دمشق في بكركي: نافذة في الجدار «المسلّح»
الراعي مباركاً تلامذة أتوا للتهنئة (علي علوش)
كلير شكر
ضيف استثنائي يخترق صفوف المهنئين في الصرح البطريركي في بكركي، في اليوم الثاني لانتخاب بشارة الراعي رأساً للكنيسة المارونية. ليست رتبته الدبلوماسية، هي التي
مكّنته من بلوغ الكرسي الأرجواني الضخم. حساسية العلاقة التي تربطت بلاده بسيّد الدار، هي التي استقطبت الكاميرات نحوه، ومن بعدها الميكروفونات، فور جلوسه لدقائق
معدودة إلى جانب البطريرك الجديد. فللحدث الموضعي وقعه المدوي وتفاعلاته المستقلبية التي تتجاوز اللياقات البروتوكولية التي تفرضها المناسبة... لأن دمشق في
بكركي!
في طريقه من مقر السفارة السورية المؤقت في شارع الحمراء في رأس بيروت، إلى أعالي كسروان، مستكشفاً جمالية منطقة سوّرتها أشجار الصنوبر، فاستلقت هادئة على كتف
البحر، استرجع السفير السوري علي عبد الكريم علي شريط صور لماضٍ ليس بعيداً، كانت فيه بلاده، مرمى قصف سياسيّ، متواصل أحياناً، ومتقطّع أحياناً أخرى، كانت بكركي
قاعدة انطلاقه. لا يمكن راصد تلك الزيارة غير العادية أن يتجاهل واقعاً مفصلياً، وهي أنها المرّة الأولى التي تطأ فيها قدما رئيس البعثة الدبلوماسية السورية،
منذ انطلاقة العلاقات الثنائية في عصرها «المؤسساتي» الجديد، الصرح البطريركي، بكلّ ما احتضن من رمزية في «معارك» المسيحيين بوجه دمشق.
هناك، وعلى مكاتب «سيّدها»، وبعض «معاونيه» من الطبقة السياسية، صيغت النداءات العابرة للحدود، ونقّحت العبارات، وحيكت المواقف بقطب مخفية وعلنية، مستهدفة «نظام
الوصاية»، و«التدخّل السافر» بالشؤون اللبنانية، و«الشوائب النافرة» في علاقة الجارين... وغيرها من التعابير التي زنّرت خطاب «الزعيم الروحي» للموارنة، مذ أن
أطلق «البيان الرقم واحداً»، في أيلول 2000.
مسار طويل من «المناكفة» مشى على دربه البطريرك المستقيل نصر الله صفير، لم يحد عنه قيد أنملة، رغم كلّ محاولات «التطبيع» التي قادها بعض أبناء كنيسته، في محاولة
لتليين مواقفه، أو التخفيف من حدّتها. ولكن قصّة القلوب المليانة، حالت دون إقناعه بعبور منطقة المصنع، أقلّه لتفقّد أبناء رعيته في بلاد الشام، وهو الذي لم
يتمكّن يوماً من عبور حاجز الخصومة لـ«قصر المهاجرين».
لم تنتظر دمشق كثيراً من الوقت، كي تقوم بخطوتها الأولى تجاه البطريرك المنتخب، وتودعه دعوة «مفتوحة» لزيارتها. في الشكل، يجوز القول إن دخول السفير السوري
مربّع «خصومة متوارثة»، لا يخرج عن إطار الواجبات الدبلوماسية، التي تستدرجها المناسبة. ولكن بالجوهر، يدرك العارفون بنمط التعاطي السوري مع الدقائق اللبنانية،
أن للزيارة وزنها، وترجمتها في الرؤية الدمشقية لسيّد الصرح، وأن خلف تلك الدعوة «شيفرة» لا بدّ من فكفكة مفاتيحها بهدوء.
ليس خافياً على أحد، أن المتربع على الكرسي البطريركي، هو صاحب مواقف واضحة، لا لبس فيها، ولا تعرف اللون الرمادي. قبل العام 2005، لم يوفّر الوجود السوري على
الأراضي اللبنانية من انتقاداته، لكنه كان ممن يجاهرون بعبور خطوط التماس «السياسية» نحو العمق الدمشقي، في زيارات عائلية، أو للمشاركة في ندوات، إحداها حصلت
في 25 آذار 2010 حيث ألقى محاضرة عن روحانية السينودوس لكنائس الشرق الأوسط، وشرح عن مكوناته وتفصيله ونقاطه الحساسة، في النادي الكاثوليكي في حلب.
ومن يتابع مواقفه، يخلص إلى التأكيد، أن سيّد بكركي، تجنّب «العدائية» في نظرته إلى ملف العلاقات اللبنانية - السورية، لكنه كان ينشد تحسين هذا التواصل وتفعيله
لما فيه خير البلدين. لا ينكر وجود ملفات عالقة لا بدّ من تسويتها، من ترسيم الحدود إلى مسألة المفقودين وغيرها من القضايا، ولكنه لا يغلّب المنحى السلبي على
مقاربته لملف العلاقات التي يتطلع إلى تنقيحها من الشوائب، ورفعها إلى مرتبة النديّة والتمايز، كما يرى بعض مواكبيه ومجالسيه.
وينفي في تصريح له في آب 2010، وجود أي خلاف بين الكنيسة المارونية والقيادة السورية. ويقول: أتت وفود رسمية سورية الى بكركي في حفل مراسم دفن البطريرك خريش
وتنصيب صفير بطريركاً، في وقتها الكنيسة أرسلت وفداً الى سوريا لتشكرالقيادة السورية على مبادرتها. وعند زيارة القيادات السورية البطريرك صفير في لبنان في صيف
1986 في الديمان، أرسلت شخصياً مع مجموعة لردّ الزيارة.
وأضاف: «لم يذهب البطريرك الى سوريا لأنّه لم يُدعَ رسمياً، العلاقة ليست مقطوعة. لا تشنّج.. السوريون يكرموننا كثيراً عندما نذهب الى سوريا، شخصياً عند ذهابي
الى سوريا لإجراء ندوات روحية كانوا يستقبلونني جيداً. لا إشكال بين الكنيسة والدولة السورية، هناك بعض من الشؤون الوطنية بين البلدين عالقة وهذا الأمر موضوع
مختلف». واعتبر أنه «لو كانت الأمور متشنجّة بين بكركي ودمشق لما كانت العلاقة بين المطارنة والقيادة السورية على أحسن حال، لو كان الخلاف على مستوى القمّة
بين الكنيسة والقيادة السورية لانعكست على الأرض وعلى المطارنة. هناك حفاوة لنا، لا علاقة متوترّة على الإطلاق».
وقبل تعيين السفير السوري، وتحديداً في آذار العام 2009، اعتبر الراعي أن «لبنان كله بحاجة لعلاقة مع كل الدول، لكن الدخول بسياسة المحاور تشطر البلد وأي فريق
يعتبر قراره في الخارج فهو خطر على لبنان، ونحن ندعو لتحييده». وتابع: «نحن نريد أن يكون للبنان علاقات جيدة مع سوريا وايران والجميع عدا اسرائيل، لأننا نحن
بحالة عداء معها، ولكن لا نريد أن نكون تابعين لأحد». وختم معتبراً أن «عدم تعيين سفير سوري حتى الآن لا يقلق بشيء»، لافتاً إلى أن «هذا شأن دولي وهي قضية داخلية
في سوريا».
غداة «الحج» الذي نظّمه «التيار الوطني الحر» لمؤمنين موارنة إلى دير مار مارون في براد، لم يسمع مسؤولو «التيار» من مطران جبيل أي توصيف سلبي لهذه الخطوة،
بل وضعها في خانة توسيع رقعة الحضور المسيحي، والماروني تحديداً.
ولهذا أيضاً، يبدو أن التفاؤل هو الذي يسود نظرة دمشق إلى بكركي وعهدها الجديد. تريد، بحسب بعض المقربين منها، تجاوز مطبات الماضي، وتحرير السلف من قيود خصومة
الخلف، وإن من المبكر بنظهرهم حسم نوعية المسار الذي ستسلكه العلاقة المستجدة مع سيّد الصرح، إلا أنها تتطلع إلى تعاون نوعيّ مع رأس الكنيسة المارونية، وفتح
صفحة جديدة.
لرؤية الفاتيكان لكنائس الشرق الأوسط، تأثيرها على أداء القيادة السورية في هذا الملف الحيوي، كما يقول المقربون، لا سيما أنّ الدوائر الرسولية تسعى لتكريس
الاستقرار في المنطقة وتحفيز المسيحيين على البقاء في أرضهم، ولذلك هي ترحّب بكل تعاون من شأنه تخفيف حدّة الاحتقان.
ما قبل ارتداء «الجبّة» البطريريكية، غير ما بعدها. معادلة يحلو لبعض متتبعي الرسم البياني لبكركي، تكريسها، للإشارة إلى أن هذا الموقع يملي على شاغله خارطة
طريق منقّحة، بمقاييس جديدة... وإن كانت روحية الصرح تفترض على الخلف أن يكمل مهمة السلف، ولا ينقضها. إلا أنه لكلّ منهما أسلوبه ومنهجيته.
يبقى السؤال، هل تبادر بكركي، في ضوء المبادرة السورية، الى دعوة القيادة السورية الى حفل تنصيب الراعي بطريركا، في الخامس والعشرين من الجاري، أم لا؟
اذا كان الجواب ايجابا، فهذا يعني أن ممثل الرئيس السوري بشار الأسد، سواء أكان السفير علي عبد الكريم علي أو أي وزير سوري ينتدب للمهمة، سيكون جالسا في الصف
الأمامي الى جانب الرئيس ميشال سليمان وممثل الحبر الأعظم.
No comments:
Post a Comment