Monday, August 9, 2010

السفير السوري في الضنيّة: البحث عــن الحقيقـة
مرّة أخرى، السفير السوري علي عبد الكريم علي في الشمال. وللزيارة هذه دلالات شماليّة وسياسيّة عديدة. فمنذ زار قبل مدّة طرابلس و«قاطعه» نوّاب تيار المستقبل، تقدّمت علاقة دمشق بزعيم المستقبل وتعمّقت، وبالرغم من ذلك لم يزر السفير أيّاً من المستقبليين، بل خصماً سياسيّاً وانتخابيّاً لهم
عبد الكافي الصمد
في زيارة هي الثالثة له إلى الشمال منذ تعيينه سفيراً لدمشق لدى بيروت، حطّ الدبلوماسي السوري، علي عبد الكريم علي، رحاله نهاية الأسبوع الماضي في الضنية، بعدما كان قد استهلّ زياراته الشمالية بطرابلس في 26 حزيران الماضي بدعوة من الرئيس السابق لجمعية تجار طرابلس مأمون عدرة، أتبعها بتلبية دعوة النائب السابق نادر سكر في الأرز في 23 تموز الفائت، قبل أن يستضيفه النائب السابق جهاد الصمد في بلدة بخعون ـــــ الضنية.
زيارة السفير علي إلى طرابلس قاطعها وقتذاك تيار المستقبل، ما فسّرته أوساط التيار حينها بأن «المستقبليين» «يفضّلون العلاقة الرسمية بين البلدين، ويلبّون دعوات رسمية لا حفلات خاصة». وهو أمر «تغيّر» أخيراً بعد مشاركة النائبين بهية الحريري ونهاد المشنوق في حفل تكريم السفير السوري الذي أقامه، منتصف الأسبوع الماضي، رئيس تجمّع 11 آذار مرعي أبو مرعي في زيدانية مجدليون، بالقرب من دارة آل الحريري، إضافة إلى استقبال النائبة الحريري السفير السوري في دارتها في مجدليون، ما يدلّ على وجود ارتباك وأكثر من وجهة نظر داخل المستقبل في كيفية التعاطي مع سفير دولة لم تتحوّل بعد إلى صديقة لهم.
المحطة الثانية للسفير علي في الأرز حملت دلالات إضافية لافتة، أولاها أنه زار منطقة تعدّ الحصن الرئيسي للقوات اللبنانية، وتناول الغداء فيها على بعد مرمى حجر من المنزل الذي أقام فيه لفترة رئيس الهيئة التنفيذية في القوات سمير جعجع بعد خروجه من السجن؛ وثانيتها أن أغلب وجوه وممثّلي العائلات السياسية البشراوية، باستثناء القوات، كانوا حاضرين في استقباله، ما يدل على أن انقساماً سياسياً عمودياً موجود في المنطقة، وأن حصرية وجود القوات اللبنانية وحصرية تمثيلها للمنطقة تحتاج إلى إعادة نظر.
غير أن زيارة السفير السوري إلى الضنية كانت لها أبعاد مختلفة. فالرجل يلقى في كل منطقة يزورها، وخصوصاً التي يعدّها المستقبل حصوناً له، استقبالاً سياسياً وشعبياً معبّراً، وهو ما أشار إليه الصمد من أنه «نشعر في هذه المنطقة بالذات باعتزاز كبير لوجودك بيننا بشخصك وما تمثّل، شعباً ورئيساً ودولة»، متوجهاً إليه بعبارة بالغة الدلالة بتأكيده «أنتم اليوم أكثر حضوراً في الوجدان الوطني من أيام عنجر، ونحن حلفاؤكم أكثر تجذّراً في ضمير شعبنا من أيام البوريفاج».
لقاء بخعون الذي يعدّ واحداً من أوسع اللقاءات التي أقيمت تكريماً للسفير السوري تميّز بأمرين: الأول أن المشاركين فيه من مختلف المناطق اللبنانية، وإنْ كانت أكثريتهم شمالية.
والثاني أنهم توزّعوا على مختلف التيارات السياسية، سواء تلك المتحالفة مع المستقبل (الجماعة الإسلامية ومقرّبون من الرئيس نجيب ميقاتي)، أو التي فتحت صفحة جديدة معه (الرئيس عمر كرامي ومقرّبون من النائب سليمان فرنجية)، أو التي لا تزال تعارضه بطريقة أو بأخرى (حزب الله، التيار الوطني الحر، الحزب السوري القومي الاجتماعي، جبهة العمل الإسلامي، جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية، وشخصيات سياسية عديدة).
إلى ذلك، أثبت لقاء بخعون أن الصمد حيثية سياسية أساسية في الضنية، وهو أكد ذلك في معظم الاستحقاقات الانتخابية النيابية والبلدية، ما جعله واحداً من بين قلة ضمن المعارضة السنّية حالت دون هيمنة المستقبل على الشارع السنّي كله، برغم أن هذه المعارضة، بحسب الصمد، «مورس في حقها لخمس سنوات أبشع أنواع الإرهاب الفكري، والتحريض المذهبي والطائفي».
لكنه مع ذلك أرسل إشارة إيجابية في أكثر من اتجاه إلى أن «ما ارتكب في حقنا ينتمي إلى مرحلة ماضية، وأن النظر إلى الأمام وحده الذي يحافظ على السلم الأهلي».
رأى النائب السابق جهاد الصمد أن حضور سوريا في الوجدان الوطني أكبر اليوم من أيام عنجر
السفير السوري: أتمنى احترام الخطوات السليمة التي تقود إلى الأمن والاستقرار
على هذا الأساس توجّه الصمد في كلمته إلى الرئيس سعد الحريري، وكان السفير السوري يستمع إليها بإمعان واضح وجعله يقول في كلمته إن الصمد «لامس قضايا حساسة تعنيكم وتعنينا»، لإشارته فيها إلى أن «الحريري مدعوّ إلى تحمّل المسؤولية التاريخية لحماية وحدة شعبه وديمومة وطنه، بصفات المسؤول ووليّ الدم ووليّ الضمير الوطني»، مؤكداً أنه «ما من أحد في لبنان لا يريد معرفة من قتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكنّ العقل والعلم القانوني والموضوعية تلزم الحريري بالتوقف أمام بعض الحقائق، منها: هل التحقيق الدولي كامرأة القيصر فوق الشبهات؟ وألا يعتقد أن اتهام سوريا سياسياً استناداً إلى شهود زور، هو ما كان يسيطر، كما يقول صديقه وحليفه وليد جنبلاط، على لجنة التحقيق الدولية في البدايات وعلى بعض القضاء في لبنان؟».
وسأل الصمد الحريري: «ألا يرى أن هذا الاتهام السياسي كان مبنياً على لاشيء؟ وأنه لا يجوز نقل بوصلة التحقيق وحرفها من اتجاه جرمي إلى اتجاه جرمي آخر وصولاً إلى اتهام أفراد من حزب الله؟ وأن ذلك يأتي في سياق قانوني غير سليم ومشوب بالريبة وبالاستهداف السياسي للمقاومة؟ وألا يعتقد أن اتهام حزب يمثّل طائفة سيتحول إلى اتهام طائفة، وأن لبنان القائم على توازن الطوائف لا يتحمّل اتهام حزب يمثّل طائفة؟ وأنه هل تبقى الحقيقة حقيقة إذا استُغلّت؟ وهل تبقى العدالة عدالة إذا سُيّست؟ وأن الحقيقة والعدالة بمفهوم لجنة التحقيق الدولية والمدّعي العام الحالي هي حقيقة مركبة وعدالة مجتزأة، وأننا نهدر فرصة معرفة القتلة الحقيقيين. لذا تصبح العدالة مستحيلة؟ وأن لبنان لا يُحكم إلا بالحكمة والمسؤولية، وأن أي طائفة تُظلم أو تهمّش لا يحميها دفاعها عن نفسها ـــــ وإنْ كانت قادرة ـــــ بل دفاع الطوائف الأخرى عنها، وهذا هو شرط العيش الواحد، وهذا هو معنى وجود لبنان؟».
السفير السوري ردّ بكلمة مقتضبة أكد فيها أن «البحث عن الحقيقة يتعزّز بالحوار وبالاحترام المتبادل». ورأى أن «البحث عن الحقيقة مصلحة للجميع»، متمنياً أن «ننحاز جميعنا إلى التفاؤل والوفاق واحترام الخطوات السليمة التي تقود إلى الأمن والاستقرار والازدهار».

عدد الاثنين ٩ آب ٢٠١٠
الاخبار

No comments:

Post a Comment