شارع «المستقبل» البقاعي: لم نعد نعرف شيئاً
عفيف دياب
تسمّر الجمهور البقاعي أمام شاشات التلفزيون لمتابعة السيد حسن نصر الله، أول من أمس. متابعة كانت تعني مباشرة هذا الجمهور في البقاعين الأوسط والغربي بعدما أصيب بحال من «الضياع السياسي»، إذ لم يستوعب بعد تسارع المتغيّرات، ولا سيما أنه كان يتلقّى جرعات كبيرة ومكثّفة من المواقف السياسية لفريق سار خلفه منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل سنوات خمس. فأبناء السهل في البقاع الأوسط والغربي لم يكن عندهم الوقت الكافي لتقديم قراءاتهم للأحداث الكبيرة التي عصفت بالبلاد وبهم. فتسارع الأحداث السياسية والأمنية، وانقسام البلاد على فريقين، ألزماهم بالوقوف خلف فريق ضد الآخر، رغم وجود معرفة مسبقة عند أغلبية أبناء المنطقتين أن اصطفافهم هذا لا يحاكي تاريخهم السياسي ونبذهم للتعصّب المذهبي والطائفي. فـ«ما كان ليس إلا ردّ فعل على فعل كان يستهدفنا»، يقول اليساري السابق أبو عمر من مجدل عنجر. يضيف: «لم أعد أكترث لأي فريق سياسي في لبنان. لقد ذهبت بعيداً في بعض خياراتي السياسية خلال السنوات الماضية، وأعلم أنني تعرّضت لخديعة سياسية من الطرفين. فما جرى أخيراً في لبنان من تبدّلات سياسية وانقلاب التحالفات، أعطاني صورة واضحة عن مدى تحوّلنا إلى دمى في لعبة الكبار».
هذا الامتعاض وإعادة الانتظام السياسي على المستوى الشخصي، ليسا حالة عامة عند من تلتقيهم في بلدات البقاعين الأوسط والغربي. فكلام السيد نصر الله لم يجده البعض إلا «من ضمن مشروع إلغاء المحكمة الدولية»، وفق أحمد جراح، في بلدة المرج، الذي له قراءته للمعطيات التي قدّمها نصر الله عن احتمال تورّط إسرائيل في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. «كان يمكن السيد أن يقدم هذه المعطيات سابقاً، ولا أدري لماذا لم يفعل إلا حين بدأ الحديث عن تورّط حزبه في الجريمة». يتابع: «لا أعتقد أن حزب الله على المستوى الرسمي نفّذ الجريمة، ولكنّ الحزب يعرف من نفّذها، ولا أدري لماذا ما زال مصراً على حماية سوريا». ولكنّ الرئيس سعد الحريري زار دمشق وبدأ بنسج علاقة جيدة مع النظام هناك؟ يجيب الجراح «الشيخ سعد رئيس حكومة غير الشيخ سعد رئيس تيار المستقبل. للموقع الرسمي حسابات سياسية تختلف عن الحسابات الحزبية، وإذا كان الحريري مقتنعاً بأن سوريا بريئة فهذا شأنه، ولست معنياً بالأمر». ويستدرك: «لست من أنصار سعد الحريري، بل من أنصار الشهيد رفيق الحريري، وحزب الله يعرف ماذا أقول. لا يمكن الشيخ سعد أن يفرض علينا ما يريده، فأنا لست معنياً بتياره الحزبي، وهناك من يستهدف أهل السنّة في لبنان، وعلى رأسهم حزب الله ومن خلفه سوريا وإيران». لكن ألم يقنعك كلام السيد نصر الله في مؤتمره الصحافي؟ يرد جراح على الفور: «أصلاً، أنا لم أشاهده. وإذا كانت إسرائيل من خطّط لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإن عملاء لها سوريين نفذوا الجريمة، ولا أعتقد أن جريمة بهذا الحجم لا يعرف بها الأمن السوري أو أمن حزب الله». ويختم: «حل عني يا أخي، عندي شغل ومش فاضي لحكي السياسة، مات الزلمي وراحت عليه».
«حل عني يا أخي عندي شغل ومش فاضي لحكي السياسة، مات الزلمي وراحت عليه»
عدم استيعاب ما يجري في البلاد من صراع خفي وعلني على المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي، لا تجد من يفسّره في سعدنايل، هذه البلدة التي كان لها الباع الطويل في إمداد تيار المستقبل بما يحتاج إليه من معنويات وحشود شعبية في صراعه مع 8 آذار. ويتحدث شبان من البلدة عن حال من الاستقرار السياسي تسيطر على بلدتهم بعد أن قفزت إلى مقدمة مواجهة حزب الله وفريق 8 آذار طوال السنوات الماضية وقطع الطرق ورد الصاع صاعين على كل من يحاول إسكات الرئيس «فؤاد السنيورة» ومن خلفه، إذ كان شباب سعدنايل يعلنون جهاراً أنهم على استعداد للعيش من دون ماء أو كهرباء كرمى لعيون السنيورة، فـ«نحن كنا على استعداد لأن نموت ولا تهان كرامة السنيورة أو الشيخ سعد الحريري»، يقول أحد الشبان وهو ينفث دخان نرجيلته في منشية البلدة هرباً من «الشوب». هذه المنشية التي كانت تُرسم فيها قرارات قطع الطرق وبعض ردود الفعل على ما يجري في بيروت أو غيرها من المناطق اللبنانية الأخرى، لم تعد اليوم مصدراً للقرارات المذكورة. ويقول أحد الشبان بعدما استمع إلى السيد نصر الله إن «حقيقة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أصبحت بعيدة، والسيد استطاع أن يحدث زلزالاً في المحكمة الدولية». ويتابع: «كنا نعتقد أن سوريا هي التي قتلت الرئيس رفيق الحريري، ومن ثم قالوا لنا إنه حزب الله، واليوم السيد يقدم أدلة على أن إسرائيل هي التي قتلت الرئيس الشهيد. أنا لم أعد أصدّق أحداً، ولا أريد أن أعرف الحقيقة. أريد الكهرباء أولاً».
تبدّل الأولويات في سعدنايل، من الحقيقة أولاً إلى الكهرباء أولاً، ينطبق أيضاً على كامد اللوز في البقاع الغربي، أو كما تعرف بين جمهور تيار المستقبل بـ«قريطم البقاع». ويقول أحد المشايخ في المنطقة، بعدما تمنى عدم ذكر اسمه، إن على «تيار المستقبل أخذ كلام نصر الله على محمل الجد. ويجب على الرئيس سعد الحريري أن يطلب من حكومته إرسال المعطيات والدلائل التي قدمها نصر الله إلى المحكمة الدولية». يتابع: «نحن مع معرفة الحقيقة وكل الحقيقة. ولا أعتقد أن حزب الله هو من قتل الرئيس الشهيد، ولا أعطي صكّ براءة لسوريا ولا لإسرائيل، ولكن يجب الأخذ باحتمال إقدام إسرائيل على التخطيط لاغتيال الرئيس الحريري، ولنبحث عن المنفذ الذي قد يكون عربياً أو لبنانياً». ويختم: «الناس هنا في حالة ضياع. لم نعد نعرف شيئاً».
عدد الأربعاء ١١ آب ٢٠١٠
الاخبار
No comments:
Post a Comment