Wednesday, March 16, 2011

التقي «الشقي» .. من حملايا إلى مجد لبنان
دنيز عطاالله حداد
دخل بشاره الراعي الى مجمع الاساقفة مطرانا لجبيل وخرج منه بطريركا لانطاكية وسائر المشرق باسم مار بشارة بطرس الراعي.
فمن هو راعي البشارة الجديد؟
لا يحتاج الى مقدمة وتعريف كبيرين. فهو من الوجوه الكنسية المعروفة. لا يخرج من الظل وهو لا يحبه اصلا. يحب «النور والحق والحياة». وهو الثالثوث الثاني الذي
سار على دربه في الحياة.
فابن يوسف وتمينة الراعي الذي ولد في 25 شباط 1940 في حملايا كان آخر العنقود في عائلة مؤلفة من ست شبان وشابتين. وكأترابه ذهب الى مدرسة الضيعة. ومثلهم كان
تقيا وشقيا لكنه تميّز باجتهاده الكبير. «فلا امل لنا بالمرتبة الاولى طالما اننا في صف واحد معه». كما يقول ابن عمه فهيم.
كان في نحو الثالثة عشرة من عمره حين وجد فيه قريبه ابونا بولس الراعي ايمانا وتقوى فسأله ان كان يرغب بالدخول الى الدير. لاقى السؤال هوى في قلب الفتى. فصارح
اهله وابلغهم انه متوجه الى دير سيدة اللويزة للآباء المريميين «ولن اعود الى البيت مجددا الا وانا راهب».
وهكذا كان. فدخل الدير في تشرين من العام 1953. لم تكن كل الايام في الدير سهلة على الشاب الذي كان يكبر «بالنعمة والتقوى». لكنه كان يكثر من الصلاة والاتكال
على الله. في احدى الليالي ونتيجة الارهاق من النظام الصارم طلب من الاب الراعي ان يعيده الى المنزل. فابتسم الكاهن العتيق وطلب منه الانتظار حتى اليوم التالي.

امضى الراعي الليل يصلي وحين طلع الصباح كان خياره محسوما. ومنذ ذلك اليوم والتزامه راسخ. ولانه مؤمن ومفكر معا، يجدد في كل يوم ايمانه بالصلاة والعلم والفكر.

يتكل على الله كثيرا في تدبير اموره. وهو منذ صغره مقتنع ان الله يسيّر حياته ويرسل له علامات الرجاء. كلما نظر الى صورة قربانته الاولى مع ثلاثة من الرفاق
وشاهد رجله المكسورة ابتسم للذكرى وللرسالة.
فيوم الجمعة العظيمة من ذاك الزمن وبينما كان يقطف الزهور ليأخذها معه الى الكنيسة ويضعها على قبر المسيح، وقع. أصيبت رجله اصابة بالغة. حمله اخاه الى البيت.
وعلى رغم آلامه المبرحة امتزجت دموعه بابتسامته، معتبرا ان المسيح احبه فخصه بمشاركته آلامه في مثل هذا اليوم.
يسوعي التعليم والمنشأ. انهى دروسه التكميلية والثانوية في كلية سيدة الجمهور للآباء اليسوعيين. وكان قد نذّر نذوره الرهبانية الاولى في 31 تموز 1962 وسافر
بعدها الى روما وبقي هناك حتى العام 1975 . اشتغل في راديو الفاتيكان كمدير للقسم العربي منذ العام 1967 (تاريخ سيامته الكهنوتية) الى العام 1975.
تعلم وعلّم. حاز على شهادة في الفلسفة واللاهوت ودكتوراه في الحقوق الكنسية والمدنية. ودرس في جامعة مار يوحنا اللاتران في روما المحاماة الروتالية. تعلم كيف
يبني ويضع اللبنات الاولى في المؤسسات. وهي واحدة من ميزاته. اسس جامعة سيدة اللويزة التابعة للرهبانية اللبنانية المريمية ما بين 1975 و1984. كانت خطوته متقدمة
ومستشرفة، فهي اول جامعة كاثوليكية تتبع المنهج الانكليزي. والراعي من المؤمنين بالثقافة كجزء لا يتجزأ من هوية لبنان ودوره وانفتاحه على العالم. ويعتبر اللغات
مدخلا اساسيا للتواصل، لذا اضافة الى العربية يتقن الفرنسية والانكليزية والايطالية والسريانية.
حاضر في مادة الحق القانوني في جامعة القديس يوسف بين 1992ـ2000. ثم في كلية الحقوق في الكسليك منذ عام 2001 وجامعة الحكمة في بيروت. وهو استاذ محاضر في اللاهوت
الراعوي وسرّ الزواج في كلية اللاهوت الحبرية (الكسليك).
خدم في رعايا زوق مصبح وادونيس وضبية وكان قاضيا في المحاكم الروحية الابتدائية.
عين اسقفا عام 1986 بوضع يد البطريرك الكاردينال نصرالله صفير، وهو سيضع عليه يده من جديد لينصبه بطريركا. وفي توليه ابرشية جبيل عام 1990، قال «أنا معكم كاهن
ولأجلكم أسقف». وبالامس وقف ليعلن شعار عهده «شركة ومحبة».
الرهان كبير على السابع والسبعين. فهو يحمل شارة النصر مضاعفة. يقال عنه انه من «الصقور». جريء حتى حدود التسرع احيانا. يسمي الامور باسمائها ولا يحابي. لهذه
المواصفات كان يشاع ان روما لا تتحمس له كثيرا. فهي تفضل الحمائم المطيعين.
لكن اساقفة الكنيسة المارونية كانوا جريئين على قدر بطريركهم الجديد. فاختاروا احد مطارنة «الصف الاول» ليحمل الصليب ويسير على دروب لبنان المتعرجة وفق خط بطريركي
مستقيم.

No comments:

Post a Comment