Saturday, May 14, 2011

الحكومة المتعثّرة: ابحثوا عن «سليمـان الحكيم»
مس (دالاتي ونهرا)
يتّخذ الملوك والأمراء والرؤساء من حوله التدابير الاحترازية ليجددوا ويمددوا لأنفسهم. الرئيس ميشال سليمان، هو أيضاً، يستفيد من الملفّ الحكومي العالق ليتخذ تدابيره الخاصة التي تسمح له أن يحلم عشيّة استكماله النصف الأول من ولايته بالتجديد. بينه وبين نفسه، يحلم بشعب ينتبه إلى الإنجازات التي حقّقها في السنوات الثلاث الماضية (بينها سنة كاملة بلا حكومة)، ليهتف مطالباً بتكرارها
غسان سعود
يُروى أن الرئيس رشيد الصلح فاجأ مرّة الرئيس سليمان فرنجية الذي كان يؤخّر تأليف الحكومة عام 1974، بإبلاغه أن لديه شرطاً للتأليف. فوجئ فرنجية، لكن سرعان ما انفرجت أساريره حين سمع الصلح يقول إنه لن يؤلّف حكومة إلا إذا كان لطوني فرنجية حقيبة فيها. ينتظر الرئيس ميشال سليمان اليوم مثل تلك المبادرة الصلحية، فيحلم بالرئيس نجيب ميقاتي داخلاً عليه إلى قصر بعبدا، مشترطاً إعطاء صهر الرئيس، وسام بارودي، حقيبة ليؤلّف حكومته المنتظرة.
والواقع أنّه غالباً ما كان للرؤساء صهر محظيّ أو ابن يتدلل سياسياً في قصر الجمهورية. وحده سليمان لديه ابن وصهران وشقيق، يتنافسون على الطلبات. وبفضل هؤلاء، الملتفّين حول الرئيس مع الزوجات والأحفاد، استغنى سليمان عن المستشارين. فما حاجة الرئيس المبادر والمقدام إلى منظّرين يفلسفون إدارة الحكم، ما دام قد استطاع باستراتيجيته الخاصة الوصول إلى ما يشتهيه كلّ مارونيّ، وتمكّن قبيل إكماله العام الثالث في بعبدا من تحقيق عشرات الإنجازات التي ما على غير الشاعرين بها إلا التوجه إلى الموقع الإلكتروني الرسمي لرئاسة الجمهورية ليتلمّسوها. ولمَ عليه انتظار فريق عمله ليوجد موطئاً لقدمه في جبل لبنان، ما دام يمكنه وضع المؤسسات الرسمية ونفوذه بتصرّف صهر وشقيق في جبيل وصهر آخر في كسروان، وما دام صهر الرئاسة الدائم ـــــ أياً كان الرئيس ـــــ حاضراً في المتن.
المتتبّعون بشغف لظاهرة ميشال سليمان منذ وصوله إلى اليرزة، لا إلى بعبدا وحسب، يؤكدون أن الأيام لا تزيدهم إلا انبهاراً بذكاء هذا الرجل. فخلف الملامح المنضبطة والابتسامة المصطنعة والعيون المتلفتة بقلق دائم، يختبئ عقل الجمهورية الأول. المهم بالنسبة إليه استمرارية الوطن التي يصعب التفكير بها اليوم من دون ميشال سليمان. وهذا ما يجبره على التفكير بكيفية الاحتفاظ بالكرسي في مرحلة سحب الكراسي من تحت الرؤساء. ينظر إلى دمشق ويضحك على رهان زعيم تيار المردة النائب سليمان فرنجية. يبحث حواليه، فلا يجد إلا قائد الجيش جان قهوجي، فيُنصب الفخ: قهوجي وزيراً للداخلية. ينجو الأخير؟ ربما أول مرة، والأكيد أن هناك مرات كثيرة مقبلة. صامتاً في بعبدا، لا يريد فخامته شيئاً لنفسه، فيما الجنرال الآخر يصرخ ويشتم ويتوعّد، مطالباً بكل شيء. أزمة في سوريا؟ يعدّ الرئيس الأوراق لوصل ما سبق أن ادعى وصله سواء بين دمشق والرياض أو عبر الشام والعواصم الأوروبية.
للّبنانيين، يا لفرحتهم، رئيس: يعايدهم مع عائلته على الطريقة الأوروبية في المناسبات، يطفئ حرائق أحراجهم في الصيف، يزور اغترابهم، و... يلتقي كل بضعة أيام الرئيس المكلّف تأليف حكومتهم لسؤاله عن آخر أخبار التأليف. الشغوفون بسليمان يسألون صراحة عن المبررات التي ستدفع الأخير ـــــ وهو الرئيس التوافقيّ ـــــ إلى تأليف حكومة من لون واحد تناقض مقدمة الدستور لجهة الحفاظ على العيش المشترك والتمسك بالديموقراطية التوافقية. التأليف، بحسب هؤلاء، يجعله شريكاً وجزءاً من فريق بخيل على مختلف المستويات. المشكلة لا تنتهي عند هذا الحدّ، بل لعلّها تبدأ من هنا. فالفريق الذي يطلب من سليمان بطريقة استعلائية مشاركته الحكم، لا يحظى، بحسب السليمانيين، بتأييد دولي أبعد من سوريا وإيران اللتين تترنحان داخلياً. ثم، لمَ يُفترض بالرئيس الضغط للتأليف ما دام ميشال عون يتحمّل في نظر الشعب المسؤولية عن التأخير، فيما الرئيس بريء، يتفرج من بعيد على سهام 14 آذار تحمّل عون مسؤولية تعطيل البلد، وسهام 8 آذار تحمّل ميقاتي المسؤولية. لا! لدى الرئيس حسابات لا يجوز التفريط بها، وهي تبدأ بجبيل، تمرّ بقريطم والرياض، وتنتهي بالولايات المتحدة الأميركية. وليتذكر المشككون بهذه النظرية كم كان فخرهم عظيماً حين شاهدوا رئيس بلادهم يختلي بالرئيس الأميركي باراك أوباما ثلاثاً وأربعين دقيقة، أثنى في ختامها أوباما على طلاقة سليمان باللغة الإنكليزية.
لكن الرئيس لا يكتفي بالدعم الدولي الناتج من تقدير موقفه المعرقل للتأليف. فيحاول الاستفادة من انشغال السياسيين بالتطورات الحاصلة في المنطقة ليحقق بعض التقدّم على خصومه. ورؤية الرئيس واضحة في هذا المجال: لا يمكن رئيس الجمهورية أن يزاحم على الموقع الثاني عند المسيحيين. وبالتالي، لا مشكلة لديه مع رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع. جعجع الثاني مسيحياً، فليبقَ كذلك. لا بل يفترض تعزيز موقع جعجع لمحاصرة نفوذ فرنجية وإبقائه في زغرتا بدل التفرّغ للتمدّد سياسياً ليقترب أكثر من رئاسة الجمهورية. تركيز الرئيس منصبّ على ميشال عون حيث الموقع المسيحي الأول. وكما لا يفترض به أن يقبل إلى الأبد عجزه عن الفوز بأكثر من مقعد أبو الياس النيابي، يفترض به الانتقام لموقع رئيس البلاد من الخسارة التي ألحقها ميشال عون به في بلدته ـــــ عمشيت. وإذا كان لكلّ همّه، فإنّ بال سليمان مشغول اليوم بالانتخابات.
من كسروان البداية. كثر يفكرون في تأليف الحكومة، وسليمان يفكر في عون. تفرج الرئيس والكسروانيون على نائب منطقتهم يتلهّى بالهجوم على وزير الداخلية والبلديات زياد بارود. في منطقة لم يفعل نوابها شيئاً منذ انتخابهم عام 2005 للمرّة الأولى قبل أن يُجَدّد لهم عام 2009، لا يجوز سؤال بارود عمّا فعله. ويمكن العماد عون أن يفصّل في هجومه على بارود الأسباب الوطنية والأمنية الكبرى، لكنّ حسابات سليمان تبدأ في صالات البينغو وتنتهي في محطات الوقود. كان لكسروان وزير داخلية «مش غريب»، ولم يعد الأمر كذلك بسبب نائب كسروان «الغريب». كان بارود الأقرب وسط المحسوبين على سليمان إلى عون، وبين 8 و14 آذار كان يمكن وضعه في 10 آذار، أقرب إلى 8 منه إلى 14. لكن موقف عون منه رماه في حضن سليمان. هذا ما فعله سليمان أيضاً مع عدد كبير من رؤساء المجالس البلدية وأعضائها في كسروان. يكفي أن يسمع صهر الرئيس وسام بارودي أن مختاراً قريباً من التيار الوطني الحر يتململ حتى يغدق عليه الاتصالات والاهتمام المتنوّع.
تعثّر عون في موضوع بارود، فأكمل سليمان اللعبة. يستعدّ الآن ليطالب بحقيبة مارونية أخرى (باعتبار أن حقيبة الداخلية يتشاركها مع عون) ليعطيها لرئيس جمعية الصناعيين نعمة افرام، الكسروانيّ هو الآخر. إذا قبِل عون، يفوز سليمان بحقيبة مارونية ثانية، ويظهر أمام الكسروانيّين بمظهر الحريص على تمثيلهم في مجلس الوزراء، وبإشعار افرام عشية الانتخابات المقبلة أنه مدين لسليمان بلقب معالي الوزير. أما إذا رفض عون، كما يرجّح سليمان، فيظهر الأخير بمظهر المسكين أمام الكسروانيين وآل افرام، فيما ينتقل افرام نهائياً من النقطة التي كان يقف فيها بارود قبل بضعة أشهر إلى النقطة التي يقف فيها بارود اليوم. عندها، تتبلور حسابات الرئيس الانتخابية بنحو أفضل، فينضمّ بارود وافرام إلى الصهر بارودي والنائب السابق منصور البون، في انتظار راكب خامس تقفل فيه لائحة كسروان، أو يتكرّم سليمان على عون فيترك له مقعداً. الرئيس ذكيّ، يردد غالباً المعجبون به.
من كسروان إلى المتن، يتبادل الرئيس سليمان ووزير الدفاع في حكومة تصريف الأعمال الياس المر الإيحاء بأن علاقتهما ساءت بعد «الحقيقة ـــــ ليكس»، كأن ما قاله المر عن سليمان كان جديداً بالنسبة إلى قائد الجيش السابق الذي يحق له الاطلاع ساعة يشاء على تقارير استخبارات الجيش. وهكذا تسوء العلاقة بين الرجلين، لكن يستمر مشروعهما المشترك. يوفر أصدقاء المر له المادة لإكمال الهجوم الذي بدأه مع رئيس الجمهورية على تكتل التغيير والإصلاح ممثَّلاً في المتن بالنائب ابراهيم كنعان. يزداد المحسوبون على المرّ نفوذاً في الدوائر الرسمية، ويتدخل ابن أبو الياس عند أحد المديرين العامين المقربين سابقاً من كنعان ليقنعه بأن رئيس الجمهورية، لا رئيس تكتل معارض، هو الضمانة لبقائه في منصبه، ويلمّح أمامه إلى احتمال تفضيل تيار المستقبل المجيء به وزيراً بدل الوزير الطرابلسي المطروح، فينقلب المدير العام على كنعان وينضمّ إلى سليمان. يتصل الرئيس بحزب الطاشناق، ويذكّرهم ضمنياً أنهم كانوا تاريخياً حزب الرئيس. ويتبسم مشاهداً تأليف النائب نبيل نقولا لقاءً متنياً يكون نواةً للائحة انتخابية تحل في الانتخابات النيابية المقبلة محل اللائحة العونية الحالية.
ذكيّ الرئيس وبعيد النظر، يؤكد المعجبون به. يعتقد أن حزب الله وحركة أمل يرجّحان الكفّة في جبيل وبعبدا. وبالتالي، يكفي أن يريهما قدرته على الفوز في المتن وكسروان ليقدّما له فروض الطاعة في جبيل وبعبدا، أو ليوازنا على الأقل بين دعمهما له ولعون في هاتين الدائرتين. ويبني المقربون من الرئيس تطلعاتهم المتفائلة هذه، على توتر بين الزعيم المسيحي الأول والقيادة السورية يفترضون إمكان حصوله لمجرد خفض عون مستوى مبعوثه إلى دمشق إلى مستوى القياديّ في التيار بيار رفول، أو على خلفية تعامل وسائل الإعلام العونية مع الأحداث التي تشهدها سوريا بحياد نسبي وموازنة بين موقف السلطة وموقف المناوئين لها، لينتهوا إلى القول إنّ «صمت زعيم مسيحيّي الشرق عن التهديد الذي يتعرّض له مسيحيّو الشرق إذا اهتزّ النظام السوري، أثّر كثيراً على مكانة الجنرال عند القيادة السورية». وفي المقابل، فإنّ مكانة سليمان مستقرة، ترتفع حين يشاء هو. وتجدر الإشارة إلى أن الضغط السوري للإسراع في تأليف الحكومة، لا يضعف إلا عون الذي سيكون ملزماً، إذا تصاعد الضغط، تقديم التنازل تلو الآخر. وفي هذا السياق، اضطرّ عون إلى الموافقة على تولّي العميد المتقاعد مروان شربل حقيبة الداخلية بعدما رفض هذا الأمر حين اقترحه سليمان قبل ثلاثة أسابيع.
لا تنتهي القصّة بين الجنرالين هنا. فحين طرح سليمان اسم قائد الجيش جان قهوجي مرشّحاً محتملاً لتولّي وزارة الداخلية، اعتقد كثيرون أنّه يحرق بذلك المرشّح الرئاسي غير المعلن لخلافته، لكنّ المطّلعين على شجون المنزل العوني، كانوا يعلمون أن سليمان يضع العماد عون أمام استحقاق تعيين مبكر لقائد جديد للجيش. وسيكون الجنرال في هذه الحالة مضطراً، لأسباب كثيرة بعضها عائلي، أن يخوض معركة كبيرة لإيصال أحد الضبّاط المقرّبين منه والمرشّحين بقوة لخلافته. وبعدها، يراهن سليمان، سينشغل العونيون بأنفسهم، بين وزير يريد زعامة ويعجز عن النيابة، وقائد جيش جديد يرى في صورته في المرآة، ملامح عون جديد.
في النتيجة، للّبنانيين رئيس تتيح له مصائب المنطقة التفرّغ لتحقيق أهدافه. وها هو يحلم بمجلس نيابي جديد يكون له فيه كتلة نيابية كبيرة، تطلب له وعنه التجديد.
________________________________________
سليمان: سوء استعمال الديموقراطية كغيابها
أكد رئيس الجمهورية ميشال سليمان، أنه «لا بد فور تأليف الحكومة من تنفيذ المشاريع الإنمائية التي طال انتظارها وإقرار مشروعي الانتخاب واللامركزية الإدارية. فإلى جانب الدور الذي ستطلع به الهيئة المستقلة للانتخابات التي نطمح إلى إنشائها، ستكون العملية الانتخابية موقع اهتمام وزير الداخلية الذي يجب أن يكون على مسافة واحدة من الجميع، وقد كان لنا في هذه الوزارة تجربة ناجحة نعتز بها ويجب الاقتداء بها».
ورأى سليمان أثناء افتتاح حرم الابتكار والرياضة في الجامعة اليسوعية، أمس، أنه «لا خيار لنا سوى المباشرة بحوار شامل وعميق، لا لوضع استراتيجية للدفاع عن لبنان، بل في كيفية المضي بتنفيذ وثيقة الوفاق الوطني، وصولاً إلى دولة المواطنة».
أضاف: «في وقت نخشى فيه من تداعيات الأحداث في الدول العربية وما يترافق معها من عنف وزرع بذور الفتنة، من دواعي ارتياحنا أن تسير المساعي الإصلاحية في هذه الدول باتجاه إقرار تشريعات وقوانين سبق للبنان أن اعتمدها منذ إنشائه. فلبنان جمهورية ديموقراطية تقوم على احترام الحريات العامة، والشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة، وقد تميز باحترامه الاستحقاقات الدستورية وحصول تداول للسلطة ومشاركة لكل الطوائف في إدارة الشأن العام على قاعدة التواصل، ورغم ذلك لم ينجح اللبنانيون في ترجمة الحريات ممارسةً ديموقراطية صحيحة، وما زالت تعترض قيام الدولة صعوبات من أبرزها استهلاك أكثر من 9 أشهر بتأليف 3 حكومات، وباتت الصعوبة بتأليف الحكومة تمثّل عبئاً على أكثر من صعيد، وبروز أكثر من عقبة لم تسمح لرئيس الجمهورية بأخذ الأمور باتجاه الحسم، إضافة إلى التناقضات التي كانت قائمة ضمن الحكومة الواحدة، وهذا يشير إلى أن سوء استعمال الديموقراطية كغيابها».
العدد 1411
السبت 14 ايار 2011
الاخبار

No comments:

Post a Comment