Saturday, March 19, 2011

عبور
نحن وأنظمة القرون الوسطى

المسيحيّون العرب يتوقون جميعاً إلى غد مشرق، يرون فيه أوطانهم وقد تحرّرت من نير الأنظمة الشموليّة والديكتاتوريّة والطائفيّة على السواء. هم يطمحون إلى يوم ينعمون فيه بالحرّيّة وباحترام حقوقهم الأساسيّة بالمواطنة والمساواة التامّة مع شركائهم من المسلمين. فمع سيادة ثقافة الحرّيّة والديموقراطيّة والعولمة وثورة الاتّصالات، بات من المشين أن نواكب، نحن العرب، هذا العالم ما بعد الحديث بأنظمة لا تليق إلاّ بأبناء القرون الوسطى أو بالمتخلّفين حضاريًّا وعلميًّا، ودينيًّا أيضًا.
عاش المسيحيّون العرب في ظلّ الدولة الإسلاميّة تحت نظام "أهل الذمّة" ثلاثة عشر قرنًا. وقد شهدت العلاقات ما بين هذه الدولة والمسيحيّين مدًّا وجزرًا، أيّامًا طيّبة وأيّامًا سيّئة. غير أنّهم ثبتوا في هذه البلاد، وبقيت الرغبة لدى الحكّام بالإبقاء على الوجود المسيحيّ احترامًا لأمر القرآن ونبيّ المسلمين بالمودّة مع المسيحيّين، مع فرض الجزية والانتقاص من بعض الحقوق. لكن لا بدّ من الإقرار بأنّنا لا نستطيع الحكم على نظام أهل الذمّة بمقاييس زماننا، وإلاّ عُدّ ذلك خارج السياق المعرفيّ. وبالمقارنة مع الأنظمة التي كانت سائدة آنذاك، يمكننا استخراج بعض الإيجابيّات من نظام أهل الذمّة، ويأتي في رأسها بقاء المسيحيّين في البلاد الإسلاميّة كتلاً وازنة وفاعلة.
حمل المسيحيّون لواء التحرّر العربيّ منذ القرن التاسع عشر، وأسهموا فكريًّا وعلميًّا وتربويًّا وبالعمل المباشر في السعي إلى تحرير الإنسان العربيّ. كانوا حاضرين في كلّ الثورات العربيّة ضدّ الاستعمار أو الانتداب الغربيّ وضدّ الاحتلالات الإسرائيليّة والأميركيّة، في مصر وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين وسواها. كما أسّس المسيحيّون الأحزاب العلمانيّة من اشتراكيّة وشيوعيّة وقوميّة، لأنّهم آمنوا بأنّ إبعاد الشأن الدينيّ أو الطائفيّ عن الشأن السياسيّ ينفي كلّيًّا الفتن الداخليّة والانقسامات المؤدّية إلى الحروب ما بين الإخوة في الوطن الواحد.
إسهام المسيحيّين في تحرير الإنسان العربيّ لم تكن غايته سوى إنشاء دولة مدنيّة عصريّة، يحيا فيها كلّ مواطنيها بمساواة تامّة في الحقوق والواجبات. هم قطعًا لا يرغبون برؤية نظام دينيّ يجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية يحلّ في مكان دولة ديكتاتوريّة تحرمهم من الحرّيّة. كلا النظامين يحرمهم من أهمّ ما يمكن أن يثوروا لأجله، أي حرّيّتهم التي من دونها لا يبقى الإنسان إنسانًا. وهم، في مصر حيث كانوا في طليعة الثائرين ضدّ الحكم السابق، لم يثوروا في سبيل أن يأتيهم نظام يميّز في الحقوق بينهم وبين المسلمين. هم لا يرغبون بالعيش في ظلّ نظام تمييزيّ يعيدهم قرونًا إلى الوراء.
أمّا من تبقّى من مسيحيّين في فلسطين فهم يأملون بدم رؤية نظام إسلاميّ يحكمهم بعد زوال الاحتلال الإسرائيليّ. وهم يتساءلون عن معنى أن ينتقلوا من ظلّ نظام عنصريّ يفتك بهم إلى ظلّ نظام يتعامل معهم كرعايا من الدرجة الثانية! وفي العراق، حيث يحكى عن فرز مناطقيّ على أساس طائفيّ ومذهبيّ، يتساءل المسيحيّون الذين هاجر منهم أكثر من ثلثيهم حتى الآن، يتساءلون بحسرة ومرارة كبرى لماذا لم يكن ثمّة سوى خيار واحد بعد انهيار النظام السابق، هو خيار التقاتل المذهبيّ؟ لماذا ليس ثمّة خيارات متعدّدة؟ لماذا خيار المواطنة السليمة ليس بين هذه الخيارات؟
إذا كان نظام "أهل الذمّة"، أو ما يشبهه من أنظمة، إلى قرن مضى، نظامًا صالحًا، فهو في أيّامنا غير صالح. ولا بدّ من الإقرار بأنّ الناس عبر الوسائل الديموقراطيّة وآليّاتها - وليس الثقافة الديموقراطيّة الحقّ - قد يختارون النظام الدينيّ أو النظام الطائفيّ، وحتّى النظام الفاشيّ. فلبنان في هذا السياق مثال ساطع، والديموقراطيّة سائدة فيه، ومع ذلك يشهد أحد أشنع الأنظمة التمييزيّة، النظام الطائفيّ الذي لا يعامل اللبنانيّين بسويّة واحدة. وهذا ما نخشاه أن يحصل في الدول التي في طور التحرّر من الأنظمة الشموليّة.
هذا الكلام ليس دعوة إلى الاستسلام للواقع الحالي، بل هو دعوة لحضّ المؤمنين بالمواطنة الكاملة على إكمال السعي في دربهم المؤدّية إلى الدولة التي لكلّ أبنائها كالأمّ الرؤوم. وذلك كي لا يبقى السؤال الحتميّ الذي لا يحتمل سوى جوابين قاتلين: أيّهما أفضل الدولة الديكتاتوريّة حيث تنعدم الحرّيّة، أم الدولة الدينيّة أو الطائفيّة حيث تنعدم الحرّيّة أيضًا!.

الأب جورج مسّوح

النهار

No comments:

Post a Comment