> رسالة دمشقيّة بالإجماع: قل لأهل بيروت
رسالة دمشقيّة بالإجماع: قل لأهل بيروت
جان عزيز
كل ما حول «اللقاء التشاوري» الذي دعت إليه «هيئة الحوار الوطني» في سوريا، يرسم صورة الأيام المقبلة: المجمع حيث عقد اللقاء اسمه «صحارى». الجغرافيا المحيطة
بالمكان معبّرة عن التسمية تماماً، في ذلك الجزء شبه القاحل من ريف دمشق. لم يكن ينقص غير تلك الحرارة الأربعينية، ليكتمل المشهد: الجميع هنا أمام عملية عبور
بطيء لصحراء شاسعة ممضّة، وقد تكون قاتلة لبعض العابرين.
بالتأكيد هو أكثر من لقاء حواري. على الأقل لقاءان. وعلى الأكثر هو تمرين عملي واقعي حيّ، على منطق البدايات. لكن كأنها بداية مباغتة، فجائية. كأنها فُرضت على
عجل. وكأنها بداية لرحلة صوب وجهة لا يتضح منها غير التسمية، أما الرؤية فأقرب إلى الصحراء. هو منطق البداية ما يسود هنا إذاً: انطلاقة على غير هدى أو بلا خريطة
طريق. بعض فوضى في التنظيم وبلبلة في التفكير. خرق للسقوف، وخشبيات موروثة، وكل ما بين كل هذه، في لحظة واحدة ومعاً.
غير أن الأجمل هو هذا التلاقي بالذات، تحت خيمة من جوت وخيش وقش. تلاقي المئة والثمانين درجة من الأفكار والتوقعات. هنا تسمع مثلاً أنه لا لزوم بعد اليوم لرفع
الصوت بضرورة إسقاط النظام. فالنظام سقط فعلاً. بل هو ساقط أصلاً. كل ما ترى منه مجرد هياكل عظمية. المؤسسات فرغت، الآليات اندثرت. الأشخاص استهلكوا. لم يبق
من كل النظام إلا الرئيس. صمد فوق الغربال. نجا من الطوفان، بسبب شعبيته، وقوة استمراره في أذهان خصومه حتى، وبسبب الخواء السياسي والتنظيمي عند المعارضة...
هنا أيضاً، تسمع الكلام المعاكس، أو حتى المناقض: النظام انتصر. يكفيه أنه لم يسقط في عاصمته، ولا في المدن الكبرى، ولا في تحول حركة الاحتجاج موجة شعبية عارمة.
ما بقي مشاهد كاريكاتورية لمسخرة معارضة. يخبرك مسؤول رسمي أنه قبل لحظات كان ثمة عرس لزوجين في كنيسة وسط العاصمة. تجمهر المدعوون الى العرس. وقفوا في الشارع
المقابل لباب الكنيسة. قبل أن يقفز بينهم اثنان من «محترفي معارضة اليوتيوب». حملا لافتة تدعو الى إسقاط النظام. التقطا بهاتفيهما الخلويين صوراً للجمع تحت
اللافتة، وهرولا مسرعين. هذا المساء ستجد حتماً على «الشبكة» كما على الفضائيات المعروفة، خبراً عن تظاهرة لمسيحيي دمشق، يطالبون بذهاب الرئيس... ويكرّ المتبرعون
بالأخبار المماثلة. بعضهم يروي لك حكايات كأنها مقتبسة عن بعض بيروت: يقف متعهدو التظاهرات عند نواصي الشوارع. يبادرون أول شاب عابر: هذه ألف ليرة سورية، شارك
في التجمع الجاهز الآن وهنا، على بعد أمتار...
لكن، هنا أيضاً تسمع الكلام الآخر: تأخر النظام كثيراً في كل خطوة من خطواته. حتى إنه جعل نفسه يدفع الأثمان أضعافاً مضاعفة: في درعا بدأت القصة نوعاً من دعابة
ولادية. انتهى الأمر الى كارثة. في حمص، انطلق الاحتجاج للمطالبة بتغيير المحافظ. لكنّ تجاهل الأمر رسمياً، وصمّ الآذان عن صوت الناس، جعلا المطلب يرتقي صعوداً
من المحافظ حتى رأس الهرم. في دوما، هنا بالقرب منا، كانت الحكاية في بدايتها تظاهرة صغيرة ضد رئيس مقسم الهاتف، الذي كان بعض السكان يتهمونه بفرض أتاوات على
أهل المحلة لقاء حصولهم على حقوقهم كمواطنين. غير أن اللامبالاة الرسمية نفسها نقلت الحدث من قصة مقسم، الى قصة تقسيمية... في 15 آذار الماضي تاريخ بداية الاضطرابات،
يقول المعارضون، كان من الممكن لقرار يقضي بإلغاء حصرية المنطقة الحرة على الحدود، التي يملكها رامي مخلوف، أن يعالج الوضع. اليوم كل عائلته صارت على المحك.
حتى اضطر الرئيس إلى شطب 110 مهن من لائحة المهن التي تقتضي مزاولتها في سوريا، موافقة أمنية مسبقة، وهي غالباً موافقة استنسابية، لا تخضع لأي تعليل أو أسباب
موجبة في القبول... ولا طبعاً في الرفض.
في زاوية أخرى من حديقة الكافيتيريا المتحولة نوعاً من فرن في الهواء الطلق، تقابلك الابتسامات حيال كل ما سبق: المشكلة خارجية بنسبة تسعين في المئة. ما من
عوامل داخلية قادرة على تغيير الوضع هنا إطلاقاً. المثقفون وأهل القلم وكل المشاركين والمقاطعين للقاء، لا يحركون مئة شخص في الشارع. هل تتصور الأستاذ كيلو
أو الأستاذ الطيب مرشدين لتظاهرة الاستفزازيين في حماه قبل يومين؟؟ الكباش هو بيننا وبين الدول. ونتجه الى حسمه. لقد تعبت ذراعهم ولم تنثن ذراعنا. الرياض تدعو
طهران الى الحوار. أنقرة قد تتحول من محاصِرة، الى محاصَرة بين مواقف موسكو وبغداد وطهران. الهجوم علينا في نهاياته. الباقي تفاصيل.
في مختلف زوايا اللقاء، تسأل عن سوريا غداً. إنه السؤال الوحيد الذي يلقى إجماعاً من الموالين كما المعارضين: لا عودة قطعاً الى سوريا ما قبل 15 آذار. الكل
متفقون: سوريا تغيّرت، وستتغير أكثر بعد. قل هذا لأهل بيروت.
الاخبار
No comments:
Post a Comment