Thursday, August 12, 2010

ســـوريا بيـــن اللعـــب والجـــدّ
غسان سعود
قسم من الجمهور الذي تابع مباراة منتخبي لبنان وسوريا في ملعب غزير أول من أمسيروي أبو هيثم محاطاً بمجموعة من زملائه في محطة شارل حلو أنه «على الخط (بيروت ـــــ دمشق) منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، اجتزت خلالها كل الاختبارات، حتى صاروا يطلقون عليّ صفة «سورفايفر». وفي الأشهر الماضية، بعد مصالحة الرئيس سعد الحريري والقيادة السورية، (يتابع أبو هيثم) توقف تعرّض أنصار المستقبل لسيارات التاكسي السورية، لكن ذلك لا يعني أن سائق السيارة السورية سيصل اليوم من بيروت إلى المصنع من دون الاستمتاع بعشرات اللبنانيين يلوّحون له بإصبعهم الوسطى، وبعضهم يعلّمون أبناءهم تقليدهم». فضلاً عن ذلك، يتحدث «السورفايفر» عن السيارات «التي تطحش علينا أو ترفض فتح الطريق بمجرد رؤيتها السيارات الصفراء».
من شارل حلو إلى ملعب ميشال المر في المتن قبل نحو عشرة أيام، سمع التلامذة السوريون شتائم من الجمهور اللبناني أثناء مباراة منتخبي لبنان وسوريا في بطولة العرب للمدارس التي كان شعارها «الشطّور يربح»، لم يسمعوها في حياتهم. وسرعان ما توقفت المباراة إثر ترداد بعض اللبنانيين عبارات بحق الرئيس السوري بشار الأسد لم يقلها النائب وليد جنبلاط نفسه في 14 شباط 2007. مع العلم بأن «ثورة» الجمهور اللبناني بدأت بعد إشكال صغير بين مدرب المنتخب اللبناني رزق الله زلعوم، السوري الأصل، ومدرب المنتخب السوري.
ويوم السبت الماضي، خلال مباراة منتخبي لبنان والفيليبين في بطولة النخبة الآسيوية الثالثة في كرة السلة، لم يكد الجمهور اللبناني يتأكد من فوز المنتخب اللبناني، حتى بدأت المدرجات تصدح: «جايي دورك سوريا، جايي دورك سوريا». وفي الموعد المحدد، أول من أمس في ملعب غزير (كسروان)، قدم بعض اللبنانيين نموذجهم للعلاقات اللبنانية ـــــ السورية، فلم تكد أقدام لاعبي المنتخب السوري تطأ أرض الملعب، حتى بدأت مجموعة تضم نحو سبعين شاباً، أكبرهم لم يتجاوز العشرين من عمره، وبعضهم يرفع أعلام القوات اللبنانية، شتم سوريا وأختها وأمها، مستعينين طبعاً بالـ«آه آه سوريا»، الأمر الذي دفع المنتخب السوري إلى الانسحاب من المباراة.
ومن اللعب إلى الجِد، تظهر التقارير الأمنية فضائح. ففي السابع من هذا الشهر، ادعت نادرة المصطفى أمام مخفر بنت جبيل أن زوجها إبراهيم التمرو خرج من منزله قبل يومين للعمل في إحدى الورش، ولم يعد. في اليوم نفسه، توفي السوري محمد جرعتلي بحادث سير في منطقة كفرعبيدا، فيما نجا مصطفى سيدو، السوري الجنسية أيضاً، من الموت في زحلة إثر صدمه بسيارة. وفي اليوم التالي، سلب ثلاثة أشخاص مجهولو الهوية الشاب السوري طاهر العيس في منطقة البربير، بعدما أسمعوه كلاماً نابياً. وفي صيدا، صدمت سيارة السوري مصعب عبد الحيّ، في وقت فوجئ فيه أحد السوريين العاملين في محطة للوقود في منطقة كورنيش النهر ـــــ الأشرفية بشاب لبناني يعتدي عليه بالضرب ويهدده بسكين. وفي اليوم نفسه أيضاً، حاول شابان في منطقة النبعة صدم السوري هاني الإبراهيم بعدما تسليا قليلاً بإخافته بسلاح حربي.
ومن تقرير أمني إلى آخر، يتبين أن عدد الذين يفضّلون الموت في لبنان استشهاداً على الموت في قراهم جوعاً يتصاعد يوماً تلو الآخر.
عدّة الشغل الإعلامية والسياسية التي استخدمها الحريري ما زالت هي نفسها اليوم
في ملاعب كرة السلة، ثمّة مجموعات منظمة، ترفع أعلام القوات اللبنانية، تشجع الجمهور على تهجير السوريين بكل روح رياضية. أما على امتداد الأراضي اللبناني، فيتحمل تيار المستقبل المسؤولية الأكبر عمّا يتعرض له السوريون. فالنائب مصطفى علوش مثلاً، الذي يلتزم توجيهات الرئيس سعد الحريري لناحية مهادنة السوريين، ما زال يهدد السوريين ويتوعدهم أمام الممرضين في غرفة العمليات في المستشفى حيث يعمل، كما كان يفعل سابقاً. فيما يتجنب المسؤولون في تيار المستقبل في الشمال بناء ثقة حقيقية بين أنصار تيارهم والسوريين، ويكررون القول في الاجتماعات المغلقة إن «ضرورات المرحلة تتطلب انفتاح الرئيس الحريري على دمشق»، وأن «ما يحصل اليوم لا يتجاوز التزام الشيخ سعد بتحقيق رغبات الملك عبد الله» و«إننا لن ننسى ما فعله السوريون». وفي المنية، يسهل الوصول إلى العامل السوري الذي يدّعي أنه قصد منزل النائب أحمد فتفت إثر زيارة الحريري الأولى لدمشق، ليطلب منه الحماية بعدما أحرقت خيمته خمس مرات في السنوات الماضية، لكن أحد الموظفين في منزل عضو كتلة المستقبل سخّفه وبدأ الاستهزاء به لتصديقه أن صفحة جديدة ستفتح بين الشعبين السوري واللبناني، قبل أن يطرده. ويظهر التجوال في منطقة الطريق الجديدة مثلاً أن القاعدة الأساسية لتيار المستقبل ثابتة على اعتبار «السوري عدو الله لا حزب الله». يذكر هنا أن عدّة الشغل الإعلامية والسياسية التي استخدمها الحريري، زعيم الأكثرية النيابية، للهجوم على سوريا وتعبئة الرأي العام المناصر له ضد السوريين وحلفائهم ما زالت هي نفسها اليوم، عدة شغل رئيس الحكومة اللبنانية. وفي عدّة الشغل هذه من صدّق أن لديه في ذمّة دمشق ثأراً شخصياً.
في النتيجة، توحي بعض الأحداث أنه لا تغيّر عملياً في البيئة المستقبليّة تجاه سوريا، وأن العمل التقني والإداري من جانب الرئيس الحريري لإصلاح العلاقات اللبنانية ـــــ السورية لم يترجم بعد على الأرض، ولا يبدو أن ثمة في الأفق القريب نيات لإغلاق صفحة الماضي. سبق للحريري أن قال لأنصاره بطريقته الخاصة: اعرف عدوك، السوري عدوك. وللآن لم يقل أبو حسام الدين عكس ذلك.

عدد الأربعاء ١١ آب ٢٠١٠
الاخبار

No comments:

Post a Comment