> 14 آذار في البريستول 1757 وإلا...
14 آذار في البريستول 1757 وإلا...
حوار بين السنيورة وأوغاسبيان في البريستول أمس (مروان بوحيدر)
اختارت قوى المعارضة أمس تأجيل مشروعها لإسقاط الحكومة، محددة مهلة زمنية لإطلاق هذه «الموجة»، فبدت كأنها تبحث عن الوقت بدل أن تحشر خصمها. الاجتماع الذي عقدته
في فندق البريستول بدا باهتاً بغياب رأسي 14 آذار. أمام ذلك، قرر المجتمعون اللجوء إلى «الضعوط الخارجية»، من باب طرق أبواب العواصم لا النطق باسمها
نادر فوز
طوال الأيام الثلاثة الماضية «ضجّت دنيا» قوى 14 آذار بإعلانها عقد مؤتمر «المحكمة طريقنا إلى الخلاص» لإطلاق مشروعها السياسي للمرحلة المقبلة. اجتمعت قيادات
وشخصيات هذه القوى طويلاً في فندق البريستول، وأنتجت نداءً يعلن قدوم «زمن الحقيقة والعدالة»، فحدّدت للرئيس نجيب ميقاتي مهلة زمنية أقصاها الجلسة الأولى لمناقشة
البيان الوزاري في مجلس النواب. اكتفت قوى 14 آذار أمس بالتهديد بأنها ستتّخذ موقعاً معادياً للحكومة في حال عدم إعلان ميقاتي التزامه بالقرار 1757، وإلا «فليرحل
هو وحكومته غير مأسوف عليهما».
وبغياب الرئيس سعد الحريري ورئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، بدت قوى 14 آذار باهتةً يتحكّم فيها الرئيس فؤاد السنيورة، من دون أن يكون
للرئيس أمين الجميّل أي سطوة على الجلسة، ولو أنّ نجله النائب سامي الجميّل بدا فاعلاً قبل الاجتماع وخلاله، بعد أن قاطع اجتماعات هذه القوى لأكثر من سنتين.
بهتان الجلسة جاء في الشكل والمضمون. مشهد الطاولة من دون قطبيها بدا ناقصاً. أما مضمونها، فكان «خبصة» بحسب أحد المشاركين الذي رأى أنّ «بعض الشباب، وخصوصاً
من النواب، حضروا بحثاً عمّن يصفّق لهم». لكن، من الذي لم يكن يعلم أنّ هذه القوى ستتبنّى خيار إسقاط الحكومة؟ وما الجديد الذي حمله البريستول؟ الجواب واضح:
تلويح هذا الفريق بورقة الضغط الخارجي وتكبيل الدولة اللبنانية وفرض الحصار عليها حكومة وشعباً، بلا حرج ومن دون أي اعتبار للسيادة التي سبق أن اتخذها هذا الفريق
شعاراً له خلال ثورة الأرز. ويؤكد أحد المشاركين أنّ تضمين البيان هذا البند هو بهدف «جسّ نبض هذه الدول لا أكثر»، مشيراً في هذا الإطار إلى أنّ قوى 14 آذار
ستؤلّف وفداً لزيارة سفارات الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، من دون أن تحسم عدد المشاركين في هذا الوفد وأسماءهم. فضلاً عن ذلك، ثمّة رسائل وخطوات
مبطّنة اختارت الأقلية أن تبقيها بعيدة عن الإعلام، باعتبار أنّ «حركة إسقاط الحكومة ستكون تصاعدية وتدحرجية». وأبرز الرسائل التي لم يشأ هذا الفريق إظهارها
علناً هي الآتية: انّ دم الرئيس رفيق الحريري بين يدي الرئيس ميقاتي. دم باقي شهداء ثورة الأرز بين أيدي من يحمي حزب الله. لا فرق بين الثلاثي ميشال سليمان
ـــــ نجيب ميقاتي ـــــ وليد جنبلاط وباقي الفريق الحاكم.
باختصار، اختارت المعارضة المحافظة على أوراقها، أكان لجهة التلويح باللجوء إلى الشارع من باب التعبير الديموقراطي أم باستخدام لغة الاتهام، كـ«حكومة القتلة»
أو «حكومة حماية نفسها والقتلة»، الأمر الذي أثار ضجّة بين البريستوليين، ودفع عدداً من المشاركين في المؤتمر إلى الامتعاض من المسوّدة المطروحة، والتشديد على
أنها لا تحمل اللغة المناسبة لمواجهة الحكومة، ولا تتضمّن خطوات عملية وواضحة يمكن التعويل عليها وإقناع الجمهور بها. شدّ تيار المشاركين لجهة «القصف المباشر
دون أي مهلة»، مواجهاً تياراً آخر اقترح إعطاء الرئيس ميقاتي يومين لتغيير موقفه. فماذا ينتظر المعارضون لإطلاق حملتهم على خصومهم؟ لا أحد يعرف، حتى من اجتمعوا
في البريستول أمس يجهلون لماذا حصل هذا التأخير.
وما يؤكد حالة عدم الرضى أنّ الجزء الأكبر من الاجتماع كُرّس لمناقشة أمر واحد: لماذا الانتظار حتى يوم الثلاثاء للمباشرة في مشروع إسقاط الحكومة؟ فالسيد حسن
نصر الله كان واضحاً في تأكيد عدم تعاونه مع المحكمة. انقضّ كثير من الصقور على زملائهم بالكثير من الأسئلة، مطالبين بتغيير لهجة البيان وتضمينه خطوات سياسية
واضحة تمثّل العمود الفقري لمشروع إسقاط الحكومة، داعين إلى مباشرة هذا المشروع من البريستول وعدم التريّث حتى يوم الثلاثاء لإطلاقه.
وتشير صورة النقاشات الداخلية، أمس، إلى أنّ عدداً من معدّي مسوّدة البيان انقلبوا على أنفسهم، وأوّلهم النائب الجميّل، عضو اللجنة الخماسية التي أعدّت المسوّدة،
وإذا به أمس ينتقد النبرة غير العالية وغياب الاقتراحات العملية، ما أعاد الأمور إلى الوراء، وخصوصاً بعد انضمام عدد من الصقور إلى ضفّة الجميّل الابن، فخاضوا
نقاشاً مستفيضاً مع السنيورة ومنسّق الأمانة العامة لقوى 14 آذار، فارس سعيد.
وأبرز الوجوه التي تحدثت بهذا النهج، النواب سامي الجميّل وهادي حبيش وبدر ونوس، والوزير السابق حسن منيمنة وعميد الكتلة الوطنية كارلوس إده. سأل هؤلاء: كيف
يمكن إسقاط الحكومة، وما العمل بعدها؟ مؤكدين أنّ المواجهة «يجب أن تكون للآخِر، دون تراجع ولا نقاش». كذلك طالب النائب حبيش بإضافة بند يطالب بإجراء انتخابات
نيابية مبكرة، فدعمه أصدقاؤه الصقور رافعين سقف البيان. ردّ الرئيس فؤاد السنيورة، الذي كان الرجل الأقوى أمس بغياب الشيخ سعد والحكيم، فأجاب عن أسئلة النواب
الطامحين لـ«الزقفة»، موضحاً (يعاونه عدد من المقرّبين) أنّ المطالبة بانتخابات نيابية مبكرة تدفع إلى مجموعة من العناوين الأخرى، وهي: تأليف حكومة محايدة،
إقرار قانون جديد للانتخابات وحسم ملف سلاح حزب الله. وافق الجميع على طرح السنيورة، من دون أن يلغي ذلك أسئلتهم عن سبب تأجيل المطالبة بإسقاط ميقاتي.
ومن تابع نقاشات الأقلية الجديدة قبل مؤتمر البريستول وخلاله، يفاجأ بالنتيجة التي خلص إليها هذا الاجتماع الذي لم تعبّر مسوّدة بيانه عمّا يلزم من تعبئة وغضب
واستنكار، تماشياً مع موقف الأمين العام لحزب الله ولهجة خطابه يوم السبت، فخاض المجتمعون نقاشاً واسعاً في إمكان تحويل الاجتماع إلى بيان للردّ على نصر الله،
فكان أن حسم السنيورة وسعيد النقاش مجدداً بأن «يمرّ البيان على كلمة نصر الله دون الاستفاضة في الرد عليه».
كذلك اقترح النائب حبيش والعميد إده تضمين البيان عبارة «حكومة سوريا وحزب الله»، فاختلف المجتمعون مجدداً على الموقف من سوريا وإمكان الإشارة إلى هذا الموقف
في البيان. فكان أن تدخّل السنيورة من جديد مقترحاً «البقاء في لبنان».
بعد هذه النقاشات المستفيضة، اجتمعت لجنة إعادة صياغة البيان، التي ضمّت النواب جورج عدوان ونهاد المشنوق وسامي الجميّل ممثلين لأحزاب 14 آذار، والنائب مروان
حمادة والنائب السابق فارس سعيد وعضو الأمانة العامة نصير الأسعد. التأمت هذه اللجنة وأجرت التعديلات على المسوّدة، فخرج البيان ـــــ النداء على الشكل الآتي:
ترفض الأقلية أن «يأتي البعض ليضعنا أمام معادلةٍ ظالمة وغير أخلاقية، مفادُها أن العدالة تهدّد السلمَ الأهلي»، أضيف إليها بعد كلمة نصر الله «وأنها (أي العدالة)
لن تطبّق في لبنان ولو بعد قرون». وأكد البيان أنّ «مطالبتنا بالحقيقة والعدالة في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر الشهداء الأبرار، هي من أجل
لبنان المستقرّ وسلمه الدائم. والعدالة هي ضمانةُ اللبنانيين جميعاً وأملهم، ولا تمثّل تحدّياً إلا للمجرمين، هي اليوم وسيلتنا الأساسية لحماية لبنان، والحؤول
دون عودته إلى ما كان عليه قبل ثورة الأرز في عام 2005». ولفتت الأقلية إلى أنه لم يعد مقبولاً «بعد كل تلك التجارب المريرة أن يبقى السلاح غير الشرعي وصيّاً
على الدولة في التحكّم في مسؤولياتها الوطنية». وأشارت المسوّدة إلى أنه «بعد ما سمعناه أمس من منطق يعتمد غلبة السلاح والقوة على كلّ اللبنانيين ما أكّد ارتهان
الحكومة لهذا المنطق، نطالب رئيس الحكومة بإعلان التزامه، أمام المجلس النيابي صباح الثلاثاء، بالقرار 1757 بشكلٍ صريحٍ ومباشر، الخطوات التنفيذية لهذا القرار
أو... فليرحل هو وحكومته غيرَ مأسوف عليهما».
وشدّدت قوى 14 آذار على النقاط الخمس الآتية: مواجهة المسار المُدَمّر للعيش المشترك وللدولة وللنظام السياسي ومتابعة النضال لكسر هذه الغَلَبة القائمة على
السلاح. مباشرة العمل لإسقاط هذه الحكومة التي جاءت بانقلاب، ابتداءً من الثلاثاء، ما لم يعلن رئيس الحكومة التزامه تنفيذ القرار 1757 وفقاً لما أشرنا إليه
آنفاً. إطلاق حملة سياسية عربية ودولية لإخراج الجمهورية من أسر السلاح، والطلب من الحكومات العربية والمجتمع الدولي عدم التعاون مع هذه الحكومة في حال عدم
تنفيذها مندرجات القرار 1757. قيام 14 آذار بكل الخطوات السلمية التي تراها مناسبة حفاظاً على دماء شهداء ثورة الأرز ومستقبل العدالة والأجيال الصاعدة في لبنان.
وأخيراً التأكيد على إبقاء الاجتماعات مفتوحة «وتشكيل هيئة طوارئ لمتابعة التطورات واتخاذ المواقف المناسبة». واختصرت الموقف: «لا لحكومة حزب الله. نعم للحرية
والعدالة. نعم للعيش المشترك، والديموقراطية والدستور».
هجوم الأقليّة «بالمفرد» على حزب اللّه
منذ يوم الخميس الماضي يستمرّ السجال الداخلي منحصراً في شؤون القرار الاتهامي وشجونه، وأوّلها موقف الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، من هذا القرار. أكثر
المواقف حدة، قبل بيان البريستول أمس، صدر على لسان عضو كتلة المستقبل النائب نهاد المشنوق الذي دعا وزراء حزب الله إلى التنحّي عن الحكومة «تحت عنوان الارتياب
المشروع». فبرأيه، «لا يستقيم أن يكون أعضاء من حزب الله في الحكومة، وآخرون مشتبه فيهم من نفس الحزب في اغتيال رفيق الحريري ومطلوبين للعدالة الدولية، حتى
جلاء الحقيقة». ذهب المشنوق بعيداً في حديّة موقفه أمس، فأشار إلى أنّ حكومة الرئيس نجيب ميقاتي هي «حكومة الخيانة والأكثرية المسروقة»، مضيفاً: «إذا اعترضنا
قيل إننا لا نريد الاستقرار. ولكن ما قيمة الاستقرار من دون كرامة وعدالة وحرية ووطنية»؟ وحذّر المشنوق من توجيه أي إساءة أو تهمة إلى «الطائفة الإسلامية الشيعية
التي هي جزء منا ونحن جزء منها، وهي أشرف وأنبل من أن يطالها أي كلام عن الاغتيال. أما حزب الله، فهو جسم سياسي وأمني، لذا لن تكون هذه الحكومة مؤتمنة على قرار
مجلس الأمن الذي يعنينا ويحقق كرامتنا السياسية. فمن واجب وزرائه تعليق مشاركتهم في السلطة التنفيذية حالاً، لا الاستقالة». وأكد أنّ «الفتنة تحتاج إلى من يوقظها،
ونحن لا نريد إيقاظها، وليس لدينا السلاح لإيقاظها».
وفي السياق ذاته، رأى نائب رئيس حزب الكتائب، سجعان قزي، أن «كل الفرضيات قائمة في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري بما فيها إسرائيل»، وتوجه إلى السيد حسن
نصر الله بالقول: «بكفّي»، داعياً إياه إلى «تسليم المتهمين إلى المحكمة الدولية». ولفت قزي إلى أنه لا «أحد من الأفرقاء الداخليين أو الدوليين يتهم حزب الله
كما فعل السيد نصر الله خلال مؤتمره، عندما دافع بقوة عن المتهمين». وشدد قزي على أنّ الحزب أصبح خارجاً عن العدالة الدولية «بعدما كنا نعتبره حزباً خارجاً
عن الميثاقية»، مشدداً على أنه «لم يعد هناك إمكان لعقد طاولة الحوار أو تأليف حكومة وحدة وطنية يتمثل فيها حزب الله».
في المقابل، أكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسن فضل الله أمس ضرورة اغتنام فرصة وجود هذه الحكومة «لنبدأ العمل بمعزل عن الضجيج والإثارات والمحاولات من
هنا وهناك»، مشدداً على أنّ الحكومة ستنال الثقة، وأنّ «الرد على كل الأقاويل والمواقف والإثارات يكون بالإنتاج والعمل». على صعيد آخر، أكد البطريرك بشارة الراعي
أمس أن «لبنان هو عنصر استقرار»، مشيراً إلى أنّ «لبنان المشقّف بين 8 و14 يستوجب عقداً اجتماعياً انطلاقاً من ميثاقنا الوطني». ورأى الراعي خلال لقائه فاعليات
مدينة البترون أنه «ليس مقبولاً أن يأخذ أحد قراراً يختزل به الشعب اللبناني بأجمعه، لأن لدينا دستوراً واضحاً يحترم كل فرد في لبنان»، مشدداً على «أننا في
حاجة إلى ذهنية جديدة ورؤية جديدة ولغة ديموقراطية، ولن نقبل بأن يتسلّم أحد مصيرنا».
خارجياً، برز أمس موقف وزير الخارجية المصري، محمد العرابي، الذي شدد على أنه «لا مجال للمفاضلة في لبنان بين العدالة والاستقرار، حيث إن العدالة هي مطلب لكل
لبناني وهي الضامن لتحقيق للاستقرار». وأشار العرابي إلى أنّ تحقيق العدالة يقتضي استمرار عمل المحكمة وفقاً للأصول القانونية، لافتاً إلى أنّ «التحقيق سيجري
مع أفراد متهمين لا مع تنظميات سياسية أو دينية، انطلاقاً من براءة كل متهم حتى ثبوت الإدانة»، معبّراً عن ثقة بلاده بالتزام الأفرقاء اللبنانيين بوحدتهم، وبأن
اللبنانيين «لن يسمحوا بأن يكون دم الشهداء مصدراً للفرقة في ما بينهم». بدوره، رأى سفير حقوق الإنسان في وزارة الخارجية الفرنسية، فرانسوا زيموراي، أنّ «رسالة
فرنسا واضحة، فهي متشبّثة بمفهوم عدم الإفلات من العقاب. نحن نقارب العدالة الدولية من منظار كونها أهم تقدّم للمجتمع الدولي منذ إعلان حقوق الإنسان، شكل اعتماد
المحاكم الدولية بداية لتفاهم دولي حول محاكمة الجرائم». ولفت إلى أن «الجرائم التي وقعت في لبنان لم تطل شخصيات بذاتها، بل وجّهت ضدّ الديموقراطية، لذا نحن
متشبّثون بالعدالة الدولية والمحكمة هي أحد وجوهها، وفرنسا تدعمها في مبدئها وتشجعها في عملها وفي حيثياتها ومسارها». ودعا زيموراي الحكومة إلى «دعم هذه المحكمة
من دون أحكام مسبقة».
الاخبار
No comments:
Post a Comment