Friday, March 18, 2011

تبادل التحيات بين «السيد» والبطريرك الجديد لا يبدّد التباينات

«حزب الله» والراعي: ورشة حوارية قريبة بعيداً عن الإعلام
29 تشرين الثاني 2004 تاريخ يشهد على واحدة من جلسات الحوار النادرة بين «حزب الله» والبطريرك نصرالله صفير في بكركي. حصل ذلك في زمن القرار 1559. حرصت القيادة
الحزبية يومها على وضع سيد الصرح في صورة تداعيات القرار وخطورته على الوضع اللبناني على قاعدة أن ما يعتبره فريق مكسباً له هو خسارة لجميع اللبنانيين. بعدها
خرج النائب محمد رعد وعضو المكتب السياسي في «حزب الله» الشيخ غالب ابو زينب مرتاحين الى ارساء اتفاق «جنتلمان» مع رأس الكنيسة المارونية قوامه «لا مكان للأصوات
المتطرفة في الداخل وضرورة إعطاء الفرصة للخطابات العاقلة والحوار البنّاء».
كان ذلك صفحة من صفحات المدّ والجزر في العلاقة مع سيد الصرح، ونسخة من مشروع حوار والتقاء لم يكتب له الاستمرار بفعل «حرب» بكركي على السلاح . فما حدث بعد
ذلك لم يكن للاعتدال مكان فيه. بتعبير أدق اختار البطريرك «الموقف المسبق» وسيلة حوار «عن بُعد» مع الضاحية. حلّت القطيعة. لا بكركي خفّضت السقف ولا الضاحية
تراجعت عن مسلّماتها. وبتأكيد قيادي في الحزب فإن «تعبئة البطريرك صفير ضد المقاومة عشية انتخابات 2009 النيابية كانت النقطة التي جعلت وعاء الاحتقان يفيض».

لم يتعب ابو زينب، مسؤول الملف المسيحي في «حزب الله» من محاولة الإبقاء على قنوات الحد الأدنى مع بكركي الحاملة على المقاومة وسلاحها. لكن السجال الذي نشأ
في الإعلام بين الحزب وصفير خلال وجود الأخير في باريس في حزيران 2010 دفع الحزب الى رسم خط فاصل حاسم ونهائي في مسار علاقة متوترة شهدت جولات من تقارب الحد
الادنى، وتباعد بقوة وجود السلاح، «العلاقة مع بكركي وضعت جانباً وهي الآن ليست تحت الضوء». فـ «غبطته» كان لا يزال آنذاك يحمل على «الحالة الشاذة» التي يمثلها
سلاح «حزب الله» في المعادلة اللبنانية. واقع دفع بعض قيادات المقاومة الى رفع سقف الرد عالياً، لأول وآخر مرة، رافضين الإساءة «والتمويه والتحريض».
وضعت الضاحية نقطة في آخر سطر العلاقة. وقررت بعد ذلك التزام الصمت البنّاء، الى لحظة أخذ الصورة التذكارية الأخيرة مع صفير. في كواليس الحزب، كما في غرف حلفائه
المسيحيين، من كان يقول الأمور كما هي «من الافضل انتظار الخلف». لم يخطئ هؤلاء في تقديراتهم. اكتفى العماد ميشال عون بعقد «جلسة روحانية» مع صفير والمطارنة
في بكركي، والنائب سليمان فرنجية بالجلوس على مائدة الغداء في الديمان قبل اشهر من تقديم البطريرك استقالته الى الفاتيكان. اما «حزب الله» فوضع ملف بكركي في
الجارور بانتظار البطريرك الجديد.
هكذا أتت زيارة وفد حزب الله الى بكركي لتهنئة البطريرك بشارة بطرس الراعي لينهي انقطاع حبل الاتصال مع مرحلة ويدشن لأخرى. الوفد الذي حمل تهنئة الامين العام
السيد حسن نصرالله الى البطريرك المنتخب انسجم في أدائه مع موجة المهنئين من حلفائه الذين سارعوا الى اخذ خيار المطارنة بصدورهم. الضاحية لم تشذّ عن القاعدة،
وان كان القادمون في الموكب المموّه قد أجروا سلفاً مراجعة سريعة لسجلّ البطريرك الراعي في النظرة الى المقاومة والتي تتقاطع عناوينها بشكل كبير مع «نَفس» سيد
الصرح السابق. هكذا فإن التحاق قياديي الحزب بصفوف المهنئين في بكركي لا تلغي براغماتية الضاحية في النظرة الى الخلفية السياسية لـ«غبطته»، مع قرار بفتح باب
الحوار واسعاً.
فالبطريرك المنتخَب هو من كان يسأل: «هل تتلاءم مواقف «حزب الله» عندما يتحدث عن الولايات المتحدة واوروبا مع سياسة لبنان الخارجية وهل يريد «حزب الله» ان يحل
محل الدولة ويتخذ قرار السلم والحرب؟». وهو من يذكّر «بان الوثيقة السياسية للحزب تشير الى مقاومته وتتناسى المقاومة اللبنانية بين 1975 و1990 التي حمت لبنان
ولو لم تكن موجودة يومها لما كنا هنا اليوم». وهو صاحب مقولة «على الدولة اللبنانية أن تنهي موضوع الاستراتيجية الدفاعية و«إلا كل واحد رح يفتح على حسابه».

بالمقابل، لم يخف الراعي يوماً خوفه من «وجود السلاح بيد فئة من الناس»، داعياً الى «عدم الاستقواء به. وحتى لو لم يستعمل هذا السلاح فإن حامله مخيف ويجعله
في الموقع الاقوى من الجانب الآخر الأعزل». اما قاعدة الراعي الذهبية حيال معضلة السلاح فواضحة تماماً «يجب ان يكون خاضعاً لقرار الحكومة».
يوم امس كسر البطريرك الجديد «بروتوكول» التهنئة في بكركي. أصرّ على الاختلاء مع الآتين من الضاحية. نقل الوفد الى الراعي تهاني السيد الحارة بانتخابه وحمّله
البطريرك «تحياته» الى السيّد والقيادة في «حزب الله»، مع دعوة لحضور حفل التنصيب. لم يكن للسياسة مكان في جلسة التعارف. أبدى وفد «حزب الله» كل الايجابية الممكنة،
كما يقول غالب ابو زينب، «لإنجاح علاقة نتطلع فيها الى المستقبل متجاوزين كل سلبيات الماضي، ومنطلقين من الشعار الذي اطلقه البطريرك الراعي تحت عنوان «الشركة
والمحبة» للتأسيس لعلاقة ثابتة ومستقرة».
في قاموس الحزب اعادة ترميم العلاقة يفترض استعادة جلسات الحوار والنقاش من دون انتظار «معجزة» تطابق المواقف، بل الارتقاء بالعلاقة من السلبية الى الايجابية
على قاعدة التفهّم المتبادل، خصوصاً انه يعفي الراعي من أثقال علاقة سابقة مع بكركي ليس مسؤولاً عنها. النقاش البنّاء والانفتاح هما اذا المفتاح السحري وقاعدة
الانطلاق لإعادة مد الجسور بين الضاحية وبكركي، وهذا سيفترض في المدى القريب تفعيل جلسات «اللجنة الثنائية»، وعقد اجتماعات، بعضها مع البطريرك الجديد، تفيد
المعلومات بأنها على الأرجح قد تبقى بعيدة عن الإعلام لتأمين مقومات نجاحها وابعادها عن دائرة الاستهداف.
ويرى ابو زينب «ان زيارة التهنئة قد ادت الى وصل ما انقطع نتيجة احتقانات المرحلة الماضية، وقد وضعت عملياً الاسس لخارطة طريق لمسار نريده نقطة تقاطع لتفاهمات
مشتركة تنتج عن ورشة الحوار التي ستستأنف لاحقاً، ونحن نعوّل على البطريرك الراعي للمضي بهذه العلاقة قدماً». وبالإيجابية نفسها قابل البطريرك المنتخب زائريه
متحدثاً امامهم عن «ضرورة استكمال الحوار وترتيبه»، مع العلم ان لغة التواصل لم تنقطع يوماً بين الحزب وبكركي عبر المطران سمير مظلوم.
من الآن وصاعداً لن تكون زيارة وفد من «حزب الله» الى بكركي حدثاً فوق العادة... الطرفان على ما يبدو قرّرا قلب الصفحة وفتح صفحة جديدة.
السفير

No comments:

Post a Comment