Wednesday, March 16, 2011

في حملايا... الفتى الكاهن صار بطريركاً
كلير شكر
حملايا، القرية المتواضعة، الرابضة في أعالي قضاء المتن الشمالي، التي أنجبت القديسة رفقا، تحتفل اليوم بـ«ابنها البطريرك». يومياتها الهادئة إلى حدّ الملل،
انقلبت رأساً على عقب. منازلها فتحت على مصراعيها، استعداداً لاستقبال زوار استثنائيين، يفنّدون مسيرة بشارة الراعي، ويقتفون أثاره في مسقط رأسه. عائلة الراعي
التي تتوزّع منازلها في عنق الضيعة، صارت مقصداً لكل طالب معلومة أو خبرية عن رأس الكنيسة الجديدة. ثمانية أخوة، ست صبيان وفتاتان، «احتلت» منازلهم الثمانية
وضاقت بقاطنيها، بفعل زحمة المهنئين والمستفسرين.
البلدة التي لا يتخطى عدد ناخبيها الـ750 ناخباً، تحتفظ لابنها البطريرك بالكثير من الذكريات. لم يهجرها مرّة. زياراته شبه دورية. لا يوفّر مناسبة إلاّ ويكون
أول حاضريها. يقوم بواجباته الاجتماعية. يترأس قداديسها كلما سنحت له الفرصة، وعظاته حاضرة دوماً في صبحيات النسوان وفي جلسات السمر الليلية. تلّة البلدة شاهد
على مشروع بناء كاتدرائية تكريماً لقديسة حملايا، يرعاه «سيدنا»، ويحلم بانجازه سريعاً.
صباح حملايا في 15 آذار، كان «بطريركياً» بامتياز، لا يشبه غيره أبداً. خبر انتخاب «سيدنا المطران»، رأساً للكنيسة، انتشر. أعادها إلى زمن تكريم رفقا، ثم تطويبها
وتقديسها. أصلاً، لم تنتظر البلدة، إلّا هذا النبأ. إيمان أهلها بمكانة «راهبها»، وبقدرته على «الصمود»، لتبوّء سدة البطريركية، كان كبيراً. يتبارون في ما بينهم،
بحثاً عن هوية أول من «تنبأ» بوصول المطران الراعي إلى رأس الهرم. يؤمنون بحاستهم السادسة الجماعية التي كانت تعطيهم الإشارة حتى أتت البشارة.
أخبار الطفل المشاغب، أصغر أخوته، والذي صار بطريركاً، يودعها الكبار لصغارهم. فيما بمقدور هؤلاء، سرد عادات مطران القرية، وأدائه المتواضع بين أبناء بلدته.
عرس واحد يلفّ حملايا، من أول مفارقها، إلى آخر أزقتها.
لحظة خروج الدخان الأبيض من بكركي، انقلب جدول أعمال حملايا. خرج شبابها إلى الطرقات، قصدوا بيوت آل الراعي بحثاً عن صور «سيدنا»، التي تمّ استنساخها لرفعها
فوق السيارات التي راحت تجوب أنحاء البلدة احتفاء بالحدث. عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، كان أهالي القرية، قد تجمّعوا أمام باحة الكنيسة التي قرعت أجراسها
فرحاً، وقد جهّزوا على عجل عدّة احتفال بسيط: الطبل، زجاجات الشامبانيا، أطباق الحلوى، زغاريد النسوة والمفرقعات...
دقائق قليلة، وتكتمل عناصر الموكب الذي ضمّ أقرباء الراعي من أبناء أشقائه وشقيقتيه وأصدقائهم، لينطلق باتجاه بكركي لتهنئة البطريرك الجديد، وسط أصوات أبواق
السيارات التي ملأت فضاء المنطقة، قبل أن تستعيد حملايا هدوءها. قلائل لم يغادروا مواقعهم، وفضلوا انتظار ساعات المساء للاحتفال سوياً بالبطريرك الجديد.
سكون قسري فرض على حملايا التي زحفت نحو أعالي كسروان، إلى مقرّ «سيدنا» الجديد، لا يخرقه سوى صوت العصافير التي استفادت من أشعة الشمس، كي تفرد جناحيها في
السماء. سكون، لا يمكن أن يشي بعجقة تشهدها منازل محددة لم يهجرها أهلها. منزل «فرحا الراعي» واحد من تلك البيوت، الذي ترك بابه مفتوحاً لكل مهنئ. شقيقة «سيدنا»
الكبيرة، فضّلت أن تتابع آخر المستجدات عبر شاشة التلفزيون، قبل أن تحصل عليها مباشرة وبالهاتف من شقيقها البطريرك.
تمسك عصاها بيدها اليسرى، وتصافح المهنئين بيدها اليمنى. فوق رأسها صورة حديثة تجمعها بشقيقها الصغير، تتباهى بها أمام زوارها. جاورت الشاشة العملاقة التي رفعت
في زاوية غرفة الجلوس. ابتسامة هادئة لا تفارق ثغرها، وذاكرة ثاقبة حاضرة دوماً للإجابة على كلّ سؤال، لا تشبه أبداً تلك التشققات التي غزت وجهها، لتثبت لناظرها
أنها تخطت الـ86 من عمرها.
بدموع الفرح تلقت السيدة «فرحا» البشارة الصباحية التي حملتها إليها «كنتها» ريتا، «وإن كنّا على يقين أنّ إحساسنا لن يخوننا. كنا ننتظر أن تكون الفرحة من نصيب
حملايا، ولم نفاجأ بالخبر»، كما تقول الأخيرة. في تلك اللحظة، استحضرت ذكرى والديها اللذين كانا يباركان «راهبهما الصغير»، ولا شك «بأنهما في تلك اللحظة مسروران
في عليائهما، لما أنجزه، وسينجزه».
الطفل الذي ولد ليلة عيد القديسين، كان «تلميذاً مجتهداً، يصرّ على التفوق على رفاقه، وأن يكون دوماً الأول في صفه، وإلّا من الأفضل أن يترك المدرسة»، كما تنقل
عنه شقيقته. يحافظ على أغراضه وكتبه، يستخدم أقلامه حتى رمقها الأخير. في سن الثانية عشرة، توجّه بشارة إلى الدير برفقة والده الذي استودعه الرهبان، متمنياً
له التوفيق.
جديّته في الدراسة والعمل انتقلا معه إلى دير اللويزة، هناك تنبأ له «الريس العام» بمستقبل باهر. كثيرة هي الروايات التي تروى عن مرحلة الدراسة الكهنوتية. احداها
تقول إنه بعد مضي أكثر من سنة على آخر زيارة قامت بها والدته وشقيقته إلى الدير، قصدتاه يوماً من دون علمه. ولمّا أخبره أحد رفاقه أن ثمة زوارا في انتظاره،
قال له بكل ثقة، إنها «طرقة الباب ذاتها التي سمعتها من أكثر من سنة».
وبينما يتولى أبناء شقيقته «فلفشة» الصور العتيقة، لاستحضارها أمام الكاميرات، ولإحياء ذكرياتها، يتحدث البعض الآخر، عن مآثر البطريرك الجديد وخصاله: هو أب
الجميع، يتابع أخبار الصغار قبل الكبار. يتذكر كلّ من صافحه مرة، أو تعرّف إليه في مناسبة. يسأل عن الجميع بالاسم. ذاكرته القوية مضرب مثل في البلدة. يوم سيامته
مطراناً زاره أحد المهنئين الذي مدحه شعراً، فذكّره الراعي بأنه هو أيضاَ من مدحه يوم سيامته كاهناً، وذلك بعد أكثر من عشرين سنة.
في منزل شقيقه الراحل مراد، أخرجت «الألبومات» القديمة من الصناديق على عجل، وفلشت صور المطران في قاعة الجلوس، حيث يقوم ابن شقيقه الياس بالبحث عن صور تليق
بالمناسبة، لرفعها في البلدة. طفلته الصغيرة تحتفل على طريقتها بالحدث، تقول إنها سمعت معلمات مدرستها يتداولن بالخبر، وقد سارعت لإخبارهن أنّ «عمها» هو المقصود
بالحديث. سيارته في الخارج حملت صورة «رسمية» يوم سيامته مطراناً، بانتظار قرار التوجه إلى بكركي.
الهاتف المركون على الطاولة، لا يتوقف عن إنذاره بتخمة مهنئين، يتسابقون لمشاركة العائلة فرحتها، فيما تصله الأنباء بالتواتر عن تحضيرات أهل البلدة لاحتفال
مسائي يوصل ليل حملايا بنهارها.
وحدها المسؤولية الكبيرة التي ألقيت على عاتق «سيدنا» هي التي تؤرق ابن شقيقه، «سيصبح من الصعب عليه زيارة القرية الأحب إلى قلبه، التي صار لزاماً عليها أن
تنتقل عن بكرة أبيها إلى بكركي، للاطمئنان عليه من فترة إلى أخرى».
بالأمس، كان أهالي البلدة يتحضرون لاحتفال اليوبيل الفضي لسيامة الراعي مطراناً، والذي سيصادف في 12 تموز المقبل. اليوم، تغيّرت المواعيد، وتبدّلت الرزنامة،
فقد صار لحملايا بطريرك...

No comments:

Post a Comment