يا محسنين يا محسنات... السيادة عبر الصدقات
ابراهيم الأمين
ربما يكون هذا العنوان الأفضل لحملة تسليح الجيش اللبناني. ما دام مبدأ التسوّل هو الذي يتحكم بمبدأ توفير مستلزمات حماية السيادة الوطنية. والمشكلة هنا ليست بمن خرج بالفكرة، بل في كل الذين يطبّلون ويزمرون بالسيادة والحرية والاستقلال، وبجعل الجيش القوة الوحيدة القابضة على الأرض، وهم لا يجدون ولو دقيقة واحدة أو قرشاً واحداً من الموازنة العامة لتجهيزه. وبدل ذلك، يجري تعميم ثقافة التسوّل، وجعل جنود الجيش وضباطه وقيادته رهن عطاء هذا أو ذاك من مال مشكوك في نظافته أصلاً.
قبل أشهر، عندما بدأ مجلس الوزراء مناقشة الموازنة العامة، قدم كل الوزراء تصوراتهم، لكن وزير الدفاع الياس المر، قدم ورقة ضمّنها مجموعة أفكار لتجهيز الجيش وتطويره، لكنها قامت كلها على فكرة «الشحادة». أي نحتاج الى هبة من هنا، أو مساعدة من هناك، أو مكرمة ملكية من هنا، أو حسنة رئاسية من هناك. لكن وزير الدفاع كان مهجوساً بعدم تحميل المكلف اللبناني المزيد من الأعباء، فلم يجد ضرورة لاقتراح موازنة خاصة ضمن برنامج تسلح عام، وخصوصاً أنه أخبرنا منذ توليه منصبه، أنه موعود بطائرات حربية، ثم مروحية، ثم دبابات، ثم أسلحة متطورة، تارة من هذا البلد أو طوراً من ذلك البلد، دون أن ننسى الضجيج الأميركي غير المتوقف على المساعدات العسكرية للجيش اللبناني، التي تقتصر حتى الآن على برامج تدريب ودعم لوجستي من النوع الذي يحتاج إليه الجيش فعلاً، لكنه من النوع القابل للصرف في مواجهة الأوضاع الداخلية، أي ما يتناسب وشرطة مكافحة الشغب أو حراسة المقارّ العامة أو فرض سلطة الأمن في الأحياء والأزقة.
ماذا عن البرامج الأصلية أصلاً؟
1ـــــ في البرنامج الأميركي، بات معلوماً أنه ممنوع على لبنان الحصول على أي نوع من الأسلحة الدفاعية أو الهجومية التي من شأن استخدامها بوجه إسرائيل التسبب بخسائر في صفوف الطرف الآخر. وجاءت مواجهة العديسة، لتدق جرس الإنذار الإضافي لدى الأميركيين الذين أعربوا عن ارتياحهم الى كون السلاح المستخدم في قتل وجرح جنود إسرائيليين ليس من ضمن الأسلحة الأميركية. كما أن الولايات المتحدة عبّرت بطرق مختلفة عن مواقف من الموضوع، كانت نتيجتها النهائية أن برنامج المساعدات القائم حالياً، قد لا يتعرض لأي تعديل بالنسبة إلى السنة الجارية، لكنّ هناك ضغوطاً من موالين لإسرائيل في الكونغرس لتعديله في السنة المقبلة.
أما المؤيّدون لاستمرار دعم الجيش، من قيادة الأركان في الجيش الأميركي أو حتى من مسؤولين في الإدارة الأميركية، فقد أوصوا، بحسب ما نقله دبلوماسيون وعسكريون أميركيون أخيراً إلى لبنان، كما من خلال ما فهمه السفير اللبناني في واشنطن أنطوان شديد، بأن «ينتبه الجيش لعدم تكرار ما حصل في العديسة، لعدم تسهيل مهمة المطالبين بوقف برنامج المساعدات للبنان».
2ـــــ في برنامج الدعم الروسي، فقد جرى التفاهم على استبدال طائرات الميغ بمروحيات قتالية، على أن يتضمّن البرنامج حصول لبنان على معدات عسكرية ولوجستية وأدوات قتالية تكون مرافقة لهذه المروحيات، بالإضافة إلى كمية كبيرة من الأسلحة التي يحتاج إليها الجيش اللبناني. ومع أن وزير الدفاع أعلن أنها ستكون على شكل هبة من روسيا، إلا أن المتابعات التي جرت لاحقاً، كشفت أن موسكو تواجه مشكلة إذا قررت منح كل هذه المساعدات
الحريري رفض صرف ملايين تسهّل حصول الجيش على مساعدة عسكرية روسية كبيرة
على شكل هبة، وأن الأمر سيحتاج إلى تصديق من مجلس الدوما (النواب) الروسي. فكان الاقتراح بأن يبادر لبنان إلى طلب شراء هذه الأسلحة والتجهيزات، على أن يقر الرئيس الروسي وفقاً لصلاحياته اتفاقية بيع بأسعار مخفوضة جداً، لكن على لبنان المبادرة أولاً إلى دفع مبلغ مالي (بضعة ملايين من الدولارات) لكي تتم الصفقة، الأمر الذي لم ينفذه رئيس الحكومة سعد الحريري حتى اللحظة.
3ـــــ عندما حصلت مواجهة العديسة، أثار الرئيس ميشال سليمان الأمر على نحو طارئ، وهو أراد إحراج الآخرين، بأن عمد إلى اقتراح إنشاء صندوق لدعم تسليح الجيش، انطلاقاً من اقتناعه بأن الحكومة ورئيسها ليسا في وارد الموافقة على تخصيص أموال لهذا الغرض. وقد جاء اقتراحه رداً على بعض من تخوّف من كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ليلة المواجهة، عندما قال إن المقاومة مستنفرة وتحت تصرف قيادة الجيش، وإنها في أي مواجهة مقبلة لن تقف مكتوفة الأيدي. وبعد النقاش، سارع رئيس الجمهورية ووزير الدفاع وقيادة الجيش إلى درس حاجات الجيش الفعلية. وكان قائد الجيش، العماد جان قهوجي، صريحاً ومباشراً بأن أشار إلى حاجة الجيش إلى أسلحة من النوع الذي يواجه المروحيات الإسرائيلية القتالية والمدرعات الإسرائيلية الحديثة والأدوات التي تتيح الدخول في مواجهات مباشرة مع قوات الاحتلال.
لكن ماذا عن التمويل؟
إذا كان مشروع الصدقات هو الحل الوحيد عند الدولة، فإن الأفكار الخاصة بتطوير واردات الدولة من خلال برنامج ضريبي عادل، لا تزال صالحة لمعالجة الأمر. فهل يجرؤ أحد في حكومة الحريري على أن يشير مجدداً إلى الضريبة على المضاربات المالية والعقارية وعلى أموال الشركات الخاصة ذات الأرباح الكبيرة والإعفاءات الضريبية؟
عدد الاربعاء ١٨ آب ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment