روايتان متناقضتان وتوافق متقاطع: لا حكومة
جان عزيز
رغم تمخض أقطاب الأزمة عن توليد مشروع حل لحقيبة الداخلية، لا يزال الاستحقاق الحكومي بعيداً أو حتى سراباً، كما يجزم البعض. حتى إنه يروى أن اثنين من العارفين، من موقعين متقابلين حتى التناقض، أحدهما قريب من الفريق الحريري، والآخر قريب من دمشق، لا يزالان منذ أشهر يتناولان طعام الغداء والعشاء مجاناً، نتيجة كسبهما لمراهنات مع كل سياسيي البلد، ممّن يتوهمون يومياً أو دورياً أن الحكومة غداً أو بعده.
القريب من المعسكر الحريري يستند إلى نظرية فريقه القائلة بأن الظروف السورية الراهنة تحول كلياً دون تأليف حكومة في لبنان. وتنطلق قراءة هؤلاء من أن التشكيلة الحكومية الميقاتية إذا تُركت على سجية أهلها، تحتاج إلى معجزة حسابية خارقة، لتذليل التناقض بين مطالب الأكثرية النيابية الجديدة من جهة، ومطالب ثنائي بعبدا ـــــ فردان من جهة أخرى. ومعجزة كهذه، لا ترجمة واقعية لها في السياسة اللبنانية، إلا في «تمنٍّ» سوري على ميشال عون، للتنازل. تماماً كما حصل في الدوحة قبل ثلاثة أعوام كاملة في موضوع رئاسة الجمهورية. يضيف هؤلاء: لكن يومها، كان الثمن الغربي، والأوروبي خصوصاً، والفرنسي تحديداً، جاهزاً وحاضراً في الجيب السوري. كذلك الثمن العربي. يضمنهما دور قطري كان لا يزال على ليونة مذهلة، مكنته من ممارسة بهلوانية قصوى. فكانت له رجل في باريس وما خلفها، ورجل أخرى في طهران وما قبلها، فضلاً عن كون مضمون اللعبة يومها ـــــ أي رئاسة الجمهورية ـــــ يستحق المجازفة والمقايضة.
أما اليوم، تتابع نظرية الفريق الآذاري الحريري، فكل ذلك انتهى وانتفى. لا إغراءات غربية لدمشق، بل ضغوط، ولا حوافز عربية، بل استهدافات. وفي هذا السياق، يعتقد الآذاريون أن الجهد المطلوب من دمشق لتأليف حكومة ميقاتي يقتضي أمراً من اثنين: إما صفقة بين العاصمة السورية وواشنطن تحديداً، تولّد حكومة أقرب إلى حسابات بعبدا ـــــ فردان، وإما قرار سوري بالذهاب في المواجهة مع «تحالف أمم درعا الغربية والعربية»، إلى مدى أكثر تصعيداً وتهديداً، وهو ما ينتج حكومة أقرب إلى وجهة نظر الرابية ـــــ الضاحية.
لكن الآذاريين يسارعون إلى القول إن أياً من هاتين الفرضيتين لا تبدو قائمة في الواقع الراهن. بمعنى أن أياً من الضاغطين على الوضع الدمشقي لم يقدم أي مبادرة. كذلك إن موازين القوى السورية لا يبدو أنها تسمح باستفزاز جديد، أو مغامرة أخرى غير محسوبة. وبتعبير أكثر تبسيطاً، يبدو المشهد السوري الراهن بالنسبة إلى الآذاريين كالآتي: لا معطيات دولية تشير إلى تساهل مع دمشق، ما قد يدفعها إلى توليد حكومة مهادنة في بيروت، ترضي المتساهلين وترجح موقف سليمان ـــــ ميقاتي. ولا قدرات داخلية ذاتية تدل على إمكانيات أكثر لمواجهة الأزمة، ما يسمح بتركيب حكومة مواجهة في بيروت، تغلب موقف عون تحديداً.
هكذا يخلص الآذاريون إلى القول: لا حكومة ميقاتية، حتى وإن سلم محور بعبدا ـــــ فردان بكل ما يملك، واستسلم بالكامل.
في المقابل، لم يخسر القريب من دمشق أياً من رهاناته في الأشهر الطويلة الماضية، وهو يسند حساباته إلى قراءة واضحة: تأليف الحكومة رهن بتوقيعين اثنين: ميشال سليمان ونجيب ميقاتي. فما هي اعتبارات كل منهما؟ الأول مقيّد مسيحياً بتصوّره الخاص لحربه الشاملة والنهائية مع ميشال عون، لا ضمن حدود ولايته الرئاسية وانتخاباتها النيابية الأخيرة بعد عامين وحسب، بل أيضاً وأصلاً ربما ضمن المدى الزمني الذي يلي استحقاق عام 2014 والخروج من بعبدا واحتمالات الصراع على الزعامة المسيحية في حينه. والثاني مقيّد سنياً بهاجسه في أن يثبت للحريري أنه لم يفرّط برصيد طائفته وموقعها وحصصها. يُضاف إلى هذين القيدين الداخليين، اعتبار خارجي، لم يمضغ أي مسؤول غربي كلماته المعبّرة عنه. من فيلتمان ولارسن إلى كونيلّي، حتى إن جوبيه وبييتون صارا مفوَّهين في هذا المجال: ممنوع تأليف حكومة، حتى وإن أخذتما كل مقاعدها والحقائب. وفيما يظهر عنصر المال والمصالح الخارجية سلاحاً كافياً للتهويل الغربي على ميقاتي، يتساءل القريب من دمشق عن سر القدرة الغربية في التهويل على سليمان، إلا إذا كان ثمة مستور لا يعرفه إلا أصحابه. لكن النتيجة النهائية تظل واضحة، وإلا فكيف يفسّر سليمان وميقاتي عودتهما إلى الوراء بعد الحل المتمخض عنه لوزارة الداخلية؟ وخصوصاً أن العودة إلى العرقلة ترافقت مع سلوك أميركي لم يعد يتوقف عند اعتبارات الخجل لا الدبلوماسية وحسب. فجاءت زيارة كونيلّي لفردان وبيانها الأحادي عقبها، تماماً مثل زيارتها لنقولا فتوش عشية استشارات التكليف.
قبل يومين، وبعد «حل» عقدة الداخلية، ربح العارفان رهاناً جديداً، والأهم أنهما جدّدا رهاناتهما المرشحة للربح، إلى أمد غير محدد.
العدد 1411
السبت 14 ايار 2011
الاخبار
No comments:
Post a Comment