عندما تنكسر الجرة بين «الآذاريين» وميشال سليمان..
مارون ناصيف
لم يكن بالأمر المستغرب الهجوم الذي شنته قوى الرابع عشر من آذار خلال الأيام الثلاثة لجلسات الثقة ومن القاعة العامة في المجلس النيابي، باتجاه القصر الجمهوري
ورئيسه ميشال سليمان، لأن الأسبوع الذي سبق هذا الهجوم تخلله موقفان نافران من الرئاسة الأولى: الأول، جاء على لسان عضو المكتب السياسي في «تيار المستقبل» مصطفى
علوش الذي اعتبر أن رئاسة الجمهورية فقدت هيبتها، والثاني، اتهم خلاله وزير الدفاع السابق الياس المر، «سيّد بعبدا» بكشفه أمنياً. حال النفور تلك بين الآذاريين
والرئاسة الأولى، انفجرت كلياً بين الفريقين عندما صدرت من القصر الجمهوري مراسيم تأليف حكومة نجيب ميقاتي. فمنذ تلك اللحظة تعتبر قوى الأقلية أن «رئيس الجمهورية
شريك أساس بعملية إسقاط الرئيس سعد الحريري عن كرسي الرئاسة الثالثة».
هذه القناعة الآذارية يشرحها أصحابها انطلاقاً من الحجج التالية:
أولاً – في الوقت الذي كان فيه الحريري رافضاً لتوزير راسبين في الانتخابات النيابية، عندما كان مكلفا بتشكيل حكومة ما بعد انتخابات العام 2009 النيابية، كان
العماد ميشال عون مصراً على توزير جبران باسيل، وما إن أعلن الحريري هذا الموقف حتى أتاه الرد قولاً وفعلاً من قصر بعبدا، فصرح رئيس الجمهورية أنه مع توزير
راسبين ولم يكتف بهذا، بل قام بدعوة عون وباسيل الى الغداء معاً، في رسالة سياسية واضحة، ما دفع الحريري الى التراجع عن هذا الشرط الهادف لإحراجه فإخراجه».
ثانياً – بحسب الآذاريين «كان رئيس الجمهورية، يصرح بشكل يومي أنه لن يمسك القلم ويوقع مرسوم تشكيل حكومة لا تضم كافة الأطراف اللبنانيين، وهذا ما تجاهله تماما
عند تكليف نجيب ميقاتي، فوقع بقلمه مراسيم حكومة لا تضم كافة الأطراف، وأكثر من ذلك بكثير وقع بقلمه على مرسوم حكومة غابت عنها الغالبية العظمى من ممثلي الطائفة
السنية».
ثالثاً - يعود الآذاريون في هجومهم على رئيس الجمهورية الى مرحلة تشكيل الحريري حكومته، معتبرين أن الأخير كان حريصاً على عدم اظهار عرقلة ميشال سليمان أمام
الرأي العام اللبناني من خلال نفيه الدائم لها. وفي هذا الإطار يذكرون كيف أنه قام بتقديم تشكيلة حكومية لسليمان، فرفضها وعندها قدم الحريري اعتذاره نافياً
في الوقت عينه وجود أي خلاف مع رئيس الجمهورية ومتلافياً أن يذكر أنه قدم له تشكيلة وتمّ رفضها.
رابعاً - لا ينسى الآذاريون «خطوة رئيس الجمهورية التي أقدم فيها وبشكل غير دستوري على تأجيل الاستشارات النيابية أسبوعاً، مفسحاً المجال أمام أصحاب «القمصان
السود» للنزول في شوارع بيروت ترهيباً، مما دفع النائب وليد جنبلاط للانقلاب على الحريري وبالتالي تسمية ميقاتي رئيساً مكلفاً».
الخلاف بين الآذاريين ورئيس الجمهورية لا يقف عند حدّ هذه الحجج الأربع، لأن كواليسهم تشهد أيضاً تذكيراً بكيفية تولي سليمان قيادة الجيش اللبناني بإرادة النظام
السوري، ووصوله للموقع الرئاسي بالإرادة ذاتها، وثمة حديث عن «إخفاقات وخيبات أمل بالجملة» يعمد الآذاريون لشرحها كالآتي:
أولاً - إن الرئيس التوافقي الواصل إلى قصر بعبدا تحت مظلة اتفاق الدوحة كان انتخابه في حدّ ذاته انجازاً وحدثاً بالنسبة للبعض، لكنه اليوم بات أبعد ما يمكن
الى التوافقية خصوصاً بعدما غطى حكومة غير توافقية وقبلها انقلاب فريق 8 آذار على اتفاق الدوحة من خلال الاستقالة من الحكومة. علما أننا لو أردنا محاكمة سليمان
ثمة وقائع تشي بتورطه مع 14 آذار في المعارك الانتخابية النيابية والبلدية.
ثانياً – «لقد حظي سليمان بدعم عربي وإقليمي عند وصوله الى بعبدا، غير أن وثائق «ويكيليكس» كشفت باطنيته وفضحت نياته الإلغائية خصوصاً تجاه من دعمه للوصول الى
منصبه، إذ أعرب رئيس الجمهورية عن نيته في إسناد حقيبة الداخلية لإلياس المر كونه الأكثر عدائية لـ«حزب الله».
ثالثاً – في العهد السليماني، انعقدت طاولة الحوار الوطني لأشهر في جلسات روتينية وحلقة مفرغة، قبل أن تتوقف من دون نتائج ملموسة وكان لافتا للانتباه أن رئيس
الجمهورية كان يساهم في زيادة «الوقت الضائع». كما أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري شلت قدراتها لتصبح الأقل انتاجية والأقرب إلى حالة تصريف الأعمال
قبل استقالتها، حتى إنها لم تفلح في تعبئة الفراغات في الدولة وملء المراكز الشاغرة الآخذة في الاتساع وكل ذلك بسبب تردد رئيس الجمهورية وخير مثال على ذلك موقفه
من ملف شهود الزور.
رابعاً – حتى في الأوقات التي كان يستطيع فيها ميشال سليمان أن يمارس ما لديه من صلاحيات ظهر فاقداً لروح المبادرة والإقدام ولعب دور المتفرج على الأحداث والمواكب
لها بصفة مراقب، بينما كان المطلوب أن يكون للرئاسة دور وتأثير على مجريات الأحداث ومسار الأوضاع.
خامساً – يسخر الآذاريون كثيراً من عبارة «وزراء الرئيس» أو «حصة الرئيس» ويعودون الى تجربة حكومة «الوحدة الوطنية» في هذا المجال ليقولون إن «الوزير الأول
أي زياد بارود سقط بعد تخلي الرئيس عنه سياسياً، والثاني الياس المر وصفه فخامته بـ«أضعف ضابط في الجيش اللبناني». أما الوزير الثالث، عدنان السيد حسين فتبين
أنه «الملك» الذي زرعه «حزب الله» عند ميشال سليمان ولولاه لم تكن لتسقط حكومة سعد الحريري.
سادساً ـ كان الحري برئيس الجمهورية أن لا يتنازل عن تفاهم لبناني عربي ودولي تكرس في الدوحة، يعطيه الحق وحيدا بأن يختار وزيري الداخلية والدفاع بصفته القائد
الأعلى للقوات المسلحة، وهو بتنازله عن هاتين الحقيبتين، أضعف موقع الرئاسة الأولى ولم يعد يحق له أن يطالب بتعزيز صلاحيات الرئاسة الأولى أو المس باتفاق الطائف
ولو تحت عناوين أو مسميات أخرى.
سابعا- من الأمور التي تأخذها قوى 14 آذار على رئيس الجمهورية انشغاله «بترتيب أوضاعه» عبر النجل أو الصهر أو الشقيق وكل ذلك باسم العهد، وفي نصفه الأول، على
عكس غيره ممن كانوا يدعون هذه المهمة حتى السنة الأخيرة من عهدهم.
وينتقل الآذاريون في عتبهم على رئيس الجمهورية الى محاربته بخطاب القسم. وفي هذا الإطار يعتبرون أن رئيس البلاد سقط أمام الامتحان الكبير ألا وهو المحكمة الدولية
بعد انتهاء جلسات الثقة، ويسألون «أليس هو من قال «قسمي هذا التزام علي، كما إرادتكم هي التزام أيضاً»، من دون أن يحقّق فخامته أي شيء من الكثير الكثير الذي
وعد به اللبنانيين؟ أليس هو من عجز عن تنفيذ ما أقسم عليه بالقول «إن البندقية تكون فقط، باتجاه العدو، ولن نسمح بأن يكون لها وجهة أخرى، أليس هو من عجز عن
إدارة طاولة الحوار على رغم قسمه على حتمية وجود «إستراتيجية دفاعية تحمي الوطن، متلازمة مع حوار هادئ، للاستفادة من طاقات المقاومة، خدمة لهذه الإستراتيجية،
فلا تُستهلك انجازاتها في صراعات داخلية، ونحفظ بالتالي قيمها وموقعها الوطني».
ويختم الآذاريون: «أليس فخامة الرئيس من أقسم على أن «علاقاتنا الخارجية، تبقى الأصلح والأفعل، بمقدار ما تنطلق من هذا الميثاق، فتؤمن وتحمي، مصالح لبنان وتحترم
خصوصيته وتتيح له استعادة دوره الفاعل، في محيطه العربي، والمجتمع الدولي، كونه المثال الحي لتعايش الثقافات»، وأين هو اليوم من حكومة الانقلاب على قرارات المجمتع
الدولي؟» ثم أين فخامة الرئيس من قسمه القائل «إن التزامنا مواثيق الأمم المتحدة، واحترامنا لقراراتها، يعود لقناعتنا الراسخة بالشرعية الدولية المستمدة من
مبادئ الحق والعدالة، وإذ نؤكد مساهمتنا في قيام المحكمة الدولية الخاصة، بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وما تلى من اغتيالات، فذلك تبيان
للحق، وإحقاق للعدالة»؟
No comments:
Post a Comment