Sunday, June 5, 2011

أحد نواب «المستقبل»: الجريمة حصلت.. إلا أننا في لبنان!ما للقانون.. وما لتجاوزاته في «قضية ريفي»
كلير شكر
حتى اللحظة، «يحتمي» ابراهيم نجار خلف أسوار وزارة العدل، معتصماً بالصمت. يضع الكتاب الرئاسي «المحرّض» على إحالة المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف
ريفي إلى القضاء، أمامه، من دون أي ضجّة. يشرّح تعابيره وخفايا سطوره، ويترقّب. الكرة صارت في ملعبه، وهو سيّده. بمقدوره «إيقاظ» النيابة العامة وتحريك سلطتها
القضائية، كما بمقدوره، «تخدير» الملف وإدخاله في سبات عميق. فالأمر متروك لتقديره.
وإذا كانت شياطين «حرب» الوزير المعتكف أو المستقيل زياد بارود وريفي، قد استكانت نسبياً، إلا أن ملائكة النزاع القضائي تقف فوق كتفيّ «سيّد» قصر العدل، وتحاصره
من أربع زوايا:
هيبة الرئاسة الأولى (المارونية) التي «نزلت بثقلها» إلى ساحة النزاع، على متن كتاب خطّي، سجّل سابقة أولى من نوعها في تخاطب المقام الدستوريّ الأول، مع موقع
وزاريّ وتعامله مع موقع إداري وظيفي.
هيبة وزير معتكف (ماروني)، بات يائسا من القوانين وأحكامها التي حاول تدوير زوايا طوال ولايته، فلم تثمر إلّا «تمرّد» موظف يأتمر بسلطته.
هيبة شكوى مرفوعة من الوزير شربل نحاس (الكاثوليكي) الذي لجأ إلى القضاء لتسيير شؤون إدارته، بعدما وجد نفسه عاجزاً أمام سلطة الأمر الواقع.
هيبة التجاذب بين ضمير وزير العدل المهنيّ... وولائه السياسي الذي ينزعه عن نفسه دائما.
ولكن ما هي المسارات القضائية التي ستسلكها القضية؟ هل من قيود تكبّل وزير العدل؟ ومن أين يمكن له النفاذ؟ هل سيُسمح لرئيس الجمهورية بممارسة سلطته بغضّ النظر
عن صلاحياته؟
لا بدّ أولاً من الإشارة إلى أن المادتين 49 و50 من الدستور «ليستا من باب الترف الرومنسي، وإنما نصّان بمدلولات وتبعات قانونية لا لبس فيها» كما يقول عضو المجلس
الدستوري سابقاً سليم جريصاتي. إذ عندما ينصّ الكتاب على أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز الوحدة الوطنية والساهر على احترام الدستور والقانون وسلامة
الشعب والأرض والقائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء، وعندما يفرض على رئيس الجمهورية دون سواه من رؤساء السلطات الدستورية، حلف يمين الإخلاص
لدستور الأمة وقوانينها، عند قبضه على ناصية الحكم، فهذا يعني حكماً، واجب توفير الوسائل التي تتيح للرئيس تنفيذ قسمه الدستوري والتقيد به وتأمين مستلزمات الموقع
الموصوف في المادة 49.
ولهذا فإن القول بأن للرئيس سلطة من دون صلاحيات، والاكتفاء بالموقع المعنوي للإشراف على شؤون البلاد والعباد، هو موضع استهجان. ذلك، لأنه صحيح أن رئيس الجمهورية
لم يعد يمارس السلطة الإجرائية بمفهوم ما قبل «الطائف»، بعدما انتقلت الدفّة إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، إلا أن قيام رئيس الجمهورية بالإشارة إلى العيب الدستوري
عند حصوله، هو واجب عليه، ولا يمس إطلاقاً مبدأ انتقال السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء. فكيف إذا كان مجلس الوزراء غير مكتمل الولاية بسبب حالة تصريف الأعمال؟

بعض من استشارهم رئيس الجمهورية، نصحوه بأن يهمس سرّاً في اذن وزير العدل بما يراه مناسباً دستوريا، على أن يبقى الهمس الرئاسي أسير الرجلين. إلا أن ما فعله
سليمان، بحسب جريصاتي، يندرج تماماً في سياق النصّ الدستوري وقسَمه، وإن هناك مآخذ على الصياغة اللغوية للكتاب المرسل إلى وزير العدل، ذلك لأن الأخير ليس مأموراً
بالمعنى الهرمي برئيس الجمهورية، لا بل هو رأس وزارته بحسب المادة 66 من الدستور، وله حيثية دستورية مستقلة عن رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الورزاء معاً.
ولكن المديرية العامة لرئاسة الجمهورية قصدت من الكتاب الخطيّ لفت نظر الوزير نجار إلى خلل دستوريّ وقع بفعل خروج مسؤول إداري رفيع عن أمرة وزيره، ما من شأنه
المسّ بالمادة 66 من الدستور، كما بالمادتين 2 و10 من قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي. إلا أن الرئيس سليمان ترك لوزير العدل حق التقدير في تحريك الدعوى العامة،
أي توجيه الطلب إلى المدعي العام التمييزي لإجراء التعقّبات اللازمة بشأن ما اتصل إلى علمه بالموضوع إعلاه، وذلك عملاً بالمادة 14 من قانون أصول المحاكات الجزائية.

ويؤكد أنه ليس على الوزير أن يلتزم حكماً بتنفيذ رغبة الرئيس، ولكن في الوقت ذاته ليس عليه أن يهمله. إذ يندرج الكتاب في سياق سعي رئاسي إلى استحداث سابقة يمكن
المراكمة عليها، لإيجاد عرف يقضي بامكانية تواصل رئيس الجمهورية مع الوزراء عندما يتعلق الأمر بخرق فاضح لمبادئ دستورية أو مواد قانونية.
كما يندرج الكتاب من الناحية السياسية في خانة إرسال إشارة قوية إلى من طالب الرئيس بإجراء، أو إلى وزير الرئيس المعتكف، أو إلى المدير العام الممتنع، أن الرئيس
سعى إلى احترام الدستور، وفعل ما عليه، لا أقل ولا أكثر.
ماذا لو لم يبادر سليمان إلى طلب شيء شفاهة أو خطياً؟
ليس هناك ما يمنع وزير العدل من تطبيق المادة 14 من قانون المحاكمات الجزائية، إذا وقعت بعمله حادثة توصف بالجريمة، أو حتى أن تتحرك النيابة العامة التمييزية
عفواً وتحيل بالاختصاص إلى النواب العامين الاستئنافيين، أو مفوض الحكومة إلى المحكمة العسكرية، علماً بأن الوزير شربل نحاس تقدّم بشكوى قضائية ضد اللواء ريفي،
ما يسقط النظرية التي تقول إن نجار لا يستطيع تحريك القضاء إلا بناء على دعوى.
لكن اللافت للانتباه، أن وزير الداخلية المعني بحالة عدم الامتثال للأمر الصادر عنه، لم يبادر إلى اتخاذ إجراء مسلكيّ أو طلب اتخاذ تدبير قضائي بحق ريفي، ولذلك
اعتكف واعتبر نفسه محرراً من موجبات الحقيقة.
ولهذا يعتقد جريصاتي أنه كان يفترض بوزير الداخلية أن يتخذ الإجراءات المسلكية التي يراها مناسبة، وأن يذهب مذهب المقاضاة بالوسائل المتاحة، كي لا يعطي الانطباع
أن «حاكم لبنان الإداري» كما كان يصفه الراحل كمال جنبلاط، قد انزوى أمام هجمة أو امتناع مدير خضع لسلطته، ما كان من شأنه أن يسحب فتيل التسييس والتمذهب الحاد
الذي حصل.
وبالتالي، ثمة ثغرة يمكن لوزير العدل النفاذ منها، ألا وهي أن بارود لم يتخذ الإجراءات المسلكية اللازمة، وأن الشكوى المرفوعة ليست من الوزير المتخص، أي وزير
الداخلية. وعلى الرغم من ذلك، يمكن لوزير العدل، ومن الناحية الدستورية، وبمعزل عن المؤتمر الصحافي من جهة، أو كتاب رئيس الجمهورية من جهة أخرى، أن يبادر إلى
إعمال المادة 14 من قانون المحاكمات الجزائية، فيكون قد أدى دوره خلاف سواه، وهي تنص على أنه يمكن لوزير العدل أن يطلب من مدعي عام التمييز إجراءات التعقبات
بشأن جريمة اتصل خبرها بعلمه، ولهذا الأخير إما أن يجري التحقيق مباشرة أو بواسطة معاونيه، قضاة النيابة العامة، أو عبر الضابطة العدلية التابعة له، من دون
أن يكون له حق الإدعاء.
كما يمكن لوزير العدل حفظ الملف لعدم توافر العناصر الجرمية في الحادثة المحالة، علماً بأن طلب وزير العدل لا يلزم المدعي العام، كما أن وزير العدل ليس ملزماً
من الناحية القانونية بإعمال المادة 14. وبالتالي الأمر متروك لتقديره... ومن دون أن يبرر فعلته.
أما تحرّك المدعي العام، فيفترض استحصاله على ترخيص الوزير المسؤول للملاحقة، أي الوزير المعتكف، أو الوزير بالوكالة الموجود خارج البلاد. ما يعني ضرورة تولي
أحدهما تلك الحقيبة كي يعطي الاذن. إلا أنه يمكن في حال عدم إعطاء الترخيص، أن يكون للنائب العام لدى محكمة التمييز أن يبتّ نهائياً في الموضوع، أي أن يلاحق
جزائياً من دون ترخيص.
بالنتيجة هل سيصحّ ما قاله أحد نواب «تيار المستقبل»: الجريمة حصلت، إلا أننا في لبنان؟

No comments:

Post a Comment