"فرانس برس" عن البطريرك الجديد:
"يتميز المطران بشارة يوسف الراعي الذي انتخب الثلاثاء بطريركا على الكنيسة المارونية في انطاكية وسائر المشرق، بجراة مواقفه وبرغبته في اضفاء طابع الحداثة والمؤسسات
على الكنيسة.
ويخلف الراعي في منصبه هذا نصرالله صفير (90 عاما) الذي اعلن الفاتيكان في 27 شباط/فبراير قبول استقالته بعد 25 عاما امضاها على راس الكنيسة المارونية وادى خلالها
دورا بارزا في الحياة السياسية اللبنانية.
والراعي (71 عاما) هو البطريرك السابع والسبعون للموارنة الموجودين في لبنان منذ اكثر من 1500 سنة والمنتشرين ايضا على شكل اقليات في سوريا وفلسطين وقبرص ودول
اخرى.
وهي المرة الاولى في تاريخ الموارنة الحديث يتم فيها انتخاب راهب في منصب بطريرك، اذ ان الراعي ينتمي الى الرهبانية اللبنانية المريمية.
يتحدر البطريرك الجديد الذي سيم كاهنا في 1967 واسقفا في 1986، من بلدة حملايا في المتن الشمالي (وسط) على بعد حوالى 27 كلم من بيروت.
وهو اسقف منذ 21 عاما على ابرشية جبيل (شمال بيروت) المارونية. ويعرفه المسيحيون جيدا من خلال برنامج تلفزيوني يقدمه اسبوعيا حول التعليم المسيحي، عبر تلفزيون
"تيلي لوميار" او قناة "نورسات" الفضائية، وغالبا ما يعلن فيه مواقف سياسية يدافع فيها بحدة عن حقوق المسيحيين في لبنان.
ويعرف عن البطريرك الجديد المجاز في الفلسفة واللاهوت والحامل دكتوراه في الحقوق، "انفتاحه ونقاشاته التي تتسم بالموضوعية والشفافية خصوصا في الشق السياسي"،
بحسب ما يؤكد مقربون منه.
ويشتهر الراعي بجرأة مواقفه الوطنية وسعيه الى اضفاء طابع الحداثة والمؤسسات على الكنيسة المارونية، وهي مسائل يعبر عنها في اطلالاته الاعلامية.
وقد شجع ورعى العديد من المشاريع الخيرية والكنسية والشبابية في ابرشيته.
وقال المونسنيور بولس نصرالله من مطرانية جبيل ان الراعي "شخص مؤهل جدا على الصعيد الديني ويعتبر من اعمدة الكنيسة المارونية".
وشدد على انه "منفتح ذهنيا على الجميع ويكن احتراما لكل مكونات المجتمع ومن مختلف المستويات والانتماءات".
ويترقب اللبنانيون عموما والمسيحيون خصوصا المواقف التي قد يدلي بها الراعي حيال المسائل السياسية التي ينقسم حولها اللبنانيون والمسيحيون، مثل العلاقة مع الجارة
القوية سوريا والنظرة الى سلاح حزب الله الشيعي.
وفي مداخلة اذاعية في شباط/فبراير، قال الراعي ان "ما يجري في لبنان اليوم هو صراع سني شيعي يدور حول من سيحكم ويبرز الوجه السياسي في لبنان".
وعن سلاح حزب الله، قال "هذا السلاح العظيم الذي له عمل مهم وقوة وثورة هائلة للبنان، لماذا لا يكون ضمن سياق استرتيجية دفاعية" وطنية؟، مضيفا "يخيفني ان يبقى
هذا السلاح خارج الاستراتيجية الدفاعية".
وانتقد الراعي اخيرا وضع السياسة اللبنانية في اطار "قطعة من الجبنة يتقاسمها الافرقاء"، متمنيا ان تكون الحكومة الجديدة التي كلف نجيب ميقاتي تشكيلها في لبنان
"مؤلفة من تكنوقراط حياديين غير تابعين لاي من الاطراف".
والى جانب حضوره الكاريسماتي والقوي على الساحة المارونية في لبنان، يتمتع الراعي وهو رئيس اللجنة الاسقفية للاعلام الكاثوليكي في لبنان، بعلاقات جدية مع الفاتيكان.
وقد عينه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني في مناصب عدة بينها منسق سينودس الاساقفة الخاص بلبنان، وعضوا في المجلس البابوي "قلب واحد"، وعضوا في المجلس البابوي
لراعوية المهاجرين والمهجرين والسياح واللاجئين.
كما عينه البابا الحالي بنديكتوس السادس عشر عضوا في المجلس الحبري لوسائل الاتصالات الاجتماعية.
وللبطريرك الجديد سجل عمل طويل في القطاع التربوي. فقد اسس وتولى ادارة "مركز اللويزة للتعليم العالي" التابع لجامعة سيدة اللويزة. كما انه استاذ محاضر في اللاهوت
الراعوي وسر الزواج ومادة الحق القانوني.
وله مؤلفات دينية عدة تتناول الحياة الاسرية المسيحية في شكل خاص."
وفي مقال نشره، في صحيفة "الجمهورية" في عدده الصادر قبل يوم على انتخابه بطريركا، ورد الآتي:
"إنّ كلمة الله التي تنير دروب الإنسان والجماعات في مسيرة التاريخ، تدعونا إلى قراءة علامات الأزمنة، فنعطي معنى للأحداث، ونتّخذ العِبَر ونصحّح المسلك. اليابان
منكوبة بثلاث كوارث. كارثة الزلزال الذي بلغت قوته 8,9 درجات، وهو السابع في التاريخ والأقوى في البلاد منذ 1200 سنة. وقد دمّر المنازل على ساكنيها، وصدّع الطرقات
وشقّقها، وقتل السكّان الآمنين وجرحهم وهجّرهم. وكارثة تسونامي الأمواج العاتية التي أطلقها الزلزال، وبلغ ارتفاعها عشرة أمتار، وقد قذفت المياه بالسفن والسيّارات
والمنازل والقطارات والطائرات والجسور والأشجار، وأغرقت مَن أغرقت من الناس، كبارا وصغارا، وابتلعت كل ما صادفت. وكارثة أكثر من 80 حريقا وانفجار مفاعل نووي
التي تسبّب بها التسونامي، وقد أتت على ما لم يدمّره الزلزال ولم تغرقه المياه. القتلى بالآلاف، والجرحى لا يحصون، والمهجّرون من دون بيوت بالملايين. كلّنا
مدعوون إلى التضامن الروحي والمادّي مع أهل اليابان، دولا ومؤسسات وجماعات وأشخاصا، وقد هبّوا كلّهم للنجدة والمساعدة من كل نوع. لكنّ الله يتكلم بالزلازل العنيفة
والرعود المصدّعة (رؤيا 5:8، 13:11)، وبالطوفان الذي يمحو كل حيّ على وجه الأرض (تكوين 23:7). إنه يدعو إلى التوبة عن الخطايا والشرور، ولتمجيد الله الحي إلى
الدهور، واعتبار هباء الحياة وبقاء رحمة الله، كما نصلّي في المزمور 103: "كرحمة الأب على بنيه يرحم الربّ أتقياءه. الإنسان كالعشب أيّامه، وكزهر الحقل يزهر.
تعبر ريح فلا يكون، ولا يُعرف موضعه من بعد. أمّا رحمة الربّ فمن الأزل وإلى الأبد على خائفيه". بلدان العالم العربي في معظمها تشهد تظاهرات شعبية واحتجاجات
متواصلة وعنيفة، عصيّة على مواجهات السلطات المحلّية بالعنف والقصف والضرب. وهؤلاء الشعوب يطالبون بالعدالة الاجتماعية ووضع حدّ للظلم، وبحقوق الإنسان الأساسية
التي تحفظ لهم كرامتهم الإنسانية، وتمكّنهم من تحقيق ذواتهم وأخذ مواقعهم في بناء تاريخ البشر. إنّ كلمة الله تؤكد القيمة الثمينة لجهود الإنسان والشعوب الرامية
إلى جعل العالم أكثر عدالة وإمكانية للعيش فيه بسلام واستقرار. كما تدعو الكلمة الإلهية كل الملتزمين بالحياة السياسية والاجتماعية، إلى الاستنارة منها في عملهم
وسعيهم في العالم إلى توفير الخير الحقيقي للجميع، مع احترام كرامة جميع الأشخاص وتعزيزها (البابا بنديكتوس السادس عشر: الإرشاد الرسولي "كلمة الله"، عدد 100).
في لبنان، أزمة تأليف الحكومة متواصلة وشدّ الحبال بين 14 آذار و8 آذار، وبين السنّة والشيعة متفاقم. أما النتيجة فمزيد من الشلل والتعطيل والبغض والأحقاد.
وفي المقابل سعي لبناني ودولي رسمي، تابع لمطلب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، إلى جعل لبنان مركزا عالميا لحوار الحضارات، من جهة، وسعي من "دعاة إسقاط
النظام الطائفي" في لبنان إلى الفصل بين السياسة والدين، وبين الدين والدولة، فلا تكون هناك دول دينية، تحكم وتتحكّم باسم الدين، من جهة أخرى. لقد دعا السيّد
المسيح إلى هذا الفصل عندما قال: "أعطوا ما لقيصر لقيصر (الدولة)، وما لله لله" (مرقس 17:12). من شأن كلمة الله أن تلهم كل مسؤول وتغنيه بالقيَم الروحية والخلقية
لكي يحقّق العدالة والسلام، ويعمل على تغيير الواقع إلى ما هو أفضل، بانقلاب المقاييس في الحكم وخطوط التفكير ونقاط المصالح ومصادر الاستيحاء وأنماط الحياة
المنافية لكلمة الله والتصميم الإلهي للخلاص (كلمة الله، عدد 100). وهذه الثلوج التي تكلل ببياضها جبال لبنان، وتكشف جبينه الطبيعي الناصع، هي كلمة من كلمات
الله التي تدعونا إلى بياض القلوب ونقاء النيات وجمال النفوس."
No comments:
Post a Comment