> «سوليدير» سبب الغلاء
«سوليدير» سبب الغلاء
محمد وهبة
تصدير ارتفاع الاسعار إلى المحيط وسط فروق تنموية
لا شكّ في أن تأثير سوليدير على المناطق المحيطة بحدودها العقارية كان له أثر «غير محمود»، فالأسعار هناك ارتفعت إلى مستويات قريبة مما هي عليه في وسط بيروت،
رغم أن البنية التحتية لهذه المناطق ليست متساوية، فيما هناك فوارق جوهرية في النسيج الاجتماعي الذي يحدّد هوية كل منها ويفصل وسط بيروت عن باقي محيطها القريب
والبعيد.
إذاً، تصدّر سوليدير ارتفاع أسعار العقارات إلى أربع مناطق محيطة بها؛ شرقاً هناك الصيفي، وجنوباً الباشورة ـــــ مونو، وزقاق البلاط، فيما تقبع القنطاري غرباً.
في هذه المناطق بدأت أسعار العقارات تقترب مما هي عليه في سوليدير، بحسب تقرير لشركة «رامكو» العقارية. ففي الصيفي صار سعر متر الهواء يراوح بين 2000 دولار
و2500 دولار، أما في القنطاري فيراوح بين 1500 دولار و2000 دولار، فيما يبلغ في زقاق البلاط بين 1000 دولار و1500 دولار وفي مونو والباشورة صار سعر متر الهواء
يراوح بين 1000 دولار و1500 دولار أيضاً.
في المقابل، يراوح سعر متر الهواء في سوليدير، بحسب رئيس مجلس إدارة «رامكو» رجا مكارم، بين 3000 دولار و4000 دولار لمتر الهواء في منطقة وسط بيروت (المنطقة
غير المردومة).
رغم أن تأثير «سوليدير» على الأسعار هو أمر حاصل، فهو ليس منطقياً نظراً إلى التناقض في المنطقتين حيث الفروق التنموية والطبقية هائلة. هي فروق لم تحصل بفعل
الطبيعة أو الصدفة، بل كانت مدروسة ومخططاً لها قبل أن تنتهي الحرب الأهلية في لبنان. فمشروع سوليدير كان هو النقطة التي انطلق منها «مشروع ترسيخ الفروق». دليلاً
على ذلك، يقول أمين سر نقابة المهندسين في بيروت علي حطيط، إنه جرت خلال التسعينيات محاولات عديدة لضمّ المناطق المحيطة بوسط بيروت أو ما سمّي «سوليدير». فعلى
سبيل المثال، حاول المالك الأساسي لسوليدير، في حينه، «أن يضمّ منطقة الباشورة المسجّلة «وقفاً عثمانياً»، فزار تركيا في محاولة لتسويق فكرة الشركة العقارية
لإعادة إعمارها، بهدف ضمّ كل المناطق والأحياء المحيطة إلى حدود «سوليدير»، أو إمرار طرق فيها، ومنافع عقارية أخرى». وفي ذلك الوقت، «جرت محاولات عديدة من أجل
شراء عقارات في المناطق المحيطة بعدما سرت شائعات عن هذا المشروع».
هذا الوضع أدّى إلى تركّز في البنية التحتية انفردت به سوليدير، فحتى اليوم لا تزال المناطق المحاذية عقارياً لسوليدير، «تعيش حرماناً وفقراً، مثل زقاق البلاط
والباشورة وخندق الغميق...» يقول حطيط. فهناك أي في وسط بيروت حيث اقتطعت الاراضي والأملاك والعقارات المبنية لمصلحة سوليدير بأسعار بخسة، صار اليوم الوضع مختلفاً،
إن على مستوى مفهوم هوية المنطقة والهدف الاجتماعي والاقتصادي من إعادة إعمارها، أو لجهة حجم الإنفاق عليها لإنشاء بنية تحتية مستقلّة عن كل لبنان وليس عن المحيط
فقط. وبحسب دراسة لتجمّع أصحاب الحقوق في وسط بيروت، فقد أُنفقت مئات ملايين الدولارات من الخزينة العامة وعلى حساب أصحاب الحقوق من أجل تطوير منطقة وسط بيروت.
كذلك حصلت الشركة التي استولت على أملاك أصحاب الحقوق على عشرات الإعفاءات والاستثناءات، لبيع عقارات وتحقيق أرباح ريعية تبذّرها الشركة يميناً ويساراً. ففي
السنوات الثلاث الأولى التي تلت إنشاء شركة «سوليدير» ارتفعت كلفة الأشغال المخصصة للمشروع بقيمة 368 مليون دولار، لتصبح 1018 مليون دولار، أي بزيادة نسبتها
56.6% على المبلغ المحدّد سابقاً بقيمة 650 مليون دولار، لكن الأرقام المنشورة في التقرير السنوي للشركة تشير إلى أن كلفة الأشغال في وسط بيروت ارتفعت إلى 2000
مليون دولار في عام 2010، فيما يتوقع تجمّع أصحاب الحقوق أن يكون هناك المزيد من الإنفاق.
كل هذه المبالغ أنفقت في مربع لا يتجاوز حجمه الإجمالي (مع المنطقة المردومة) 1.5 كيلومتر مربع، فيما كانت المناطق المحيطة تعيش على فتات ما تقدّمه الدولة عبر
مجلس الإنماء والإعمار، إذ بلغ إجمالي الإنفاق على كل البنية التحتية في لبنان وبعض المشاريع التنموية نحو 7 مليارات دولار.
بنتيجة الإنفاق بات المشهد مختلفاً، ففي وسط بيروت صار كل شيء خاصاً ومسيطراً عليه من إدارة سوليدير وحدها؛ شبكة للمياه وثانية للكهرباء وثالثة للهاتف ورابعة
للانترنت... وكاميرات مراقبة، وخدمات للمؤسسات الاقتصادية وللسكّان. ومن أبرز مظاهر التغير الجوهري في مفهوم النسيج الاجتماعي والهندسي لوسط بيروت، تغيّر قاطنيه.
ففي السابق «كانت ساحة البرج الملتقى لكل الفئات والمستويات لكونها تجمع بين الأشرفية والبسطة والمصيطبة ورأس بيروت، وكانت هي العصب الاساسي في المنطقة تجارياً
واجتماعياً الذي ينسجم مع واقعها الجغرافي وطبيعتها الهندسية. أما اليوم فقد تحوّلت إلى ملتقى لكبار القوم، وهي مملوكة في غالبيتها من الأجانب» يقول حطيط.
على الضفة الثانية، أي في المناطق المحيطة بوسط بيروت، كانت الحرب الأهلية قد وضعت أوزارها في مطلع التسعينيات، حتى بات لبنان محكوماً «بنزعات تشتتية طائفية
ومذهبية» على ما ورد في الخطة الشاملة لترتيب الأراضي. وما وقع على هذه المناطق، انسحب على كل لبنان، وإن بدرجات متفاوتة، فاستمرت التنمية في كل المناطق محكومة
بهذه النزعات.
إلا أن بعض المناطق الواردة في تقرير «رامكو» مثل مونو، قد شهدت، وإن لفترة محدودة، بعض التطورات التي أحدثت فيها نموّاً فوضوياً «على الطريقة اللبنانية»، فكانت
هذه المنطقة معروفة بأنها منطقة للسهر انتشرت فيها النوادي والملاهي الليلية من دون أن تتمكن من منافسة تلك المنتشرة في سوليدير، ليس بسبب افتقارها الى المقوّمات،
بل بسبب حرمانها من امتيازات وسط بيروت نفسها.
No comments:
Post a Comment