Monday, March 21, 2011

القوّات تُشغل بنفسها: التصالح مع الآخر؟

35 % من القواتيين عليهم التأقلم مع الصورة الجديدة التي تحاول معراب الوصول إليها (هيثم الموسوي)
يعقد القواتيّون في 15 و16 نيسان المقبل خلوة تنظيمية في معراب لبتّ شكل النظام الدخلي للحزب ومضمونه. أبرز ما شغل بال القواتيين اليوم هو حسم الخيار بين إبقاء الصيغة المسيحية لمعراب أو فتحها أمام جميع اللبنانيين
نادر فوز
في عام 2011، قد يكون مضحكاً الحديث عن «الانعزال». لكنّ قهقهة البعض عند الإشارة إلى هذه العبارة لا تمنع ولا تنفي الفكرة. كذلك فإنّ تغنّي فريقي 8 و14 آذار بالتنوّع الطائفي لتحالفاتهما لا يلغي حقيقة أن المنطق الانعزالي موجود، ولو بأشكال مختلفة، عند كل تقاطع وفي كل زاروب. الحالة الانعزالية لا تزال موجودة بقوّة لدى شباب القوات اللبنانية، وبالطبع ليس فيهم حصراً. مثلاً، أحد المسؤولين الشباب في القوات يعبّر بفصاحة فائقة عن عجزه عن الاختلاط بـ«الآخر»، وعن عدم ركوبه الباص أو السرفيس كي لا يضطر إلى أن يكون في مكان واحد مع الآخر، بغض النظر عن انتمائه، سواء أكان حليفاً أم صديقاً أم خصماً في السياسة.
يضطرب الشاب و«يبقّ البحصة» مع استمراره بعرضه لحياته اليومية وهواجسه: «نريد التقسيم، ومستعدّ لحمل السلاح وتكرار تجربة من سبقني». بالطبع، هذه الحالة الفردية لا تسمح بإطلاق الحكم على شباب القوات اللبنانية والمسؤولين فيها. لكن سرعان ما تنضمّ مجموعة من الشبان والشابات إلى النقاش، ليعبّر كلّ بحسب معرفته عن الهواجس، والنتيجة نفسها: تقسيم وسلاح.
هذه الأفكار موجودة ومسيطرة على فئة شبابية، ويمكن فهم انتشارها لأسباب عديدة أهمها كون هذا الجيل من المتحزّبين، وهو يخزّن في عقله موروثاً ثقافياً زُرع فيه منذ ولادته، وكون مشاهد الميليشيات في الحرب الأهلية تروق البعض، وكونهم لا يزالون عالقين بين سنوات 1975 و1990، إضافة إلى وقوع هؤلاء الشباب ـــــ وبالتأكيد غيرهم من شباب الأحزاب الأخرى على مختلف توجّهاتها ـــــ ضحية الحملات الإعلانية والإعلامية والخطاب الحاد الذي ترفعه قياداتهم.
هذه الأسباب كلها تسهم في فهم فكرة الانعزال. لكن ما لا يمكن فهمه هو كيف يمكن شباباً جامعيين ومتعلّمين أن يحملوا خطاب «الآخر» ويدورون به في المجتمع وفي كليات جامعاتهم، من دون أن يكون لقيادة القوات أيّ ردّ فعل على هذا الأمر. جرأة ـــــ وقاحة حاملي عنوان «الآخر» تبلغ ذروتها: مستعدون لمغادرة القوات إذا لم تعد حزباً للمسيحيين فقط!
الموقف الأخير يفتح الأبواب أمام الكثير من الأسئلة، وخصوصاً أن معراب مشغولة في إعداد النظام الداخلي لحزب القوات، والذي سيؤكد أن أيّ مواطن لبناني يلتزم الأفكار القواتية ومواقفها ونظامها الداخلي ويستوفي شروطه، مرحّب به في القوات.
المسؤولون في معراب يعترفون بواقع وجود حالات مماثلة في القوات، ويؤكدون حقيقة أن 65 في المئة من القواتيين تجاوزوا حالة الحرب الأهلية. ثمة إذاً 35 في المئة من القواتيين عليهم التأقلم مع الصورة الجديدة التي تحاول معراب الوصول إليها.
وما يمكن قوله عن قيادة القوات اللبنانية هو أنها تتعامل بحذر شديد مع فكرة الانفتاح التنظيمي على الطوائف، إذ وضعت معادلة واضحة في هذا الشأن: انتساب غير المسيحيين إلى القوات أمر ضروري، لكن في الوقت نفسه يجب التعاطي مع عاطفة هذا الجمهور غير المسيحي بكل مسؤولية واحترام. وينقل أحد قياديي القوات عن رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، سمير جعجع الموقف الآتي: «إذا اعتبرتم رفع صورتي في بعلبك بطولة، فأنا أعتبره إثارة للفتنة. تخيّلوا أن تُرفع صورة للسيد حسن نصر الله في بشرّي».
يردّد جعجع هذه المعادلة أمام الكثير من الأنصار والمتحزّبين، ويضيف إليها أحياناً عبارة أخرى: «يجب التفكير بروية. ما نفع أن نفوز بكل شيء ونخسر أنفسنا؟». ليس وحده سيّد معراب في حيرة من حسم الخيار بين المحافظة على الثوابت المسيحية التي تجمع الجمهور القواتي حوله، وأخذ قرار الانفتاح والدخول جديّاً في اللعبة السياسية على المستوى «الوطني» العابر للطوائف وحالاتها الانعزالية.
جعجع وغيره من القياديين القواتيين يعلمون جيداً أنّ في إمكانهم اليوم فتح مراكز للقوات في كل مناطق لبنان، وخصوصاً في الشمال، لكنهم يدركون تماماً أهمية عدم استغلال هذا الظرف السياسي لرفع أرقام المنتسبين. فهم يطرحون على أنفسهم الكثير من الأسئلة، منها: «هل ستبقى أعداد أصحاب طلبات الانتساب من الطوائف الأخرى هي نفسها إذا تبدّلت مواقف بعض الزعماء؟». ويجيبون: «بالتأكيد، سيبقى جزء منهم، لكنّ قسماً آخر سيتراجع عن طلبه، إما لكون زعيم طائفته عاد إلى الموقع السياسي الصح، وإما لكون الزعيم نفسه قد تراجع جذرياً».
هذه الأسئلة التي يطرحها القواتيّون على أنفسهم في نقاشاتهم الداخلية تشير إلى أن شعبيّة القوات اليوم قائمة على أمر أساسي، وهو كون معراب هي «الأصدق» و«الأوضح» في التعبير عن مواقف جمهور 14 آذار بمختلف انتماءاته الحزبية.
هذه الخلاصة وغيرها تجعل مناقشة النظام الداخلي القواتي أصعب، مع العلم بأن جعجع دعا تكراراً في مكتبه إلى «الاستفادة من مرحلة تصريف الأعمال لتحصين الوضع الداخلي». لكنّ الوقت لا يلعب لمصلحة القواتيين، إذ إنهم حدّدوا في 15 و16 نيسان المقبل موعداً لخلوة تنظيمية تُبتُّ فيها تعديلات الدستور القواتي. في هذه الخلوة التي ستضمّ نحو خمسين قواتياً في معراب، سيُبتّ كل شيء، حيث قدّم أكثر من 1700 قواتي أكثر من 7000 سؤال وملاحظة، عملت لجنة صياغة النظام الداخلي على جمعها وفرزها.
سيجاب عن هذه الأسئلة وتوضّح في اليومين التنظيميين. وبالطبع، أولى الملاحظات ستكون على إعلان القوات حزباً عابراً للطوائف. ورغم كون الموقف الرسمي لم يُحسم بعد، إلا أنّ الانتساب إلى تنظيم معراب بات واضحاً بالنسبة إلى القيادة القواتية: تزكية الطلب من قبل منتسبين اثنين إلى القوات، ثم موافقة لجنة الانتساب، ومن بعدها بعض «الدروس» في التنظيم ومحاضرات في السياسية، وأخيراً تسليم البطاقات وإمكان الجلوس مع رئيس الهيئة التنفيذية في القوات في مكتب واحد للاستماع إليه ومشاركته في آرائه.
أمام المؤتمر التأسيسي للقوات اللبنانية أشهر طويلة: ثلاثة أسابيع لعقد الخلوة، ثلاثة أشهر لفتح الأبواب أمام طلبات الانتساب، ثلاثة أشهر أخرى لمناقشتها وبتّها، شهران أو أكثر لإطلاق الانتخابات الداخلية، بحملاتها واجتماعاتها ونقاشاتها، ليكون في مطلع 2012 تنظيم قواتيّ جديد يمكن بدء الحكم عليه في 16 نيسان المقبل.
العدد ١٣٦٨ الاثنين ٢١ آذار ٢٠١١
سياسة
الخبار

No comments:

Post a Comment