ما مصير "القاعدة" بعد موت زعيمها بن لادن؟
صورة لاعتداءات 11 أيلول 2001 خاصة بقسم شرطة مدينة نيويورك. أسامة بن لادن. تدريبات للقاعدة.
مما لا شك فيه أن اغتيال زعيم القاعدة أسامة بن لادن، بعد مرور أقل من عشرة أعوام على الهجمات الارهابية التي نفذها ضد الولايات المتحدة، لا يشكل الحدث الأهم في تاريخ الأميركيين وحدهم وإنما في تاريخ العالم أجمع.
منذ أواسط التسعينات تأرجحت صورة بن لادن ما بين حدين متناقضين: فكان في نظر البعض يجسد الشر عند البشر، وفي نظر البعض الآخركان رمزاً للمجاهد البطل الذي يكاد يصل الى رتبة القداسة. لكن الأمر الأكيد أن بن لادن وتنظيمه مسؤولان عن مقتل آلاف الناس في مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الجنسيات والديانات.
واليوم بعد موت بن لادن، يطرح أكثر من سؤال: ما هو مصير تنظيم القاعدة بعد مقتل زعيمها ومؤسسها والمخطط الأكبر لعملياتها؟ وإلى أي حدّ سيساعد اغتياله الحرب على إرهاب القاعدة والإسلام السلفي الأصولي؟ وهل سيتسبب مقتل زعيم القاعدة بدورة جديدة من العنف والعمليات الانتقامية؟ باختصار هل صار العالم أكثر أمناً من دون بن لادن؟
التبدلات الأخيرة
شهدت القاعدة تغييرات جمة منذ تأسيسها العام 1988، حين استندت الى خلية ضيقة من الأتباع الذين بايعوا بن لادن أميراً عليهم، وعلى دائرة أوسع من المناصرين من تنظيمات جهادية كان أيمن الظواهري أحد أبرز قادتها . وشكل الاعلان في1998 عن قيام الجبهة الاسلامية للجهاد العالمي نقطة تحول في تاريخ القاعدة وبداية لمسيرة التعاون المشترك بين بن لادن، الآتي الى جبهة الجهاد من عالم الأعمال وبين الظواهري حامل الفكر السفي الجهادي الأصولي. تبنت القاعدة النظرية السلفية الجهادية التي تدعو الى تطبيق الشريعة واحياء الخلافة الاسلامية، وأعلنت الحرب على الغرب "الصليبي" الذي لا يفهم الا لغة العنف"، فوفقاً للظواهري" الغرب بقيادة الولايات المتحدة لا أخلاق له، واللغة الوحيدة التي يعرفها هي لغة القوة".
ونفذت القاعدة عدداً كبيراً من الهجمات لكن كبرى عملياتها كانت الهجمات التي شنتها في الحادي عشر من أيلول 2001، والتي شكلت نقطة تحول كبيرة في مسيرة القاعدة واعتبرت بمثابة انتصار كبير لخطها الجهادي ضد الدول الغربية.
في أعقاب هجمات 11 أيلول، أقدمت القاعدة، نتيجة للملاحقات التي تعرضت لها والتضييق على زعامتها، على ادخال تغييرات مهمة في هيكليتها. فتخلت عن بنيتها الهرمية وانتهجت أسلوب اللامركزية في تنظيمها، فأعطت فروعها وزعماء هذه الفروع قدراً من الاستقلالية في الحركة واتخاذ القرارت. يقول عبد الباري عطوان في كتابه "The Secret History Of Al Qu'Aida" أن القاعدة تحولت "شبكة فضفاضة من الأنصار الذين يملكون حق التحرك الحر والمستقل عن قيادة التنظيم. فقد كانت العقيدة الجهادية للقاعدة معروضة على الأنترنت، مما يسمح لأي مجموعة أو خلية مستقلة بالعمل ضمن هذا الاطار، ولم تعد هناك حاجة الى الصلة بالنواة المقربة من القيادة من أجل التحرك، لكن هذا لا يعني تراجع مكانة أو أهمية زعامة القاعدة". وهكذا تحولت القاعدة، وفق عطوان، الى "الميليشيا التي تدير عملياتها من طريق الشبكة العنكبوتية للأنترنت".
انعسكت اللامركزية في تحرك القاعدة عبر تنشيط بن لادن لتنظيم القاعدة في الخليج العربي المتركز في شمال شرق اليمن، والذي هدفه زعزعة الاستقرار في السعودية. اما المظهر الثاني لهذه اللامركزية فتمثل في ظهور تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بعد اعلان أبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم التوحيد والجهاد انضمامه الى بن لادن. وقد عمل الزرقاوي على ضم عدد من المجموعات الجهادية السلفية في الجزائر والمغرب الى القاعدة، وأعلن عن نشوء القاعدة في المغرب العربي. كما انضم الى القاعدة تنظيم "الشباب" الصومالي، بالاضافة الى مجموعات مستقلة صغيرة أخرى في اليمن وفي المغرب والى مقاتلين من السنة موجودين في أنحاء العالم وينشطون من وقت الى آخر. وعلى الرغم من ضآلة هذه المجموعات لكنها أثبتت قدرتها على القيام بعمليات جريئة، مثل المجموعة التي يتزعمها ناصر الوحيشي و أنور العولقي التي كانت وراء غير عملية جريئة في الولايات المتحدة (اطلاق نضال حسن النار على جنود في قاعدة عسكرية، و محاولة عمر فاروق عبد المطلب تفجير طائرة أميركية بزجاجات حبر). هكذا تحولت القاعدة مظلة تشمل عدداً كبيراً من المجموعات المستقلة، التي قد تكون محدودة العدد، غيرأنها تتمتع بحرية العمل ضد الاعداء "المحليين"، أما مهاجمة أعداء "خارجيين" فأمر يتطلب تنسيقاً مع القيادة المركزية، كما أن أي هجوم غير تقليدي (مثل هجوم بأسلحة غير تقليدية) يتطلب موافقة القيادة المركزية.
الجهاد - نت
شكلت الانترنت وسيلة أساسية في عمل القاعدة بمختلف أجنحتها، مما يمكن تسميتة"بالجهاد- نت". والمفارقة أن القاعدة التي تريد ان تعيد التاريخ الى الوراء وتدعو الى الخلافة كما كانت أيام النبي، هي من أكثر التنظيمات استخداماً لوسائل الاتصال الحديثة وللتكنولجيا المتطورة، فالمجاهدون في كهوف تورا بورا كانوا مزوّدين الكمبيوترات النقالة، والمعروف عن بن لادن ولعه بالتكنولجيا المتطورة، على الرغم من اضطراره في السنوات الأخيرة الى وقف استخدامه للهواتف النقالة والستلايت خوفاً من اكتشاف مخبئه. وشكلت الانترنت وسيلة لتعبئة المتطوعين وللاتصال بين المجموعات الجهادية وللحصول على المساعدات والاتصال بالاعلام، وتحفل الشبكة بمئات المواقع الالكترونية الاسلامية التي لها صلة في شكل أو آخر بالقاعدة.
أكثر أمناً؟
هل أصبح العالم أكثر أمناً بعد مقتل بن لادن؟ تتفاوت الاجابات عن هذا السؤال، ففي حين يرى البعض أن اللامركزية في القاعدة واستقلالية المجموعات الارهابية التي تعمل تحت مظلة القاعدة تحدان من احتمال تأثير موت بن لادن مستقبلاً على نشاط القاعدة؛ يرى فريق آخر أن دور بن لادن كان مركزياً وموته وجّه ضربة قاسية للتنظيم الذي بات بحاجة الى اعادة تنظيم صفوفه من جديد.
يشير غير مراقب وخبير في القاعدة الى تراجع نفوذ القاعدة في الأعوام الماضية في العالم العربي، وأكبر دليل الى ذلك عدم وجودها في الشعارت المرفوعة في حركة الاحتجاجات العربية الأخيرة، فما فشلت القاعدة في تغييره بالقوة نجحت التحركات الشعبية في تحقيقه سلماً. لكن موت بن لادن لا يعني نهاية القاعدة، ففي رأي جان كريستوف روفين سفير فرنسا السابق في السنغال وغامبيا إن موت بن لادن سيؤدي الى مزيد من التشدد في عمل المجموعات الجهادية المغربية، وسيزداد نشاط المجموعات الحرة التي ستطبق نظريتها الجهادية الخاصة. أما في رأي أستاذ العلوم السياسية جان لوي فيلو فموت بن لادن هو نهاية القاعدة كما عرفناها حتى اليوم وفي شكلها الحالي، وبداية لمرحلة جديدة، ويرى أن قدرة التنظيم على التأقلم كبيرة جداً، و خطرها ما زال كبيراً. أما أوليفيه روي صاحب كتاب "هزيمة الاسلام السياسي" و"عولمة الاسلام" فرأى أن لا علاقة لبن لادن بالاسلام السياسي الذي يمثله النظام في ايران والإخوان المسلمون، وأن القاعدة فشلت في تحقيق اهدافها، فلم تنجح في الاطاحة بأي حاكم مستبد عربي. وعلى الاسلاميين اليوم أن يختاروا ما بين نموذج أردوغان ونموذج طالبان.
ثمة اجماع على أن موت بن لادن لا يعني نهاية القاعدة ولن يضع حداً لعملياتها. ففي رأي الجميع ان القاعدة ستثأر لمقتل زعيمها، وفي حين يرى البعض أن هذا لن يحدث فوراً فالتنظيم بحاجة الى وقت لترتيب أوضاعه واختيار زعيم جديد؛ يرى البعض الآخر أن العمليات الأخيرة للتنظيم، التي تميزت بالتسرع وعدم الاتقان، ربما تدل الى ان أنصاره سيسارعون الى القيام بعمل متهور.
الأمر الأكيد أن عنف القاعدة لن يتوقف في الوقت القريب، والعالم لن يصبح أكثر أمناً بعد بن لادن، لكنه قد يشهد حروباً أقل. فقد أثبتت عملية الاغتيال الناجحة التي نفذها الأميركيون في أبوت اباد ان محاربة القاعدة لا تتطلب تدخلاً عسكرياً وقصفاً وحروباً، وإنما يمكن خوضها بعمليات جراحية محدودة ناجحة وقليلة التكلفة البشرية. وربما هذه هي النقطة الوحيدة المضيئة في الصراع الدامي الدائر منذ سنوات بين دول العالم الكبرى وبين ارهاب القاعدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهم المحطات في حياة بن لادن
1957: ولادته في الرياض في عائلة غنية، والده محمد بن لادن من أصل يمني تزوج 11 امرأة و لديه منهن 54 ولداً، بن لادن الولد الوحيد لأمه السورية من اللاذقية، عليا غانم.
1974: زواجه للمرة الأولى من ابنة خاله نجوى غانم، التي رُزق منها 11 ولداً.
1976: تابع دراسة الاقتصاد والإدارة في جامعة الملك عبد العزيزفي جدة. مشاركته في أعمال العائلة حتى العام 1973 حين بدأت صلاته بالمجموعات الإسلامية، وتعرفه الى محمد قطب(شقيق سيد قطب) وعبد الله عزام الذي تحول مرشده الروحي.
1979: بعد الغزو السوفياتي لأفغانستان التحق بن لادن بالمجاهدين، واستقر في بيشاور، حيث التقى قادة المجموعات الاسلامية الأفغانية، وبدأ التعاون معهم.
1984: تأسيس بن لادن "بيت الأنصار"في بيشاور، ومركز لاستقبال المتطوعين من المجاهدين ضد السوفيات.
1986: تأسيس عدد من معسكرات التدريب العسكرية التابعة له في أفغانستان.
1988: فتح مكتب لتسجيل أسماء القتلى من المجاهدين من أجل ابلاغ عائلاتهم. كان اسم المكتب "القاعدة"، ومن هنا جاء اسم التنظيم لاحقاً.
1989: عودته الى السعودية، بعد قتاله في أفغانستان واستقباله كبطل للقضية الاسلامية.
1990: السعودية تفرض عليه الاقامة الجبرية بعدما بدأت خطبه تثير قلقها.
1992:بعد الغزو العراقي للكويت انتقل بن لادن الى السودان بسبب انتقاده موقف الملك السعودي لأنه ترك الجيش الأميركي "يلوث أرض الاسلام".
1994: حرمانه الجنسية السعودية بعد اصداره فتاوى ضد العائلة المالكة السعودية.
1996: السودان تطلب منه ترك أراضيها، فيغادرها متكبداً خسائر مالية ضخمة نتيجة عدم دفع السودانيين تكلفة المشاريع الضخمة التي نفذتها شركته. الانتقال الى أفغانستان نهائياً.
1998: اعلانه مع أيمن الظواهري قيام الجبهة الاسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين. ولقد ضمت الجبهة تحت مظلتها: منظمة الجهاد الاسلامي المصرية بقيادة الظواهري،الجماعة الاسلامية المصرية بقيادة رفعت طه، ومجموعات أخرى في كشمير وباكستان.
2000: الزواج الخامس لبن لادن من فتاة يمنية في السابعة عشرة من عمرها أمل صالح بمهر قدره 5000 دولار. وكانت زوجاته يعشن في مكان واحد، ويلقين المعاملة عينها من بن لادن الذي رزق 11 صبياً و13 فتاة.
أيلول 2001: الهجمات الارهابية على الولايات المتحدة ، التي وضعت جائزة قيمتها 50 مليون دولار لمن يساعد في القبض عليه.
2001: الجيش الأميركي يقصف المغاور في تورا بورا بالقرب من الحدود الباكستانية، من دون العثور على اثر لبن لادن.
2004: بن لادن يعترف في شريط مسجل بمسؤوليته عن هجمات الحادي عشر من أيلول.
2009: مقتل ابنه الأكبر سعد في غارة جوية أميركية في باكستان.
2011: موت بن لادن في أبوت أباد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهم شخصيات "القاعدة" المطلوبة والملاحقة دولياً
-أيمن الظواهري، الشخصية الثانية في القاعدة بعد بن لادن والمرشح لوراثته، مصري الأصل، هناك جائزة ب25 مليون دولار للقبض عليه.
- سيف العدل، مصري متهم بالتورط في تفجير السفارت الأميركية العام 1988 في أفريقيا. هناك جائزة بخمسة ملايين دولار للقبض عليه.
- أدام يحي غدام، أميركي الجنسية جائزة مليون دولار للقبض عليه
-أنور العولقي، من قادة القاعدة في اليمن من أصل يمني، يحمل الجنسية الأميركية. من أهم المرشحين لخلافة بن لادن بعد الظواهري، موجود على لائحة السي آي إي للمرشحين للقتل.
(نقلاً عن مجلة التايم)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهم الهجمات التي قام بها "القاعدة" خارج أفغانستان والعراق
1993: انفجار قنبلة في مركز التجارة العالمي(6 قتلى)- كمين للقوات الأميركية في مقاديشو(18قتيلاً)-1994: هجوم في مشهد إيران (27 قتيلاً) – 1995: تفجير شاحنة في الرياض (7قتلى)- 1998: تفجير السفارة الأميركية في تنزانيا و كينيا(301قتيل) - 2000: الهجوم على المدمرة الأميركية كول في عدن (17 قتيلاً) – 2001: الهجمات على الأهداف في الولايات المتحدة (3000 قتيل تقريباً) – 2002: هجوم على كنيس في جربا تونس (12 قتيلاً)، هجوم على فندق في كراتشي (10 قتلى)، تفجير القنصلية الأميركية في كراتشي (11 قتيلاً)، تفجير ملهى ليلي في بالي أندونيسيا(202 قتيلان)، تفجير فندق في مومباسا كينيا (15 قتيلاً)- 2003: تفجيرات في مجمع سكني في الرياض (35 قتيلاً)، تفجيرات في كازابلانكا في المغرب (45 قتيلاً)، تفجير في فندق في جاكرتا(16 قتيلاً)، انفجار سيارة مفخخة في جاكرتا (16 قتيلاً)، تفجير كنيس في اسطنبول (57 قتيلاً)- 2004: تفجير سفينة في الفيلبين (116 قتيلاً)، تفجير القطارات في مدريد(191 قتيلاً)، تفجير مجمع للأجانب في خبر في السعودية (22 قتيلاً)، الهجوم على القنصلية الأميركية في جدة (5 قتلى)- 2005: تفجيرات قطار الأنفاق في لندن (56 قتيلاً)، تفجير منتجع في شرم الشيخ (88 قتيلاً)، تفجير فندق في عمان الأردن (63 قتيلاً) – 2007: انفجار سيارة مفخخة في الجزائر العاصمة (33 قتيلاً)- 2008: الهجوم على السفارة الدانماركية في إسلام أباد(6 قتلى).
(نقلاً عن الإيكونوميست)
رنده حيدر
No comments:
Post a Comment