طرابلس تتفاعل مع خطاب نصر الله... وترسّخ انقسامها
عبد الكافي الصمد
جمهور يؤيّد نصر اللّه في باب التبانة: «اللّه ينصرك يا سيّد» (مروان طحطح)سمح عدم انقطاع التيار الكهربائي ليل أول من أمس عن طرابلس، في متابعة أغلبية المواطنين فيها للمؤتمر الصحافي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، لمعرفة ما لديه من «أدلة» على اتهام إسرائيل باغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ما كان لافتاً أن فئات واسعة من المواطنين تابعت المؤتمر باهتمام، وخصوصاً الموالين لتيار المستقبل، مع أن قناة «أخبار المستقبل» لم تنقل المؤتمر، على عكس بقية القنوات اللبنانية، ما عدَّه البعض «إشارة سلبية».
تخلّي قناة «أخبار المستقبل» عن «التغطية» دفع معظم مناصري تيار المستقبل و14 آذار في طرابلس والشمال إلى متابعة مؤتمر نصر الله على قنوات أخرى، فيما تابع مناصرو القوى السياسية الأخرى المؤتمر على قنوات متعددة في محالّهم ومقاهيهم، أو في بيوتهم التي أوَوا إليها باكراً، ما جعل حركة السير في شوارع طرابلس لحظة إطلالة السيد خفيفة، ودفع البعض إلى مقارنتها بما كانت عليه الحال أثناء حرب تموز عندما كانت الشوارع تقفر من المارة والسيارات حينما كان يطل على شاشة التلفزيون، وعدم اهتمام كثيرين بمتابعة كلامه بعد أحداث 7 أيار وما تلاها، ما انعكس تراجعاً واضحاً في اجتذاب نصر الله لفئات كبيرة من المواطنين في عاصمة الشمال.
مساء أول من أمس عاد المشهد إلى سيرته الأولى، لكن لأهداف وغايات متعددة، تحديداً من جانب كوادر تيار المستقبل الذين «ألغوا كل مواعيدهم وأشغالهم لترقب كلام نصر الله، لدرجة أن النائب سمير الجسر ألغى مقابلة تلفزيونية لهذه الغاية»، يقول أحد كوادر التيار، شارحاً اهتمامهم الزائد بالأمر.
«كان المؤتمر الصحافي فارغاً من أي مضمون حقيقي»، يقول هذا الكادر، قبل أن يتابع: «أنا حزين لأن نصر الله لم يصل إلى أي نتيجة. كنا ننتظر منه أن يقدم دليلاً حازماً، فلم يفعل شيئاً». وعندما يُسأل: «لماذا أنتم في تيار المستقبل لا تتمنون، أو تقبلون، أن تكون إسرائيل هي من اغتالت الرئيس رفيق الحريري، أو أن يوجه إليها الاتهام بهذا الأمر؟» يحاول أن يبدو حازماً: «لأن إسرائيل لم تغتل رفيق الحريري، ولأنني بتّ مقتنعاً بعد كلام نصر الله بأن حزب الله متورط في القضية!».
في مقابل ذلك، إذا كانت بعض الأحياء في المدينة قد عرضت كلام نصر الله في الهواء الطلق نقلاً عن قناة «المنار»، كما في جبل محسن مثلاً، فإن مناطق وأحياء أخرى فعلت الأمر نفسه للمرة الأولى منذ سنوات، كما حصل في مناطق القبة وباب الرمل والميناء وباب التبانة والزاهرية، حيث عمد شبان في المحلة الأخيرة إلى إطلاق مفرقعات نارية خفيفة مرتين، أثناء كلام نصر الله وبعد إنهائه، وهو مشهد غاب تماماً في السنوات الماضية في طرابلس.
النقاش في طرابلس بشأن كلام نصر الله يبدو متقدماً على تصريحات سياسيي المدينة
النقاش الشعبي والعام في طرابلس بشأن كلام نصر الله يبدو متقدماً ومتميزاً عن تصريحات «معلبة» لسياسيي المدينة في مقاربة الموضوع ذاته. ففي أحد المقاهي الشعبية في الزاهرية يعلق أحدهم بحبور ظاهر: «يخزي العين، عند السيد إمكانات تفوق قدرات جيوش عربية»، فيقابله آخر بما يشبه الشماتة من الإسرائيليين: «يبدو أن السيد استأجر الطائرات الإسرائيلية لتصوّر له، وغداً عندما تندلع الحرب قد تخطئ هذه الطائرات أهدافها وتضرب داخل إسرائيل!».
في باب التبانة كان المشهد مماثلاً، مع تسجيل مفارقة أن المقاهي الشعبية فيها جمعت مناصري 8 و14 آذار معاً، من غير أن يسجل أي احتكاك أو توتر تشهده المنطقة عادة لأتفه الأسباب. في أحد مقاهيها المزدحمة برائحة الدخان وقرقرة النراجيل يندفع أحدهم لتأييد نصر الله في كل كلمة يقولها، مردداً باستمرار: «الله ينصرك يا سيد». لكن مناصراً لتيار المستقبل يرد عليه بلهجة طرابلسية: «يا أخي، أنا شو بعرفني إنو الطيّارة يلي صوّرت مسرح الجريمة إنها طيارة إسرائيلية وليست إيرانية؟».
هذا الجو الانفتاحي من التعاطي مع كلام نصر الله في طرابلس، يبدو متقدماً ويدل على حصول تغيير كبير فيها. فبعدما كانت مقاهي التل أواخر عام 2006 تشهد النقاشات الساخنة انطلاقاً من اتهام سوريا باغتيال الرئيس الحريري، عادت هذه المقاهي لتشهد كعادتها حلقات نقاش واسعة حيال القضايا السياسية، خالية هذه المرة من الحدة، وعادت إليها حيويتها وقفشاتها المعتادة، وذلك حينما وجه مؤيد للمعارضة سؤالاً لمناصر لقوى 14 آذار ممازحاً: «إن شاء الله انبسطت بخطاب السيد مبارح؟»، فيرد عليه مبتسماً: «لبنان من فوق شكلو حلو أكتر من تحت!».
في المقاهي «الراقية» التي تنبت كالفطر في طرابلس، وتحديداً في شارع الميناء ومحلة المعرض، وأكثرية روداها من «الكوبلات»، لم يُعرض كلام نصر الله على الشاشات، لكن كثيرين استمعوا إليه عبر أجهزتهم الخلوية المتطورة التي يحملونها ويتباهون بها أمام الآخرين وأمام الفتيات من رواد هذه المقاهي.
لكن هذا لم يمنع حصول نقاش في الموضوع، إذ يقول أحدهم لمحاوره: «أنا أفضّل أن تكون إسرائيل هي من اغتالت الحريري وأداً للفتنة، لكنها لم تفعل ذلك، شو بدي اتهمها بالقوة؟»، فيتدخل أحد الجالسين على الطاولة لإنهاء النقاش، قائلاً: «يا خيّي حتى لو إسرائيل هي التي اغتالت الحريري لن تقبلوا، القصة صارت معروفة!»، ثم يلوّح لغرسون المقهى بعد أن يتوجه لمجالسيه: «شو بتحبو تشربوا؟».
عدد الأربعاء ١١ آب ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment