Monday, August 9, 2010

الجيش اللبناني في العقيدة القتاليّة لإسرائيل
محمد بدير
تل أبيب «مذهولة» من إقدام الجيش اللبناني على فتح النار باتجاه إحدى وحداتها العكسرية. أمكن المتابعين الأسبوع الماضي أن يلاحظوا أن الإشارة إلى هذا المعنى في التغطية الإسرائيلية لحادثة العديسة تقدمت على واقعة مقتل ضابط إسرائيلي وجرح آخر خلال الاشتباكات. يمكن المرء أن يعتقد أوّلاً أن الشعور الإسرائيلي بالاستغراب مردّه إلى الرؤية النمطية التي تقارب تل أبيب من خلالها قدرات الجيش اللبناني، وهي رؤية يجري التعبير عنها في إسرائيل بقالب تندّري يعود تاريخه إلى حرب عام 1967. تقول الطرفة الإسرائيلية (السمجة) إنه في حمأة المناقشات التي شهدتها غرفة عمليات الجيش الإسرائيلي بشأن توزيع القوات على جبهات القتال، سُئل كبار القادة عن هوية القوة التي ينبغي إرسالها إلى الجبهة اللبنانية، فأجابوا بأن الفرقة الموسيقية ستفي بالغرض. ضمن هذا السياق، يصبح مفهوماً كيف يُعدّ «تجرؤ» الجيش اللبناني على إطلاق النار باتجاه دورية قتالية إسرائيلية أمراً باعثاً على الصدمة في إسرائيل. إلا أن التدقيق في التعليقات الإسرائيلية على ما حصل في العديسة يفضي إلى استنتاجٍ رديف مفاده أن لصدمة تل أبيب سبباً إضافياً غير تجاوز الجيش اللبناني المفاجئ لسقف العجز المرسوم له إسرائيلياً. وهذا السبب هو مخالفة الجيش اللبناني لتوقعات تل أبيب بشأن عقيدته القتالية وطبيعة المهمات المطلوب منه تنفيذها في إطار انتشاره ضمن منطقة الـ1701. فوظيفة الجيش اللبناني وفقاً لهذه التوقعات هي «الفصل بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله» (وزير الدولة الإسرائيلي، يوسي بيليد، في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية 6/8/2010)، كما أن الغاية من تسليحه من جانب الدول الغربية هي «مقاتلة حزب الله لا إطلاق النار على جنود الجيش الإسرائيلي» (هآرتس 4/8/2010 نقلاً عن مصادر أمنية إسرائيلية). لذلك، فإن ما فعله في العديسة «مناقض لمصلحة حكومة لبنان» (عاموس غلعاد، رئيس الدائرة السياسية الأمنية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، في مقابلة مع «يديعوت أحرونوت» 5/8/2010). ويمكن الاستطراد طويلاً في عرض المواقف الإسرائيلية التي رأت في انتشار الجيش اللبناني جنوبي الليطاني في أعقاب عدوان تموز إنجازاً سياسياً من الدرجة الأولى، بيد أن الأجدى هو التساؤل عما يدفع إسرائيل إلى هذا الاعتقاد المشوّه بأن وطنية الجيش اللبناني تقتضي معاداته للمقاومة. قد يعود ذلك إلى قراءة خاطئة للوضع السياسي اللبناني الداخلي التي تُرجح غلبة وجهة نظر الجهات اللبنانية وترى في المقاومة عبئاً على البلد وتسقطها على الجيش. وقد يعود إلى جمود النظرة الإسرائيلية للجيش اللبناني عند تخوم عهد المارونية السياسية التي طالما راهن دافيد بن غوريون على أن تفرز انقلاباً عسكرياً ـــــ مدعوماً من إسرائيل ـــــ يؤسس لسلطةٍ تجنح نحو السلام معها. وقد يكون تفسير ذلك النرجسية السياسية الإسرائيلية المعروفة التي تصرّ على ممارسةٍ معياريةٍ أخلاقيةٍ ترى أن تعريف الصواب والخطأ ينبغي أن يجتاز اختبار المصالح الإسرائيلية، وهي معيارية لعل أبرز مصاديقها العبارة الشهيرة لغولدا مائير: لن أسامح الفلسطينيين لأنهم يجبرون جنودنا على قتلهم.
مهما تكن الحال، فإن إسرائيل ـــــ «المصدومة» بتصدّي الجيش اللبناني لها ـــــ حتى عندما بدأت تبحث عما يساعدها على فهم خلفيات قيامه بذلك، لم تحاول أن تخرج من شرنقة تصوراتها الخاطئة. هكذا، تدرجت التفسيرات عندها من احتمال أن تكون العناصر التي أطلقت النار «مخترقة» من جانب حزب الله أو موالية له، مروراً بتحميل المسؤولية للواء التاسع بوصفه متأثراً على مستوى القيادة والعديد بالانحياز سياسياً إلى حزب الله، وطائفياً إلى الشيعة، وصولاً إلى الحديث عن «خطر حزبلة الجيش اللبناني» كما عبّر نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، داني أيالون، في معرض إشارته إلى «سيطرة حزب الله» عليه. في كل الاحتمالات التي اجترحها العقل الإسرائيلي، لم يكن هناك مكان لفرضية ترجح أن يكون ما فعله الجيش اللبناني تعبيراً عن هويته الوطنية وعقيدته القتالية التي ترى في إسرائيل عدواً يندرج التصدي له في خانة البديهيات التي لا تحتاج إلى استدلال. ووفقاً للتصور الإسرائيلي، المقاومة والجيش (اللبناني) نقيضان ينبغي أن لا يجتمعا، وإذا حصل أن لاحت إشارات تدل على خطأ هذا الاعتقاد (العديسة نموذجاً) تميل تل أبيب على الفور إلى اصطناع تفسيراتٍ عرجاء لترميم قناعتها المتصدعة.
أمام هذا الواقع، ثمة ما يدفع إلى التساؤل: ما الذي تخشاه إسرائيل من اجتماع الجيش والمقاومة في جبهة واحدة قبالتها؟ سؤال يبقى برسم الباحثين في الاستراتيجية الدفاعية.

عدد الاثنين ٩ آب ٢٠١٠
الاخبار

No comments:

Post a Comment