمن المقاومة لبعض من في فريق الحريري، وغيرها، فإنه لا بد من الإشارة إلى أن تسريب معلومات عن اختراق إسرائيلي لكوادر من حزب الله كان للإشارة إلى أن إسرائيل قادرة على اختراق المقاومة، ما يعني إمكان أن تنفّذ مجموعة مخترقة عملية اغتيال الحريري دون معرفة قيادة الحزب. ولكن حين دقّقت قيادة المقاومة في الأسماء المتهمة بالتخابر، تبيّن أن الأسماء الثلاثة من قيادات الميدان في المقاومة، وأحدهم في قيادة وحدات الصواريخ، وأن الاختراق في الاتصالات يحصل عبر اختراق هواتفهم تقنياً من قبل الاستخبارات الإسرائيلية، وبالتالي يُتنصّت عليها كأنهم في وضع (كونفرينس).
ما بعد صدور القرار الاتهامي لن يكون كما قبله، ولكن لن يُسمح باستخدام فتنة سنّية شيعية في الشارع. وفي حال الوصول إلى إصدار القرار، فإن الحكومة لن تكون أكثر من حكومة السرايا، فإما أن الحكومة سترفض، بناءً على طلب سعودي، قرار المحكمة الذي يلمّح أو يشير إلى اتهام حزب الله، وإما أن البلاد ستكون في مكان آخر تماماً.
عدد الاربعاء ١٨ آب ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment