Thursday, June 9, 2011

هل حان الوقت لـ«صفقة» تطمئن فريقاً ولا تخلق «نقزة» للآخرين؟الطائف على طاولة اختبار التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة
كتب المحرر السياسي:
هل انتهى «تاريخ الصلاحية» لاتفاق الطائف؟ أم أن الذي انتهى هو السقف الإقليمي والدولي لذلك الاتفاق؟ أو أن التوازن الداخلي اختل ضده فأصبح من الضرورة بمكان
مراعاة هذا التوازن الجديد؟
قبل نحو 22 عاماً، شكّل اتفاق الطائف محطة تحوّل في لبنان، ومعه تغيّر مسار الوضع الداخلي من الاقتتال والفوضى إلى الاستقرار والسلم الأهلي. شكل الطائف إيذاناً
بإعلان استسلام المارونية السياسية بعد صولات وجولات من المعارك دفاعاً عن نظامها منذ الاستقلال حتى ما بعد نصف قرن تقريباً.
لم يأت «الطائف» ترجمة للطموحات بنظام سياسي متطور لطالما رفعت شعاره قوى سياسية لبنانية وازنة، خصوصاً في المقلب الإسلامي، ذلك أن هذه القوى وفي طليعتها «الحركة
الوطنية اللبنانية» وضعت برامج سياسية سقفها الأدنى قيام الدولة المدنية وإلغاء الطائفية السياسية. لكن وبرغم أن الطائف لم يلبّ تلك الطموحات التغييرية، وشكّل
إحباطاً لقوى لبنانية لطالما كانت رأس حربة في الحرب الأهلية، إلا أن القبول به جاء على قاعدة «أهون الشرور» في انتظار فرصة أخرى، لبنانية واقليمية ودولية،
تسمح بتطويره عبر إلغاء «الامتيازات الطائفية» التي كرّست أعراف صيغة 1943، فإذا بـ«الأقفال» المحكمة توصد «بوابة» هذا التطوير الواردة في المادة 95 التي تنص
على تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وليقصي هذا «الفخّ» القوى الحزبية اللاطائفية مجدداً لمصلحة الشخصيات والقوى السياسية المعبّرة عن الطوائف
والمذاهب، ولتكتشف الأحزاب اللبنانية، وخاصة العلمانية، أنها خاضت الحرب ودفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن الطبقة السياسية التي لطالما نادت بتغييرها باعتبارها
«سبب تخلّف» الواقع السياسي في لبنان.
جاء «الطائف» وليد لحظة سياسية ـ عسكرية استثنائية لبنانياً وإقليمياً ودولياً: المشروع الإسرائيلي يتقهقر في لبنان، الرهان اللبناني التاريخي على الغرب بلا
طائل، التفاهم السوري ـ السعودي يتعزّز، الصراع الداخلي يتوقف عند خطوط حمر لا يمكن تجاوزها ، التقاتل المسيحي ـ المسيحي في أوجه، الولايات المتحدة الأميركية
تبحث عن «أثمان» سياسية تقدّمها لسوريا... بعد قرار الرئيس الراحل حافظ الأسد الانضمام الى التحالف الدولي العربي تحت عنوان تحرير الكويت من قوات صدام حسين.

لكن تلك الخيمة التي جمعت تحتها توافقاً عربياً ودولياً على وقف الحرب في لبنان، لم تكن قادرة وحدها على إنتاج «الطائف» لولا الحد الأدنى من التفاهم الداخلي
عليه، خصوصاً أن أي صيغة جديدة ستؤدي حكماً إلى طي صفحة «المارونية السياسية»، ولذلك كان لا بدّ من موافقة مارونية على تلك الصيغة لا بدّ أن تعبر خروجاً من
بوابة المرجعية الروحية في بكركي بمؤازرة فريق سياسي من المتصارعين على الساحة المارونية.. وهذا ما حصل للمرّة الأولى منذ الصيغة التي وضعت لبنان تحت الرعاية
المسيحية، والمارونية تحديداً كضمانة لأقليتهم في بحر إسلامي، وعلى قاعدة أنهم «بوابة» تفتح في اتجاهين لتكون صلة وصل بين الغرب المسيحي والشرق العربي الإسلامي،
برغم ما طرأ من متغيرات ديموغرافية عميقة في التكوين اللبناني.
جاءت عباءة البطريرك الماروني نصر الله صفير الآتي قبل ثلاث سنوات فقط إلى السدة البطريركية، خلفا للبطريرك خريش، ليس فقط لتكشف صيغة 1943 في العراء، وإنما
أيضاً لتُدثّر «القوات اللبنانية» في زمن ضعفها واضطرارها للجوء إلى «الطائف» لمواجهة حملة إلغائها ولحماية وجودها ومستقبلها... في مواجهة الخصم المسيحي اللدود
ميشال عون.
عاشت صيغة الطائف «على الورق» نحو 22 عاماً في ظلّ الرعاية السورية المباشرة التي كانت تحظى بتفويض عربي ودولي سمح لها بإدارة التوازن الداخلي وضبط إيقاع الاختلاف
اللبناني ـ اللبناني، وهو ما سمح بـ«ستر عيوب» النصّ الدستوري الذي كان تفسيره يخضع لمعايير الحاجة السياسية إلى تدوير الزوايا وإدارة الشأن اللبناني «من خارج
النص»، وكان الاجتهاد الدستوري الذي يطبق على حالة ما يطبّق نقيضه على حالة أخرى، ليصبح الدستور مطواعاً للحاجة السياسية... فكانت «الترويكا» (الرؤساء الثلاثة)
أحد ركائز «سيبة» الطائف السورية ومعها شريك رابع كان جزءاً من المقايضات والغنائم وتقاسم الجبنة، وهو الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.
كل ذلك كان مقبولاً، بل ومطلوباً، تحت سقف الراعي السوري الذي كان يمتلك وحده صلاحية تفسير «الطائف» وآلية العمل الاستنسابية بما في متنه من بنود، فكان عملياً
«رئيس مجلس إدارة الطائف» و«مديره العام».. و«الوكيل الحصري» إلى أن خرجت سوريا من لبنان وسُحب التفويض العربي والدولي الممنوح لها ليصبح الطائف من دون «وليّ
أمر» وهو الذي لم يبلغ «سنّ الرشد» بسبب «نقص الخبرة» و«قلّة الاستخدام» وفي توقيت حساس يحتاج إلى خبير في «الحضانة السياسية» للواقع اللبناني.
اختل التوازن اللبناني، وفقد الطائف قوة حضوره الداخلية مع تشرذم الإجماع الإسلامي حوله، ولم تبق راية الطائف مرفوعة إلا فوق «وادي أبو جميل» وعائشة بكار، ومنهما
امتداداً إلى الطريق الجديدة وبعض أحياء بيروت وصيدا وفي طرابلس وعكار والضنية، كما في بعض المناطق المتفرّقة من لبنان.
فجأة دخلت بكركي على الخط.. فالعباءة التي ألقاها سيدها السابق على «الطائف» أصبحت «رثّة» وبحاجة إلى تجديد، لكنه غادر موقعه لبطريرك جديد أتى قبل ثلاثة أشهر،
وسرعان ما سحب أشلاء تلك العباءة من دون استبدالها بواحدة جديدة...
خسر الطائف معظم حماياته: المظلة العربية، الحماية الدولية، الرعاية السورية، بعض الركائز اللبنانية، لكنه برغم ذلك ما زال مستمراً حتى التعديل.. أو إيجاد البديل...

أي الخيارات يتقدّم؟ هل يصمد الطائف؟ أم أن البحث في «تطوير النظام» بالتفاهم والاجماع وليس بالغلبة، سيكون مخرجاً للتجديد بما يحفظ القديم؟ أو أن التغيير الجذري
الذي يشكّل انقلاباً على الطائف بـ«طائف» جديد ممكن في ظل حالة الاشتباك السياسي انطلاقاً من الاصطفاف المذهبي القائم؟
ربما يشّكل اختلاف التكتيك بين مؤيدي «إعادة النظر بالطائف»، هو الضمانة حتى اليوم لاستمراره إلى حين تقاطع الرؤى بين هؤلاء على استراتيجية موحّدة لمرحلة ما
بعد الطائف. لكن الأكيد أن الظروف الموضوعية لـ«العبث» بالطائف لم تنضج بعد، خصوصاً في ظل اختلاف عميق في توجهات المطالبين بوضعه على طاولة البحث. فالسنّة لا
يتشبّثون به ككتاب منزل، لكنهم يطالبون بتطبيقه أولاً ومعهم المملكة العربية السعودية، ومعالجة الثغرات التي تطفو إلى السطح خلال مرحلة التطبيق، خصوصاً أن آلية
المعالجة موجودة في بنوده. والشيعة المرحّبين بـ«تطوير النظام» لا يغالون في استهداف الطائف مباشرة، وهم معه «حتى الآن» (الرئيس نبيه بري)، وإنما يرون في أن
الطائف كان نتاج «صفقة» وأن أي تغيير فيه يحتاج إلى «صفقة»، ولا بأس أن تكون هذه «الصفقة» من خلاله، فيحصل «تبادل» بين تعزيز صلاحيات رئاسة الجمهورية وبين إلغاء
الطائفية السياسية، لأن فكرة «المثالثة» غير مطروحة بشكل جدي، كما أن فكرة المناصفة في كل المواقع لم تعد قابلة للحياة.
أما المسيحيون، وأكثرية الموارنة تحديداً، فهم يعتبرون أن الانقسام السني ـ الشيعي يمنحهم فرصة الانقضاض على الطائف لاستعادة موقعهم المميز داخل التركيبة اللبنانية
على مستوى السلطة مع الإبقاء على صيغة المناصفة التي تمنع المسيحي من الهجرة.
بين هذه الخيارات ثمة هواجس يسعى حاملوها لتبديدها ولو بخلق هواجس لدى الآخرين.. ومنها يمكن طرح سيل الأسئلة التي لم يحن الوقت للإجابة عليها: كيف يمكن تعديل
الطائف من دون خلق «نقزة» عند السنّة تؤسّس لانتقال عدوى «الإحباط» إليهم؟ وكيف يمكن أن يشعر المسيحيون بعودتهم إلى مركز القرار القوي في السلطة من دون أن يشكّل
ذلك «نقزة» عند الشيعة؟ وكيف يمكن للشيعة أن يحصلوا على حجم يناسب حضورهم في السلطة من دون استفزاز السنّة أو تخويف المسيحيين؟
بل إن الأهم، هو كيف يبقى الطائف صيغة قابلة للحياة من دون رعاية ومظلة تحميه؟ وكيف يمكن لأي صيغة جديدة أن ترى النور من دون «قابلة قانونية» تمتلك الخبرة الكافية
بالوضع اللبناني؟
هل صحيح القول إن المارونية السياسية كانت أذكى من السنية السياسية، بمعنى أنها قاتلت بأسنانها وبشراسة طيلة نصف قرن، دفاعاً عن «نظامها»، بينما لم يتسنّ للسنية
السياسية أن تحكم أكثر من خمسة أشهر (من تموز 2005 تاريخ بدء ولاية فؤاد السنيورة رئيساً للحكومة حتى اعتكاف الوزراء الشيعة في نهاية العام نفسه). كانت عبارة
السنيورة الشهيرة للحاج حسين خليل والنائب علي حسن خليل العائدين من الرياض معبرة: «بي بي سعد الحريري ما بيخليني أمشي باتفاق قاهرة جديد»، فكان أن سقط اتفاق
الرياض ودخل لبنان في نفق أزمة بدأت تتوالي فصولها منذ صدور القرار 1559 وانتهاء التفويض الدولي لسوريا في لبنان.
شئنا أم أبينا، الطائف على طاولة البحث اليوم.. وللبحث صلة عندما تصبح التوازنات الإقليمية والدولية قادرة على ترجمة نفسها في لبنان.. وفي مطلق الأحوال ليس
في الأفق ما يوحي أن «الطلق» الطبيعي قد بدأ، وما زال مبكراً انتظار «طقّ مياه الرأس» إيذاناً بقرب الولادة.. بـ«طلق» طبيعي أو اصطناعي.

No comments:

Post a Comment