تركيا والحكومة اللبنانية الجديدة
محمد زاهد غول
بالرغم من تقدير الخطوة الهامة المتمثلة بنيل حكومة نجيب ميقاتي ثقة البرلمان اللبناني، بعد أشهر من الانتظار والصعاب، إلا أن المخاوف لا تزال قائمة من مزالق
مقبلة، ولا يملك المتابع لأحداث لبنان والمشهد السياسي فيه إلا أن يناشد كل القوى اللبنانية بالتنبه إلى خطورة الوضع محلياً وإقليمياً ودولياً، فلا يمكن القول
حتى الآن إن لبنان قد تعافى مما يعانيه من ضعف بمجرد تولي ميقاتي رئاسة الحكومة، بل إن طريقة التصويت على الثقة كشفت عن شرخ كبير في كلا طرفي المعادلة السياسية
الحاكمة والمعارضة في لبنان.
إن تركيا إذ تدرك هذه المخاوف، وإذ تقف على مسافة واحدة من كل الأطراف اللبنانية، إلا أنها تتطلع إلى التعاون مع الحكومة الجديدة، التي تربطها مع رئيسها نجيب
ميقاتي علاقات ممتازة، وتسعى إلى استثمارها لمزيد من التعاون بين الحكومتين الجديدتين في لبنان وتركيا، فتركيا تؤمن بالخيار الديموقراطي الذي أفرزه مجلس النواب
اللبناني، لأن ما تم في التصويت على الثقة بالحكومة ورئيسها نجيب ميقاتي يعبر عن شرعية ديموقراطية لبنانية حقيقية، لا تملك دول العالم كافة إلا الاعتراف بها
واحترامها، خصوصًا مع تعهد رئيس الوزراء الجديد نجيب ميقاتي في بيانه الوزاري احترام حكومة لبنان للشرعية الدولية وقراراتها الدولية، بالتشاور مع كل الأطراف
اللبنانية.
إن لبنان أمام مستقبل صعب منذ سنوات، وبالأخص بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبصورة أخص بعد محاولة أطراف داخلية وخارجية استثمار هذا الاغتيال في زيادة الشرخ
الداخلي اللبناني، في إضعاف لبنان وتفتيته، وإننا نرى أن الحكمة تتطلب من كل الأطراف اللبنانية أن تضع مستقبل لبنان نصب عينيها.
إن أطراف المعادلة اللبنانية، بغض النظر عمن يملك الأغلبية اليوم ومن سيملكها غداً، مطالبون جميعا بأن يفكروا بمستقبل لبنان وهو جزء من محيطه العربي أولاً،
والإسلامي ثانياً، والدولي ثالثاً، ودون أن يكون ذلك بالتناقض ولا على حساب دائرة على أخرى، بل بترتيب الأولويات الوطنية والقومية والإسلامية والدولية، فالمجتمع
الدولي وهيئاته القانونية والدولية في الأمم المتحدة أو غيرها، لن تكون حريصة على مستقبل لبنان أكثر من اللبنانيين، ولن تكون حريصة على إقامة العدالة من أجل
إحقاق العدالة فقط، لأن العالم يشهد مواطن كثيرة في العالم لا تعرف العدالة، وفيها من المشاكل الداخلية وجرائم الاغتيال الدولي أكثر مما شهده لبنان، ولكن دون
ان تحرك الأمم المتحدة ولا محكمة العدل الدولية ساكناً.
إن حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، التي لها كامل الثقة في حكمة الرئيس ميقاتي واستقامته، تتطلع إلى أن تكون وسيط خير وتقارب بين الأطراف اللبنانية دائماً، من
أجل لبنان أولاً، ومن أجل اللبنانيين جميعاً ثانياً، ومن أجل استقرار المنطقة وتقدمها وعدم تعثرها في مشاكل ومناكفات ثالثاً، وهي إذ ترحب بتشكيل الحكومة اللبنانية
الجديدة، فإنها تتطلع إلى أن تسودها في الأيام المقبلة روح جديدة من التعاون والتفاهم.
لقد أثبت اللبنانيون في الشهر الأخير بأنهم عباقرة في فن السياسة والحوار واللعبة الديموقراطية، وأن في لبنان قوى سياسية حكيمة، قادرة على تجاوز الصعاب والتغلب
عليها بجدية، لأن المخاطر المحدقة لا تتهدد طرفاً واحداً بعينه، ولا طائفة واحدة دون غيرها، وإنما المستهدف هو لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته ومؤسساته المدنية
والعسكرية، وبكلام أوضح: إن المستهدف ليس مستقبل لبنان واستقلاله فقط، بل المنطقة بمجملها هي في دائرة الاستهداف بحكم ما فيها من صراعات دولية وإقليمية.
[ كاتب تركي
No comments:
Post a Comment