على الحافة
ليس من طاقة نووية «سلمية»
حبيب معلوف
تطرح مشكلة انفجار المفاعلات النووية في اليابان، بعد الزلزال المدمر إشكاليات خطيرة جدا على المستوى العالمي، يفترض ان يتم مراجعتها جيدا، لا سيما في منطقتنا
العربية التي تحمست كثيرا في السنتين الأخيرتين وتسابقت للعودة الى هذه التقنية الخطرة تحت عنوان: «الاستخدام السلمي للطاقة النووية».
صحيح انه لا يزال من المبكر القيام بتقييم المخاطر والانعكاسات للكارثة النووية المرجحة للتفاقم والتفاعل، إلا ان أول إشكالية يفترض مراجعتها بعد ما حدث في
اليابان هي مفهوم «الاستخدامات السليمة للطاقة الذرية» نفسها. فهذا المصطلح بات مصطلحا تسويقيا، لا يخلو من المكر والخداع والتضليل. فمفهوم الاستخدام السلمي
بداية لا يعني السالم او السليم، بل يعني تحول تاريخي ومحاولة نكران الأصل، او التكفير عن المآسي التي تسبب بها الأصل. فالمعلوم ان الاستخدامات الأولى للطاقة
الذرية كانت حربية، أي بدواعي التدمير والسيطرة والانتصار في الحروب على الأعداء. وبما ان الدول التي استخدمت هذه التقنية قد تكلفت كثيرا على الأبحاث العلمية
والتجارب الخطرة لإنتاج هذه الطاقة الضخمة والمدمرة، ولأن الحروب الأساسية في العالم قد انتهت الى غالب ومغلوب، وقد ظهرت مفاعيل مدمرة وغير إنسانية لهذه الطاقة،
فقد تم توجيه هذه التقنية لما سمي «الاستخدامات السلمية»، وفي طليعتها إنتاج الطاقة الكهربائية... لكي لا تذهب الاكلاف الضخمة التي صرفت على تطوير هذه التقنية
هدراً!
مع العلم ان هذا الترويج «السلمي» للطاقة النووية لم يصل الى حدود تفكيك تلك الأسلحة النووية في العالم، ولا تزال صيانة القوات النووية تكلف 145 مليون دولار
يوميا في الولايات المتحدة الأميركية و18 مليونا في روسيا و12 مليونا في الصين و12 مماثلة في فرنسا و9 ملايين في الهند وخمسة في إسرائيل... بحسب إحصاءات العامين
2007 و2008 الواردة في كتاب «الأسلحة النووية: بأي ثمن» لبن كرامر.
كما أن هذا التحول الى الاستخدام السلمي للطاقة النووية لم يخلُ من مخاطر جمة. فبالإضافة إلى خطر التسرب الناجم عن الهزات والزلازل والأخطاء البشرية والتقنية،
والذي قد ينجم عن ارتفاع درجات حرارة الأرض كما هو متوقع مع ظاهرة تغير المناخ (حسب تجربة مفاعلات فرنسا في موجة حر صيف عام 2003 التي تطلبت رش ابراج التبريد
بالماء، على ندرته، وصرف ماء التبريد مباشرة في السواقي بدرجة حرارة عالية... تحاشياً لانفجارات في تلك المفاعلات)، هناك مشكلة التخلص الآمن من النفايات النووية
المشعة التي تنجم عن توليد هذه الطاقة، والتي لم يعرف لها العالم حلا نهائياً بعد.
الإشكالية الثانية التي ذكرتنا بها المشكلة النووية اليابانية، هي سرية هذه التقنية وتكتم الحكومات على تقنيات وإجراءات إنتاجها وحوادثها، والتي سرعان ما تفاجئ
شعوبها والعالم بكوارث، كان يمكن التخفيف منها حتما، لو اتصفت بالعلنية اكثر وفتحت المعلومات للشعوب لتحتاط وللدول القادرة لكي تساعد بالسرعة اللازمة. واذ تعود
هذه السرية للأصل الحربي للاستخدام، ما معنى ان تحافظ عليها الدول النووية، في وقت باتت هذه التقنية مباحة كعلم؟
كانت اليابان تخطط لإنشاء 23 محطة جديدة حتى عام 2030 ، ويبدو ان الكارثة قد ألزمتها على التفكير في تجميد هذه الخطط، كما ورد في أخبار الوكالات مؤخرا، الا
ان البلدان النووية الأخرى لم تصل بعد الى هذه الخلاصات، حسب متابعتنا لبعض الصحف، ولا سيما في أوروبا، وفي فرنسا تحديدا، البلد الأكثر اعتمادا على الطاقة النووية
لتوليد الطاقة الكهربائية بنسبة تتجاوز الـ70%!
ليس بالأمر السهل التراجع عن تقنية صرفت عليها الدول والشركات الكبرى مئات مليارات الدولارات، وتأسست عليها حضارات متكاملة.
بالرغم من ذلك، لا بد ان تشكل كارثة اليابان، التي لم تظهر كل مفاعيلها السلبية بعد، صدمة كبرى في عالم الطاقة والبيئة. ولكن ما البديل الذي يمكن ان يعوض عن
الطاقات الضخمة التي تتولد من التقنيات النووية؟
لن تستطيع الطاقات المتجددة، في وضعها التقني الراهن، ان تشكل البديل السريع للطاقة النووية، ويبدو ان العالم بات أمام خيارات محدودة، لا يستطيع الا ان يفاضل
بين المخاطر. ولعل الطاقة المرجحة لإعادة الصعود في الفترة المقبلة، هي تلك المتولدة من الفحم الحجري والنفط ومشتقاته، المتسببة الرئيسية بتغير المناخ، كأخطر
ظاهرة تهدد الحياة على وجه الأرض. وهذا ما سيهدد المباحثات المقبلة حول تغير المناخ نهاية هذا العام في دوربان.
فكم كارثة يجب ان تحصل في العالم لكي يقتنع أصحاب المشاريع الكبرى ان المدخل الى الحل لا يكون بالمفاضلة بين المخاطر، بل بالتراجع عن النماذج التنموية التي
تتطلب الكثير من الطاقة؟ وان لا بديل للعالم لينقذ نفسه من التقنيات الخطرة التي تتطلب مواد اولية هي أصلا غير متجددة كالفحم الحجري والنفط والغاز واليورانيوم...
ان يعتمد على فلسفة التوفير وضبط الاستهلاك، وان يعود نفسه على العيش والعمل والنوم بطاقة اقل، لكي يستطيع ان يعيش حياة أكثر أمنا؟!
No comments:
Post a Comment