«اشتباك عديسة» يأتي في «زمن لبناني حساس»
وعين إسرائيل على «توترات» قضية الحريري
كتب محرر الشؤون الاسرائيلية:
شكل الاشتباك بين القوات الإسرائيلية والجيش اللبناني فرصة لكتّاب الأعمدة والمحللين السياسيين في إسرائيل لقراءة الحدث في إطاره الأوسع.
وفيما يرى البعض أن ما جرى يثبت أن الردع الإسرائيلي يتآكل أشار آخرون إلى عكس ذلك. ولكن أهم التساؤلات دارت حول النظرة إلى لبنان من ناحية وإلى الجيش اللبناني
من ناحية أخرى.
واعتبر المراسل العسكري عاموس هارئيل وزميله آفي يسخاروف اللذان يكتبان مقالات مشتركة في «هآرتس»، أن الاشتباك وضع علامة استفهام على الفرضيات الأساسية التي
عملت وفقها إسرائيل في الأعوام الأربعة الأخيرة. وكتبا أن «الميل السائد هو أن الحدث لم يغير شيئاً وأن الهدوء النسبي القائم سيستمر رغم التصعيد. ولكن الأحداث،
وعلى رأسها مقتل قائد كتيبة الاحتياط المقدم دوف هراري قرب مسكاف عام بنار قناص لبناني، تطرح السؤال هل القصة التي نرويها لأنفسنا عن حرب لبنان ونتائجها لا
تزال قائمة في آب 2010».
وبعد أن يعدد الكاتبان تطورات تشير إلى تصعيد يشددان على أن «التطورات لا تشير، في هذه اللحظة، على نحو واضح الى تصعيد اكثر اتساعاً... ولا يزال من الصعب التأكيد
بأن كل اللاعبين في الساحة سيتصرفون بشكل عقلاني. كان هذا هو الامين العام لحزب الله حسن نصرالله الذي اعترف، في لحظة نادرة من الصراحة في نهاية الحرب الأخيرة،
بأنه لو كان يعرف بأن هناك واحداً في المئة احتمال بان ترد اسرائيل بمثل هذه الحدة على اختطاف جنديي الاحتياط على الحدود، ما كان ليصادق على العملية».
ويخلص الكاتبان في «هآرتس» إلى أن جنرالات في الجيش الإسرائيلي يطرحون التشخيص التالي: حرب لبنان كانت فشلاً تكتيكياً أدى الى نجاح استراتيجي؛ حملة «رصاص مصبوب»
كانت نجاحاً تكتيكياً نهايته فشل استراتيجي. وهم يلمحون أساساً بآثار تقرير غولدستون. فاستخدام القوة الواسعة من الجيش الاسرائيلي، في قلب سكان مدنيين، أثار
انتقاداً دولياً شديداً من شأنه أن يقيد ايدي الجيش في المواجهة المقبلة.
ويشير الكاتبان إلى أن مسألة الردع تقع في صلب الموضوع في الجبهتين. ذاك المفهوم العسير على التعريف، والذي ليس له تاريخ نفاد المفعول. وفي هذه الأثناء يمكن
الحديث عن تآكل الردع. قرار 1701 لمجلس الامن الذي قرر الوضع بعد الحرب، يتضعضع. قسم مركزي فيه، منع تهريب السلاح لحزب الله عبر الحدود السورية، لم يتحقق أبداً.
غير أن كبير المعلقين في «يديعوت أحرنوت»، ناحوم بارنيع كتب أن قائد المنطقة الشمالية الجنرال غادي آيزنكوزت قال لجنود المقدم دوف هراري الذي لقي مصرعه في الاشتباك،
إن عليهم إتمام مهمة قطع الأشجار قبل المشاركة في جنازة قائدهم وإنه لهذا السبب رفض طلب القوات الدولية بتأجيل تنفيذ المهمة «اذ اعتقد أن اللبنانيين سيفسرون
كل تأجيل لها كضعف، والجيش الإسرائيلي له الحرية في العمل داخل الأراضي السيادية لدولة اسرائيل».
ويكشف بارنيع أن آيزنكوزت قرر في أعقاب الاشتباك أن يجبي من الجيش اللبناني ثمناً باهظاً من دون المساس بالمدنيين أو جر الطرفين إلى حرب. فأطلق مروحياته وقذائف
مدفعيته على عدد من المواقع العسكرية اللبنانية «وكانت النتيجة مخيّبة لآمال الجنرال. وكان هو توقع عدداً من القتلى يوضح للبنان أن لمثل هذه الأحداث ثمناً».
وكتب بارنيع أن رئيس الاركان الإسرائيلي غابي اشكنازي، توجه الى الشمال بعد ساعات من الحادثة. ولخص المواجهة بنوع من التأوه. فقد قال «إنهم، الجيش اللبناني،
كان يفترض أن يكونوا الشباب الطيبين».
قبل اربع سنوات رأت اسرائيل في نزول الجيش اللبناني الى الجنوب أحد الانجازات الكبرى للحرب. الجيش، مع تقاليد مهنية طويلة السنين ونفوذ مسيحي ودرزي، كان يمكنه
ان يفصل بين حزب الله وإسرائيل. ثلاثة – أربعة ألوية من الجيش اللبناني انتشرت جنوبي الليطاني. هذه قوة كبيرة، تنضم الى 13 الف جندي من قوة الأمم المتحدة.
غير ان لبنان تغير، والجيش تغير معه. السياقات الديموغرافية عززت الشيعة جداً. نزع سلاح المليشيات ترك المسيحيين، الدروز والسنة بلا قوة عسكرية خاصة بهم. وبقيت
فقط طائفة واحدة مسلحة – الشيعة. كما حلت ايضا الالوية الطائفية في الجيش. نسبة الشيعة في الجيش، حتى في مستويات القيادة، أخذت في الازدياد. الكثيرون منهم مؤيدون
لحزب الله. في جيش لبنان يعترفون صراحة بأن وحدات الاستخبارات تنقل معلومات لحزب الله. لم نكن نصــلّي من أجل هذا الطفل.
يشدد تسفي بارئيل مراسل الشؤون العربية في «هآرتس» على أن الاشتباك بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني يندرج في إطار ما يسمى بـ«سوء الفهم» الذي قد يدفع لنشوب
حرب. واعتبر أنه لحسن الحظ فإن لبنان يعيش اليوم معركة سياسية حساسة وهشة جداً يحاول كل طرف فيها التوازن مع نظيره ومنع انحلال المنظومة السلطوية، والجميع معاً
أيضاً يجتهدون لصد النار الزائدة التي من شأنها ان تحدث حرباً. ولكن المساعي لتوازن القوى في لبنان ولدت هذه المرة خطأ جسيماً. جيش لبنان «أخذ المسؤولية» وبادر
بما وصف كتطبيق للسيادة اللبنانية على أراضيه، ضمن أمور أخرى رداً على اتهامات حزب الله بأن الجيش اللبناني لا يفعل ما يكفي للدفاع عن الدولة.
هذا الاشتباك جاء في زمن حساس على نحو خاص: لبنان يعيش جملة من التوترات السياسية المهددة التي يفرضها النبأ بأن رجال حزب الله ستتهمهم المحكمة الدولية باغتيال
رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. وكالمعتاد، ليست هذه مشكلة لبنانية فقط. تشارك فيها سوريا، السعودية، ايران، قطر، تركيا والولايات المتحدة ومن شأنها ان تكون
لها آثار على اسرائيل ايضاً.
السفير
No comments:
Post a Comment