الإنجيل اليومي بحسب الطقس الماروني
يا ربّ، إِلى مَن نَذهَب وكَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَك ؟
(يوحنا 6: 68)
الجمعة 11 آذار/مارس 2011
يوم الجمعة الأوّل من الصوم الكبير
إنجيل القدّيس متّى .27-13:7
أُدْخُلُوا مِنَ البَابِ الضَّيِّق: لأَنَّهُ وَاسِعٌ البَابُ ورَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذي يُؤَدِّي إِلى الهَلاك، وكَثِيرُون هُمُ الَّذينَ يَدْخُلُون مِنْهُ؛ ومَا أَضْيَقَ البَابَ وأَحْرَجَ الطَّرِيقَ الَّذي يُؤَدِّي إِلى الحَيَاة، وقَلِيلُونَ هُمُ الَّذينَ يَجِدُونَهُ. إِحْذَرُوا الأَنْبِيَاءَ الكَذَبةَ الَّذينَ يَأْتُونَكُم بِلِبَاسِ الحُمْلان، وهُمْ في بَاطنِهِم ذِئَابٌ خَاطِفَة. مِنْ ثِمَارِهِم تَعْرِفُونَهُم: هَلْ يُجْنَى مِنَ الشَّوْكِ عِنَب، أَو مِنَ العَوْسَجِ تِين؟ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ صَالِحَةٍ تُثْمِرُ ثِمَارًا جَيِّدَة. أَمَّا الشَّجَرَةُ الفَاسِدَةُ فَتُثْمِرُ ثِمَارًا رَدِيئَة. لا تَقْدِرُ شَجَرَةٌ صَالِحَةٌ أَنْ تُثْمِرَ ثِمَارًا رَدِيئَة، ولا شَجَرَةٌ فَاسِدَةٌ أَنْ تُثْمِرَ ثِمَارًا جَيِّدَة. كُلُّ شَجَرَةٍ لا تُثْمِرُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وتُلْقَى في النَّار. فَمِنْ ثِمَارِهِم تَعْرِفُونَهُم. لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لي: يَا رَبّ، يَا رَبّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوات، بَلْ مَنْ يَعْمَلُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذي في السَّمَاوَات. كَثِيرُون سَيَقُولُونَ لي في ذلِكَ اليَوْم: يَا رَبّ، يَا رَبّ! أَمَا بِٱسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وبِٱسْمِكَ أَخْرَجْنا الشَّيَاطِين، وبِٱسْمِكَ عَمِلْنَا كَثيرًا مِنَ الأَعْمَالِ القَدِيرَة؟ فَحِينَئِذٍ أُعْلِنُ لَهُم: مَا عَرَفْتُكُمُ البَتَّة. إِبْتَعِدُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْم! فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالي هذِهِ، ويَعْمَلُ بِهَا، يُشْبِهُ رَجُلاً حَكِيْمًا بَنَى بَيْتَهُ عَلى الصَّخْرَة. وهَطَلَتِ الأَمْطَار، وفَاضَتِ الأَنْهَار، وعَصَفَتِ الرِّيَاح، وصَدَمَتْ ذلِكَ البَيْت، فَلَمْ يَسْقُطْ، لأَنَّ أَسَاسَهُ بُنِيَ عَلى الصَّخْرَة. وكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالي هذِهِ، ولا يَعْمَلُ بِهَا، يُشْبِهُ رَجُلاً جَاهِلاً بَنَى بَيْتَهُ عَلى الرَّمْل. وهَطَلَتِ الأَمْطَار، وجَرَتِ الأَنْهَار، وعَصَفَتِ الرِّيَاح، وصَدَمَتْ ذلِكَ البَيْت، فَسَقَط، وكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيْمًا.»
النصوص مأخوذة من الترجمة الليتُرجيّة المارونيّة - إعداد اللجنة الكتابيّة التابعة للجنة الشؤون الليتورجيّة البطريركيّة المارونيّة (طبعة ثانية – 2007)
تعليق على الإنجيل:
القدّيس بِرنَردُس (1091 - 1153)، راهب سِستِرسيانيّ وملفان الكنيسة
تأمل في نشيد الأناشيد، الرقم 61
"فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالي هذِهِ، ويَعْمَلُ بِهَا، يُشْبِهُ رَجُلاً حَكِيْمًا بَنَى بَيْتَهُ عَلى الصَّخْرَة"
أين يمكن لأماننا الهشّ أن يجد السلام والطمأنينة إن لم يكن في جراح المخلّص؟ وأنا أبقى هنا واثقًا أكثر كلّما زادت قوّته على إنقاذي. العالم يترنّح والجسد يرمي بثقله والشيطان يزرع أفخاخه: لكنّني لا أقع لأنّني مبنيّ على صخرٍ صلب. ما ينقصني نتيجة خطيئتي، آخذه بكلّ شجاعة من أحشاء الله المُخُلِّصة، التي مزّقتها جراح كثيرة إلى أن انسكب منها الخلاص انسكابًا.
لقد ثقبوا يديه وقدميه وجنبه بالحربة. ومن خلال تلك الثقوب المفتوحة، يمكنني أن أتذوّق العسل من هذه الصخرة والزيت الذي ينسكب من صخرته الصلبة جدًّا، أي إنّني أرى وأتذوّق عذوبة الربّ. لقد كانت تتبادر إلى ذهنه أفكار سلام وأنا لم أكن أعرف. ولكنّ المسمار الذي اخترقه أصبح لي مفتاحًا يفتح سرّ مخطّطته الخلاصي. كيف لا أرى عبر تلك الفتحات؟ المسامير والجروح تصرخ أنّ الله قد صالح العالم في شخص ابنه الربّ يسوع المسيح. لقد اخترق الرمح كيانه ولمس قلبه حتّى يستطيع التعاطف مع طبيعتي الضعيفة. سرّ قلبه يبدو واضحًا في جروح جسده: فنرى بشكل مكشوف سرّ طيبته اللامتناهية هذا، محبّة إلهنا تلك التي جعلت الشمس المشرقة تقوم بزيارة أرضنا. وكيف لا تظهر تلك المحبّة في جروحه؟ كيف يمكنك أن تظهر أنك "أيّها السَّيِّدُ صالِحٌ غَفور وافِرُ الرَّحمَةِ لِجَميع ِالصَّارِخينَ إِلَيكَ" (مز86(85): 5)، إلاّ من خلال جروحك بما أنّه لا يوجد حبّ أكبر من هذا أي أن يبذل أحد حياته عن المدانين؟
صلاة من أجل انتخاب البطريرك
يَا رَبُّ، أَنْتَ عَارِفٌ بِقُلُوبِ ٱلْنَّاسِ أَجْمَعِين، أَظْهِرْ لِآبَائِنَا ٱلْأَسَاقِفَةِ بِفِعْلِ رُوحِكَ ٱلْقُدُّسِ أَيَّ وَاحِدٍ قَدِ ٱخْتَرْتَ لِخِدْمَةِ ٱلْرِّئَاسَةِ ٱلْبَطْرِيَرْكِيَّةِ، فَيَكُونَ لَنَا ٱلْأَبُ صُورَةُ أُبُوَّتِكَ، وَٱلْرَّأْسُ إِيقُونَةُ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِكَ ٱلْرَّاعِيَ ٱلْصَّالِحِ وَشَبَهُ لِسَانِ رُوحِكَ ٱلْنَّاطِقِ بِإِلْهَامَاتِهِ.
يَا رَبَّنا، يَا مَنْ شَرَّفْتَ أَرْضَ كَنِيسَةَ أَنْطَاكِيَةَ بِزِيَارَةِ كَلِمَةِ ٱللهِ ٱلْمُتَجَسِّد؛
يَا مَنْ أَسْمَعْتَ هٰذِهِ ٱلْكَنِيسَةَ كَلِمَةَ ٱلْخَلَاصِ مِنْ فَمِ مَار بُطْرُسَ هَامَةِ ٱلْرُّسُلِ،
وَأَنْمَيْتَهَا بِنَشَاطِ رَسُولِ ٱلْأُمَمِ مَار بُولُسَ؛
يَا مَنْ أَعْطَيْتَهَا رُعَاةً شُهَدَاءَ أَمْثَالِ حَامِلِ ٱلله إِغْنَاطِيُوسَ ٱلْأَنْطَاكِيِّ فَرِيسَةِ ٱلْأُسُودِ، وَمَار هَارُونَ ٱلْبَطْرِيَرْكِ ٱلْغَيُورِ؛
يَا مَنْ زَيَّنْتَ هٰذِهِ ٱلْكَنِيسَةَ بِتَعَالِيمِ ٱلْبَطْرِيَرْكَيْنِ مَار أَوْسَطَاتِيُوسَ وَمَار مِلَاتِيوسَ ٱلْمُعْتَرِفَيْنِ ٱلْمُدَافِعَيْنِ عَنْ أُلُوهِيَّةِ ٱبْنِكَ؛
ٱلْلٰهُمَّ يَا مَنْ جَمَّلْتَ ٱلْكَنِيسَةَ ٱلْمَارُونِيَّةَ بِبَطَارِكَةٍ أَمْثَالَ مَار يُوحَنَّا مَارُونَ بَطْرِيَرْكِ ٱلِٱنْطِلَاقَةِ ٱلْجَدِيدَةِ، وَجِبْرَائِيلَ حْجولَا ٱلَّذي أُحْرِقَ حَيًّا، وَخَادِمِكَ إِسْطِفَانَ ٱلْدُوَيْهِيِّ ٱلَّذِي مَا كَلَّتْ يَدَاهُ عَنْ ٱلْكِتَابَةِ، وَلَا لِسَانُهْ عَنْ ٱلْوَعْظِ؛
نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ مُتَّكِلُونَ عَلَى أَمَانَتِكَ ٱلَّتِي لَا تَتَزَعْزَعُ أَنْ تَخَتَارَ لَنَا مِنَ ٱلْطِّينَةِ نِفْسِهَا بَطْرِيَرْكًا يَكُونُ بِحَسَبِ قَلْبِكَ، عَصَاهُ مِنْ خَشَبٍ وَقَلْبُهُ مِنْ ذَهَبٍ، يَهْتَمُّ بِٱلقَطِيعِ ٱلَّذِي سَيُقِيمُهُ ٱلرُّوحُ ٱلقُدُسُ عَلَيْهِ سَاهِرًا، وَيَرعَى كَنِيسَتَكَ ٱلَّتي ٱقْتَنَيْتَهَا بِدَمِ ٱبْنِكَ يَسُوع.
نَسْأَلُكَ هٰذَا بِشَفَاعَةِ أُمِّ ٱللهِ سَيِّدَةِ بكِرْكِي، وَأَبِينَا مَار مَارُون، وَٱلْشُّهَدَاءَ ٱلْثَلَاثِمِئَةٍ وَٱلْخَمْسِينَ رُهْبَانِ دَيْرِهِ، وَمَار شَرْبِل، وَمَار نِعْمَةِ ٱلله، وَمُرت رَفْقَا، وَٱلْطُّوبَاوِيِّينَ ٱلْإِخْوَةِ ٱلْمِسَابِكِيِّينَ ٱلْشُّهَدَاءَ: فَرَنْسِيسَ وَعَبْدِ ٱلْمُعْطِي وَرُفَائِيلَ وَٱلْطُوبَاوِيَّينِ ٱلْأَبِ يَعْقُوبَ وَٱلْأَخِ إِسْطِفَانَ. آمِين.
Thursday, March 10, 2011
إلى قداسة الحبر الأعظم: هؤلاء هم أحفاد مار مارون
انطوان عقل
قرأنا، وسمعنا الكثير من كلام بعض البطاركة والأساقفة والعلمانيين الذين حاضروا في حضرة قداستكم خلال انعقاد سينودوس الشرق الأوسط، وبخاصة ما ذكره بعض هؤلاء
من أن المسيحيين في لبنان محبطين زاعمين بالحرف «أن مسيحيي لبنان أصبحوا اليوم محشورين بين الزوال والانعزال مما يشكل تهديدا لنهاية دورهم التاريخي ورسالتهم».
ثم أضاف المتكلم قائلا: «كان لبنان يبدو لمعظم مسيحيي المنطقة ملجأ قد يقصدونه إذا زاد تردي أحوالهم في بلدانهم، ولكنه لم يعد اليوم كما كان في الماضي، مما
يضاعف أسباب القلق».
إن الذي يخاطبكم، يا صاحب القداسة، لم يكن له شرف المثول أمامكم ليؤكد لكم أن الكثير مما سمعتموه، لا يعكس الحقيقة، ويدل على جهل لتاريخ لبنان وتركيبته مدى
العصور، ما جعل سلفكم قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، وهو من عظماء الكنيسة، يؤكد من على منبر قرب سيدة لبنان، على «أن لبنان هو أكثر من وطن، بل هو رسالة».
يا صاحب القداسة،
إن لبنان لم يكن ملجأ للمسيحيين على اختلاف مذاهبهم فحسب، بل كان أيضا ملجأ للمسلمين على اختلاف مذاهبهم.
في اوائل الجيل الخامس للميلاد، وبسبب اضطهاد بعض الرهبان المسيحيين لإخوتهم المقيمين معهم في أحد الأديار على ضفاف العاصي، هرب من بقي منهم على قيد الحياة
فجاؤوا لاجئين إلى لبنان.
وبعد مئتي سنة، في أوائل الجيل السابع للميلاد، وبسبب اضطهاد بعض المسلمين لإخوتهم المسلمين حول الخلافة، هرب بعض هؤلاء وجاؤوا لاجئين إلى لبنان. وكذلك القول
عمّن يُعرفون «ببني معروف»، فأصابهم الاضطهاد ايضا وجاؤوا لاجئين إلى لبنان.
وهكذا أصبح لبنان، على مر العصور، ملجأ للمضطهدين من كل دين ومذهب، ينعمون في ربوعه، في جباله وسهوله، ووديانه وشواطئه، بنعم الحرية، والتسامح، واحترام الغير،
والقبول به ما جعل سكان هذا الوطن أمة موحدة يفاخرون بها على سائر الأمم.
وكم، كنا تواقين إلى تذكير هؤلاء المتكلمين في حضرتكم، بأن أحد البطاركة الموارنة المقيمين في وادي قنوبين، وهو البطريرك يوحنا مخلوف، قد اضطر إلى ترك الوادي
هرباً من بطش أحد المقدّمين الموارنة، فجاء قاصدا الأمير فخر الدين المعني طلبا لحمايته، وبسبب غياب الأمير ولجوئه إلى توسكانا في إيطاليا هربا من شر والي الشام،
سارع ابنه الأمير علي إلى عرض ضيافته على البطريرك، وليسهم في بناء كنيسة السيدة في مجدل المعوش من جيبه الخاص حيث أقام البطريرك في تلك البلدة اثنتي عشرة سنة
مع إخوتنا من بني معروف.
وتجدر الإشارة، إلى أن جبل لبنان، أيام السلطنة العثمانية التي دامت أربعماية وسنتين، كان الوحيد بين البلدان التي سيطر عليها العثمانيون في البلقان والشرق
الأوسط وإفريقيا، الذي كان ينعم بالاستقلال في حكم الأمراء التنوخيين والبحتريين، والمعنيين، والشهابيين إلى جانب إخوتهم الموارنة.
وإن الحاكم العثماني جمال باشا، عندما نصب المشانق ضد اللبنانيين الأحرار المطالبين بسلخ لبنان عن السلطنة، فإنه لم يفرّق بين مسيحي ومسلم، فكان شهداء الوطن
ينتمون إلى كل الطوائف والمذاهب.
وإن الاعتداءات التي تعرض لها المسيحيون في تلك الفترة، وقبلها كانت جلها من الجيوش الأجنبية التي دخلت لبنان، وظل المسيحيون بالرغم من تلك الحقبة السوداء،
متجذرين بأرضهم متمسكين بها وبحرية معتقداتهم.
وكنا نود تذكير المتكلمين في حضرة قداستكم، بأن جميع الزعماء المسلمين، على اختلاف مذاهبهم، قد فوضوا أحد عظماء البطاركة الموارنة الياس الحويك ليمثلهم في مؤتمر
الصلح الذي انعقد في فرساي سنة 1919 ليطالب باستقلال لبنان وانسلاخه عن السلطنة، وتفويض فرنسا عن طريق الانتداب شؤونه طوال ربع قرن.
وغاب عن ذاكرة المتكلمين ان الذين غادروا لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، او قبلها وبعدها، كانوا من المسيحيين والمسلمين على السواء، وذلك بسبب تردي الحالة
المعيشية وضيق ذات اليد، وهم اليوم منتشرون في شتى أنحاء العالم، ولم نسمع يوما ان أحداً منهم قد هاجر من لبنان بسبب الاضطهاد.
ولم يقل لقداستكم احد من المتكلمين ان لبنان يوم توحد جغرافيا وسياسيا لأول مرة في تاريخه في الأول من أيلول سنة 1920، رضي زعماؤه من مسلمين ومسيحيين بأن يكون
أول رئيس للجمهورية سنة 1926 من المسيحيين.
ويوم اعلان استقلال لبنان سنة 1943 ارتضى المسلمون ان يكون رئيس الجمهورية مسيحيا مارونيا ضمن ما عرف يومذاك «بالميثاق الوطني».
كما ارتضى المسلمون اللبنانيون ان يتضمن الدستور اللبناني المنبثق من اتفاق الطائف حق الموارنة في الرئاسة الأولى التي أصبحت حقا دستوريا.
وكلمة الحق التي كان على المجتمعين قولها في حضرة قداستكم هي ان أسباب هجرة المسيحيين في الآونة الأخيرة تعود الى الاقتتال في ما بينهم وإشهار سلاحهم على بعضهم
البعض.
إضافة الى سلطة كنسية ضعيفة وانحيازها الى فئة منهم دون الاخرى بحيث لم يعد الأب حكماً حيادياً على مسافة واحدة من جميع أبنائه.
والأخطر من ذلك هو استنكاف المراكز المسيحية التي تملك عن طريق الهبات اكبر ثروة عقارية في لبنان، كما انها تملك العديد من المدارس والمعاهد والجامعات، والمستشفيات
التي تدر عليها مبالغ طائلة بملايين الدولارات، وهي، في الوقت نفسه، تصد أبوابها في وجه المحتاجين من طالبي العلم والاستشفاء والسكن والعيش الكريم.
يا صاحب القداسة،
اننا نلتمس من لدنكم، كي يعود هذا السينودس بالنفع على المسيحيين بالفعل لا بالقول، ان تتنازلوا وتعينوا لجنة تحقيق حيادية للنظر في أحوال الأموال والأوقاف
العائدة للبطريركيات والأبرشيات والرهبانيات، واقتراح الحلول الآيلة الى ضبط هذه الأموال وكيفية إدارتها وإنفاقها، ما يؤدي، بالتأكيد، الى الحد من هجرة المسيحيين
الراغبين في البقاء في أرضهم لانهم ليسوا محبطين على الاطلاق، بل هم فقط محتاجون الى وسائل العيش الكريم.
واننا على استعداد لتزويد اللجنة التي قد تسمونها بالمعلومات كافة حول أوضاع هذه المؤسسات التي تفتقد الى الرقابة والمحاسبة والمساءلة!
انطوان عقل
قرأنا، وسمعنا الكثير من كلام بعض البطاركة والأساقفة والعلمانيين الذين حاضروا في حضرة قداستكم خلال انعقاد سينودوس الشرق الأوسط، وبخاصة ما ذكره بعض هؤلاء
من أن المسيحيين في لبنان محبطين زاعمين بالحرف «أن مسيحيي لبنان أصبحوا اليوم محشورين بين الزوال والانعزال مما يشكل تهديدا لنهاية دورهم التاريخي ورسالتهم».
ثم أضاف المتكلم قائلا: «كان لبنان يبدو لمعظم مسيحيي المنطقة ملجأ قد يقصدونه إذا زاد تردي أحوالهم في بلدانهم، ولكنه لم يعد اليوم كما كان في الماضي، مما
يضاعف أسباب القلق».
إن الذي يخاطبكم، يا صاحب القداسة، لم يكن له شرف المثول أمامكم ليؤكد لكم أن الكثير مما سمعتموه، لا يعكس الحقيقة، ويدل على جهل لتاريخ لبنان وتركيبته مدى
العصور، ما جعل سلفكم قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، وهو من عظماء الكنيسة، يؤكد من على منبر قرب سيدة لبنان، على «أن لبنان هو أكثر من وطن، بل هو رسالة».
يا صاحب القداسة،
إن لبنان لم يكن ملجأ للمسيحيين على اختلاف مذاهبهم فحسب، بل كان أيضا ملجأ للمسلمين على اختلاف مذاهبهم.
في اوائل الجيل الخامس للميلاد، وبسبب اضطهاد بعض الرهبان المسيحيين لإخوتهم المقيمين معهم في أحد الأديار على ضفاف العاصي، هرب من بقي منهم على قيد الحياة
فجاؤوا لاجئين إلى لبنان.
وبعد مئتي سنة، في أوائل الجيل السابع للميلاد، وبسبب اضطهاد بعض المسلمين لإخوتهم المسلمين حول الخلافة، هرب بعض هؤلاء وجاؤوا لاجئين إلى لبنان. وكذلك القول
عمّن يُعرفون «ببني معروف»، فأصابهم الاضطهاد ايضا وجاؤوا لاجئين إلى لبنان.
وهكذا أصبح لبنان، على مر العصور، ملجأ للمضطهدين من كل دين ومذهب، ينعمون في ربوعه، في جباله وسهوله، ووديانه وشواطئه، بنعم الحرية، والتسامح، واحترام الغير،
والقبول به ما جعل سكان هذا الوطن أمة موحدة يفاخرون بها على سائر الأمم.
وكم، كنا تواقين إلى تذكير هؤلاء المتكلمين في حضرتكم، بأن أحد البطاركة الموارنة المقيمين في وادي قنوبين، وهو البطريرك يوحنا مخلوف، قد اضطر إلى ترك الوادي
هرباً من بطش أحد المقدّمين الموارنة، فجاء قاصدا الأمير فخر الدين المعني طلبا لحمايته، وبسبب غياب الأمير ولجوئه إلى توسكانا في إيطاليا هربا من شر والي الشام،
سارع ابنه الأمير علي إلى عرض ضيافته على البطريرك، وليسهم في بناء كنيسة السيدة في مجدل المعوش من جيبه الخاص حيث أقام البطريرك في تلك البلدة اثنتي عشرة سنة
مع إخوتنا من بني معروف.
وتجدر الإشارة، إلى أن جبل لبنان، أيام السلطنة العثمانية التي دامت أربعماية وسنتين، كان الوحيد بين البلدان التي سيطر عليها العثمانيون في البلقان والشرق
الأوسط وإفريقيا، الذي كان ينعم بالاستقلال في حكم الأمراء التنوخيين والبحتريين، والمعنيين، والشهابيين إلى جانب إخوتهم الموارنة.
وإن الحاكم العثماني جمال باشا، عندما نصب المشانق ضد اللبنانيين الأحرار المطالبين بسلخ لبنان عن السلطنة، فإنه لم يفرّق بين مسيحي ومسلم، فكان شهداء الوطن
ينتمون إلى كل الطوائف والمذاهب.
وإن الاعتداءات التي تعرض لها المسيحيون في تلك الفترة، وقبلها كانت جلها من الجيوش الأجنبية التي دخلت لبنان، وظل المسيحيون بالرغم من تلك الحقبة السوداء،
متجذرين بأرضهم متمسكين بها وبحرية معتقداتهم.
وكنا نود تذكير المتكلمين في حضرة قداستكم، بأن جميع الزعماء المسلمين، على اختلاف مذاهبهم، قد فوضوا أحد عظماء البطاركة الموارنة الياس الحويك ليمثلهم في مؤتمر
الصلح الذي انعقد في فرساي سنة 1919 ليطالب باستقلال لبنان وانسلاخه عن السلطنة، وتفويض فرنسا عن طريق الانتداب شؤونه طوال ربع قرن.
وغاب عن ذاكرة المتكلمين ان الذين غادروا لبنان خلال الحرب العالمية الأولى، او قبلها وبعدها، كانوا من المسيحيين والمسلمين على السواء، وذلك بسبب تردي الحالة
المعيشية وضيق ذات اليد، وهم اليوم منتشرون في شتى أنحاء العالم، ولم نسمع يوما ان أحداً منهم قد هاجر من لبنان بسبب الاضطهاد.
ولم يقل لقداستكم احد من المتكلمين ان لبنان يوم توحد جغرافيا وسياسيا لأول مرة في تاريخه في الأول من أيلول سنة 1920، رضي زعماؤه من مسلمين ومسيحيين بأن يكون
أول رئيس للجمهورية سنة 1926 من المسيحيين.
ويوم اعلان استقلال لبنان سنة 1943 ارتضى المسلمون ان يكون رئيس الجمهورية مسيحيا مارونيا ضمن ما عرف يومذاك «بالميثاق الوطني».
كما ارتضى المسلمون اللبنانيون ان يتضمن الدستور اللبناني المنبثق من اتفاق الطائف حق الموارنة في الرئاسة الأولى التي أصبحت حقا دستوريا.
وكلمة الحق التي كان على المجتمعين قولها في حضرة قداستكم هي ان أسباب هجرة المسيحيين في الآونة الأخيرة تعود الى الاقتتال في ما بينهم وإشهار سلاحهم على بعضهم
البعض.
إضافة الى سلطة كنسية ضعيفة وانحيازها الى فئة منهم دون الاخرى بحيث لم يعد الأب حكماً حيادياً على مسافة واحدة من جميع أبنائه.
والأخطر من ذلك هو استنكاف المراكز المسيحية التي تملك عن طريق الهبات اكبر ثروة عقارية في لبنان، كما انها تملك العديد من المدارس والمعاهد والجامعات، والمستشفيات
التي تدر عليها مبالغ طائلة بملايين الدولارات، وهي، في الوقت نفسه، تصد أبوابها في وجه المحتاجين من طالبي العلم والاستشفاء والسكن والعيش الكريم.
يا صاحب القداسة،
اننا نلتمس من لدنكم، كي يعود هذا السينودس بالنفع على المسيحيين بالفعل لا بالقول، ان تتنازلوا وتعينوا لجنة تحقيق حيادية للنظر في أحوال الأموال والأوقاف
العائدة للبطريركيات والأبرشيات والرهبانيات، واقتراح الحلول الآيلة الى ضبط هذه الأموال وكيفية إدارتها وإنفاقها، ما يؤدي، بالتأكيد، الى الحد من هجرة المسيحيين
الراغبين في البقاء في أرضهم لانهم ليسوا محبطين على الاطلاق، بل هم فقط محتاجون الى وسائل العيش الكريم.
واننا على استعداد لتزويد اللجنة التي قد تسمونها بالمعلومات كافة حول أوضاع هذه المؤسسات التي تفتقد الى الرقابة والمحاسبة والمساءلة!
الفاتيكان عينه على خلف صفير.. وقلبه على البرنامج الإصلاحي
فريد هيكل وأمين كسروان الخازن يغلقان باب بكركي (عباس سلمان)
كلير شكر
في أعلى الموقع الالكتروني الخاص بالبطريركية المارونية، صورة ضخمة تجسّد بكركي، وقد أحاطتها من اليسار شجرات أرز عتقية، ومن اليمين نور آت من خلف الأفق. لتلك
الصورة رمزية خاصة، تعبّر عن تطلع الموارنة إلى كنيستهم، ومدى عمق جذورها في هذه الأرض.
صورة البطريرك المستقيل نصر الله صفير، تتربّع في وسط الصفحة، فيما عظاته، تأتي من بعده. ترتيب دقيق للصفحة، يطمح البعض إلى انسحابه على وضعية البطريركية، والمؤسسات
التابعة لها. هدف بات ثابتاً على جدول أعمال الكرسي الرسولي، الذي قرر مواكبة كنيسته الشرقية، بكلّ محطاتها المفصلية، البطريركية والرهبانية.
وبينما أقفل الأساقفة أبواب بكركي من حولهم، مساء أمس، كي لا يخرجوا من داخلها، إلا خلفاً لبطريرك جديد، تراقب روما مجريات الاستحقاق عن بعد: قلبها على الخلف،
وعينها على برنامجه... لأن المسارين صارا متلازمين بنظرها في هذا الزمن.
نداءات متكررة وجهها الفاتيكان إلى الكنيسة المارونية، كي ترتّب صفوفها، وأوضاعها الإدارية، التي لا تزال تسير وفق «وصايا القدماء». محاولات خجولة لم تر النور،
وانتهت إلى وضعها في أدراج بكركي، لكنها لم تقنع السلطات الحبرية، بالتخلي عن هذه «التوصية»، التي صارت حاجة، وليس ترفاً، يفترض بها أن تعوّض تراجعاً في حضور
المسيحيين في الشرق الأوسط، وفي لبنان.
تنظيم البطريركية إدارياً هو من مسؤولية رأس الكنيسة ومعاونيه. ولكن غياب الهيكلية الواضحة، دفع روما في أكثر من مناسبة إلى مناشدة الكنيسة المارونية إلى مأسسة
ذاتها. فقد ذكّر الكرسي الرسولي عبر الإرشاد الرسولي الخاص بلبنان، والإرشاد الجديد للسينودوس الخاص بالشرق الأوسط، بالبند الإصلاحي، الذي يبدو أنه صار طارئاً
على جدول أعمال الفاتيكان، والذي لا يتناول الشرع الكنسي، وإنما العلاقة ما بين السلطة الكنسية والمجتمع المسيحي.
ويُشاع عن وجود شكوى فاتيكانية، من اتساع الهوة بين بكركي وبين الشباب الماروني، والمسيحي بشكل عام، الأمر الذي تتطلب معالجته بشكل سريع، ما يستدعي إصلاحاً،
لا تزال أفكاره مطروحة عن بعد، وتنتظر العهد البطريركي الجديد. هناك من يرى ضرورة إعطاء دور للعلمانيين، من خلال إنشاء مجلس بطريركي علماني، يكون بإدارة أسقف
أو أكثر، أو من خلال تحويل بكركي إلى مؤسسة رديفة لمؤسسات الدولة، بمعنى السهر ومراقبة عمل هذه الأخيرة، لتكون الكنيسة شريكة فعلية في السلطات المدنية.
كما أن هاجس هجرة مسيحيي الشرق، يؤرق المسؤولين الحبريين، ويدفعهم إلى لعب دور استثنائي، في علاقاتهم مع الكنائس المشرقية. وقد تمنّت روما في أكثر من مناسبة
وقف هذا النزيف، كما صاغت خطط عمل، غالباً ما كانت علنية عبر رسائل حبرية، رفعتها إلى الكنائس المعنية، على أمل ترجمتها على الأرض.
بالنتيجة، إصلاحان أساسيان، تضعهما الفاتيكان نصب عينها، أولهما وطني، من خلال «اعتماد بكركي نهج الانفتاح على أبناء الوطن وطوائفه كافة»، كما يقول أحد الكهنة.
ثانيهما، التنظيم الإداري لبكركي، التي باتت تحتاج إلى دم شبابي يجدد عروقها، لا سيما وأنها تستضيف أكثر من أربعة أساقفة تخطوا الخامسة والسبعين من عمرهم.
الفاتيكان تريد بكركي على «صورتها ومثالها»، من المأسسة. هكذا يختصر الكاهن، نظرة الكرسي الرسولي إلى تنظيم البطريركية المارونية، لجهة إنشاء دوائر متخصصة،
مالية، سياسية، علمية، ثقافية، اجتماعية... تتابع شؤون الرعايا.
انطلاقاً من كونها «أم» الكنائس، وصاحبة سلطة روحية وغير سلطوية، يذهب الكثيرون إلى حدّ القول، إن روما اليوم، غير روما الأمس، في علاقتها مع الكنائس الشرقية،
في ضوء التراجع الدراماتيكي الذي أصاب مسيحيي الشرق، والتهجير القسري والإرادي الذي يتعرّضون له. يؤكدون أن إصرار الكرسي الرسولي على متابعة دقائق الأمور، لم
يعد موضع نقاش. السفير البابوي السابق لويجي غاتي، نجح، خلال ولايته الدبلوماسية في نقل صورة مفصّلة عن أوضاع الكنيــسة المارونية، بكلّ أزماتها، ومعاناة مؤمنيها.
السفير الحالي غابريال كاتشيا يضع في جيبه استراتيجية روما، لهذه الكنيسة، ورؤيتها المستقــبلية لأبناء هذه المنطقة. وما حمله في صناديق انتخابات الرهبــانية
المارونية، لم يكن إلا واحداً من خطوات كثيرة قد تقوم بها الفاتيكان لتقويم الاعوجاج، وقد تلت تلك الخطوة دعوات خطية وجهها الفاتيــكان إلى الأساقفة الذين بلغوا
السن القانونية ودعاهم إلى تقديم استقالاتهم، ليكون الاستحقاق البطريركي، ثالث تلك المحطات.
أن يصل عميد مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري إلى بيروت، في هذا التوقيت بالذات، يحمل برأي الكثيرين دلالات قوية، وإن كان للزيارة أهداف معلنة،
تتصل بتكريم البطريرك المستقيل نصر الله صفير، ولكنه مؤشر واضح على إبقاء الفاتيكان على عينه ساهرة، لحين خروج الدخان الأبيض من الصرح البطريركي.
وهناك من يقول، إن روما تدرك بينها وبين ذاتها، من سيكون الخلف السابع والسبعين للبطريرك صفير، لأنّ المواصفات المطلوبة لهذه المرحلة، تكاد محصورة بأساقفة محدودين.
أما سلطة «التثبيت» التي يملكها الفاتيكان، والتي يفترض بأي مرشح يحصل على ثلثي أصوات «زملائه» الأساقفة، أن ينالها من السلطات الحبرية كي يتوّج بطريركاً...
فتخوّل الكرسي الرسولي، بحسب أحد الكهنة، بأن يكون له كلمة حاسمة من اسم البطريرك العتيد. ويميل المشجعون إلى «نفضة تنظيمية» في بكركي إلى الاعتقاد، أن الكرسي
الرسولي يهتم بهوية سيد بكركي الجديد، بقدر اهتمامه، بأجندة هذا الأخير للغد... وبسيرته في الأمس.
هرمياً، البطريرك الماروني هو رأس هذه الكنيسة، يعاونه مجلس مطارنة لإدارة شؤون الطائفة، الوطنية، الاجتماعية، الكنسية وحتى في التنظيم الإداري. يترأس البطريرك
المجلس الذي يسير وفق قانون الشرع للكنيسة المارونية، الذي يحدد آلية اتخاذ القرارات فيه.
الأبرشيات هي المستوى الثاني للسلطة الكنسية، تكون إما برئاسة أسقف أو البطريرك بالإنابة، تتولى شؤون الرعايا وإدارة المؤسسات الموجودة في نطاقها، وتتوزع على
الداخل اللبناني وخارجه، وهي: نيابة زغرتا المارونيّة، أبرشيّة بروكلين، أبرشيّة أنطلياس، أبرشيّة البترون، أبرشيّة جبيل، أبرشيّة قبرص، أبرشيّة الأرجنتين،
نيابة صربا، نيابة الجبة، أبرشيّة بيروت، أبرشيّة مونتريال، أبرشيّة حيفا والأراضي المقدّسة، أبرشيّة حلب، نيابة جونية، أبرشيّة لوس أنجلس، أبرشيّة اللاذقية،
أبرشيّة استراليا، أبرشيّة زحلة، أبرشيّة المكسيك، أبرشيّة صور، أبرشيّة القاهرة، أبرشيّة بعلبك ودير الأحمر، أبرشيّة طرابلس، أبرشيّة صيدا، أبرشيّة البرازيل،
وأبرشيّة دمشق. والمقصود بالنيابة، تلك الأبرشية التي تتبع مباشرة للبطريرك الذي يعين نائباً عنه لإدارتها.
تعتبر أبرشية بيروت التي يترأسها المطران بولس مطر، هي «الأقوى» والأكثر نفوذاً لكونها تقع جغرافياً في موقع القرار وقريبة من مراكز النفوذ السياسية. يقصدها
رئيس الجمهورية للمشاركة في قداس مار مارون، في دلالة على أهمية هذه الأبرشية. كما تبرز «قوتها» من المؤسسات التربوية التي تديرها، وأبرزها جامعة الحكمة ومدرسة
الحكمة، إضافة إلى مهنيتين، ومدارس مجانية، إلى جانب امتدادها الجغرافي في بقعة يُعتبر رعاياها ميسورين. جغرافياً تمتد الأبرشية من بيروت حتى نهر الدامور، صعوداً
نحو نبع الصفا وعيندارا في عاليه، كما أن معظم قضاء بعبدا يتبع لها، إضافة إلى جزء كبير من قضاء المتن الشمالي، من عينطورة، المتين، المروج، بعبدات، بيت مري،
عين سعادة (المقر الصيفي للمطران)، الجديدة...
السفير
فريد هيكل وأمين كسروان الخازن يغلقان باب بكركي (عباس سلمان)
كلير شكر
في أعلى الموقع الالكتروني الخاص بالبطريركية المارونية، صورة ضخمة تجسّد بكركي، وقد أحاطتها من اليسار شجرات أرز عتقية، ومن اليمين نور آت من خلف الأفق. لتلك
الصورة رمزية خاصة، تعبّر عن تطلع الموارنة إلى كنيستهم، ومدى عمق جذورها في هذه الأرض.
صورة البطريرك المستقيل نصر الله صفير، تتربّع في وسط الصفحة، فيما عظاته، تأتي من بعده. ترتيب دقيق للصفحة، يطمح البعض إلى انسحابه على وضعية البطريركية، والمؤسسات
التابعة لها. هدف بات ثابتاً على جدول أعمال الكرسي الرسولي، الذي قرر مواكبة كنيسته الشرقية، بكلّ محطاتها المفصلية، البطريركية والرهبانية.
وبينما أقفل الأساقفة أبواب بكركي من حولهم، مساء أمس، كي لا يخرجوا من داخلها، إلا خلفاً لبطريرك جديد، تراقب روما مجريات الاستحقاق عن بعد: قلبها على الخلف،
وعينها على برنامجه... لأن المسارين صارا متلازمين بنظرها في هذا الزمن.
نداءات متكررة وجهها الفاتيكان إلى الكنيسة المارونية، كي ترتّب صفوفها، وأوضاعها الإدارية، التي لا تزال تسير وفق «وصايا القدماء». محاولات خجولة لم تر النور،
وانتهت إلى وضعها في أدراج بكركي، لكنها لم تقنع السلطات الحبرية، بالتخلي عن هذه «التوصية»، التي صارت حاجة، وليس ترفاً، يفترض بها أن تعوّض تراجعاً في حضور
المسيحيين في الشرق الأوسط، وفي لبنان.
تنظيم البطريركية إدارياً هو من مسؤولية رأس الكنيسة ومعاونيه. ولكن غياب الهيكلية الواضحة، دفع روما في أكثر من مناسبة إلى مناشدة الكنيسة المارونية إلى مأسسة
ذاتها. فقد ذكّر الكرسي الرسولي عبر الإرشاد الرسولي الخاص بلبنان، والإرشاد الجديد للسينودوس الخاص بالشرق الأوسط، بالبند الإصلاحي، الذي يبدو أنه صار طارئاً
على جدول أعمال الفاتيكان، والذي لا يتناول الشرع الكنسي، وإنما العلاقة ما بين السلطة الكنسية والمجتمع المسيحي.
ويُشاع عن وجود شكوى فاتيكانية، من اتساع الهوة بين بكركي وبين الشباب الماروني، والمسيحي بشكل عام، الأمر الذي تتطلب معالجته بشكل سريع، ما يستدعي إصلاحاً،
لا تزال أفكاره مطروحة عن بعد، وتنتظر العهد البطريركي الجديد. هناك من يرى ضرورة إعطاء دور للعلمانيين، من خلال إنشاء مجلس بطريركي علماني، يكون بإدارة أسقف
أو أكثر، أو من خلال تحويل بكركي إلى مؤسسة رديفة لمؤسسات الدولة، بمعنى السهر ومراقبة عمل هذه الأخيرة، لتكون الكنيسة شريكة فعلية في السلطات المدنية.
كما أن هاجس هجرة مسيحيي الشرق، يؤرق المسؤولين الحبريين، ويدفعهم إلى لعب دور استثنائي، في علاقاتهم مع الكنائس المشرقية. وقد تمنّت روما في أكثر من مناسبة
وقف هذا النزيف، كما صاغت خطط عمل، غالباً ما كانت علنية عبر رسائل حبرية، رفعتها إلى الكنائس المعنية، على أمل ترجمتها على الأرض.
بالنتيجة، إصلاحان أساسيان، تضعهما الفاتيكان نصب عينها، أولهما وطني، من خلال «اعتماد بكركي نهج الانفتاح على أبناء الوطن وطوائفه كافة»، كما يقول أحد الكهنة.
ثانيهما، التنظيم الإداري لبكركي، التي باتت تحتاج إلى دم شبابي يجدد عروقها، لا سيما وأنها تستضيف أكثر من أربعة أساقفة تخطوا الخامسة والسبعين من عمرهم.
الفاتيكان تريد بكركي على «صورتها ومثالها»، من المأسسة. هكذا يختصر الكاهن، نظرة الكرسي الرسولي إلى تنظيم البطريركية المارونية، لجهة إنشاء دوائر متخصصة،
مالية، سياسية، علمية، ثقافية، اجتماعية... تتابع شؤون الرعايا.
انطلاقاً من كونها «أم» الكنائس، وصاحبة سلطة روحية وغير سلطوية، يذهب الكثيرون إلى حدّ القول، إن روما اليوم، غير روما الأمس، في علاقتها مع الكنائس الشرقية،
في ضوء التراجع الدراماتيكي الذي أصاب مسيحيي الشرق، والتهجير القسري والإرادي الذي يتعرّضون له. يؤكدون أن إصرار الكرسي الرسولي على متابعة دقائق الأمور، لم
يعد موضع نقاش. السفير البابوي السابق لويجي غاتي، نجح، خلال ولايته الدبلوماسية في نقل صورة مفصّلة عن أوضاع الكنيــسة المارونية، بكلّ أزماتها، ومعاناة مؤمنيها.
السفير الحالي غابريال كاتشيا يضع في جيبه استراتيجية روما، لهذه الكنيسة، ورؤيتها المستقــبلية لأبناء هذه المنطقة. وما حمله في صناديق انتخابات الرهبــانية
المارونية، لم يكن إلا واحداً من خطوات كثيرة قد تقوم بها الفاتيكان لتقويم الاعوجاج، وقد تلت تلك الخطوة دعوات خطية وجهها الفاتيــكان إلى الأساقفة الذين بلغوا
السن القانونية ودعاهم إلى تقديم استقالاتهم، ليكون الاستحقاق البطريركي، ثالث تلك المحطات.
أن يصل عميد مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري إلى بيروت، في هذا التوقيت بالذات، يحمل برأي الكثيرين دلالات قوية، وإن كان للزيارة أهداف معلنة،
تتصل بتكريم البطريرك المستقيل نصر الله صفير، ولكنه مؤشر واضح على إبقاء الفاتيكان على عينه ساهرة، لحين خروج الدخان الأبيض من الصرح البطريركي.
وهناك من يقول، إن روما تدرك بينها وبين ذاتها، من سيكون الخلف السابع والسبعين للبطريرك صفير، لأنّ المواصفات المطلوبة لهذه المرحلة، تكاد محصورة بأساقفة محدودين.
أما سلطة «التثبيت» التي يملكها الفاتيكان، والتي يفترض بأي مرشح يحصل على ثلثي أصوات «زملائه» الأساقفة، أن ينالها من السلطات الحبرية كي يتوّج بطريركاً...
فتخوّل الكرسي الرسولي، بحسب أحد الكهنة، بأن يكون له كلمة حاسمة من اسم البطريرك العتيد. ويميل المشجعون إلى «نفضة تنظيمية» في بكركي إلى الاعتقاد، أن الكرسي
الرسولي يهتم بهوية سيد بكركي الجديد، بقدر اهتمامه، بأجندة هذا الأخير للغد... وبسيرته في الأمس.
هرمياً، البطريرك الماروني هو رأس هذه الكنيسة، يعاونه مجلس مطارنة لإدارة شؤون الطائفة، الوطنية، الاجتماعية، الكنسية وحتى في التنظيم الإداري. يترأس البطريرك
المجلس الذي يسير وفق قانون الشرع للكنيسة المارونية، الذي يحدد آلية اتخاذ القرارات فيه.
الأبرشيات هي المستوى الثاني للسلطة الكنسية، تكون إما برئاسة أسقف أو البطريرك بالإنابة، تتولى شؤون الرعايا وإدارة المؤسسات الموجودة في نطاقها، وتتوزع على
الداخل اللبناني وخارجه، وهي: نيابة زغرتا المارونيّة، أبرشيّة بروكلين، أبرشيّة أنطلياس، أبرشيّة البترون، أبرشيّة جبيل، أبرشيّة قبرص، أبرشيّة الأرجنتين،
نيابة صربا، نيابة الجبة، أبرشيّة بيروت، أبرشيّة مونتريال، أبرشيّة حيفا والأراضي المقدّسة، أبرشيّة حلب، نيابة جونية، أبرشيّة لوس أنجلس، أبرشيّة اللاذقية،
أبرشيّة استراليا، أبرشيّة زحلة، أبرشيّة المكسيك، أبرشيّة صور، أبرشيّة القاهرة، أبرشيّة بعلبك ودير الأحمر، أبرشيّة طرابلس، أبرشيّة صيدا، أبرشيّة البرازيل،
وأبرشيّة دمشق. والمقصود بالنيابة، تلك الأبرشية التي تتبع مباشرة للبطريرك الذي يعين نائباً عنه لإدارتها.
تعتبر أبرشية بيروت التي يترأسها المطران بولس مطر، هي «الأقوى» والأكثر نفوذاً لكونها تقع جغرافياً في موقع القرار وقريبة من مراكز النفوذ السياسية. يقصدها
رئيس الجمهورية للمشاركة في قداس مار مارون، في دلالة على أهمية هذه الأبرشية. كما تبرز «قوتها» من المؤسسات التربوية التي تديرها، وأبرزها جامعة الحكمة ومدرسة
الحكمة، إضافة إلى مهنيتين، ومدارس مجانية، إلى جانب امتدادها الجغرافي في بقعة يُعتبر رعاياها ميسورين. جغرافياً تمتد الأبرشية من بيروت حتى نهر الدامور، صعوداً
نحو نبع الصفا وعيندارا في عاليه، كما أن معظم قضاء بعبدا يتبع لها، إضافة إلى جزء كبير من قضاء المتن الشمالي، من عينطورة، المتين، المروج، بعبدات، بيت مري،
عين سعادة (المقر الصيفي للمطران)، الجديدة...
السفير
أفكار واقتراحات مسيحية للبطريرك الجديد في القيم... والتنظيم
(م.ع.م)
مارون ناصيف
لم يعد خافياً على أحد أن السياسة التي اعتمدتها البطريركية المارونية خلال ربع قرن من الزمن، أدت الى إحداث انقسام ماروني بين أبناء الرعية الواحدة، في محطات
عدة ولاسيما في السنوات العشر الأخيرة التي أعقبت تحرير الجنوب في العام ألفين وانطلاق مسار الدعوة لاخراج الجيش السوري من لبنان عن طريق «قرنة شهوان» وبرعاية
من البطريرك الماروني نصرالله صفير مباشرة.
هذه السياسة ربما أصابت أحيانا وربما أخطأت في أحيان أخرى، لكن الأكيد أنها لم تنجح في الجمع بين مسيحي وآخر، بين قائد جيش وزعيم ميليشيا، بين رئيس حزب أو رئيس
كتلة نيابية... كل ذلك من دون أن تكون معايير التفرقة واضحة وشفافة ومن دون تقديم الحجج والأسباب التي تبرر ذلك ما عدا القول بصعوبة أمزجة الموارنة أو صعوبة
الجمع بين متناقضين الى حد المستحيل.
لذلك كان فريق من المسيحيين يشعر دائماً بالإستهداف من قبل البطريرك صفير الذي عمد وفي أكثر من مناسبة مفصلية الى اتخاذ مواقف سياسية حادة تدعم فريقاً مسيحياً
ضد آخر، من دون الأخذ في الإعتبار أن بكركي هي المرجعية التي يجب أن تعمل على قاعدة الجمع لا التفرقة، وبالتالي أدى دخول سيد الصرح في زواريب السياسة الداخلية
الى تعريض مقامه ومرجعيته لإنتقادات، حتى أن مناصري سليمان فرنجية أصبحوا ينادون زعيمهم في مرحلة ما، بـ«انت البطريرك يا سليمان» عندما كان الأخير يهاجم صفير
عبر شاشات التلفزة بسبب مواقفه.
حتى في أيام صفير الأخيرة داخل الصرح البطريركي، «يشعر فريق مسيحي وازن بالإستهداف» من قبل بكركي التي لطالما اعتبر مرجع مسيحي بارز «أنها لعبت دوراً مميزاً
في حياة لبنان وتاريخه وفي إنشاء دولة لبنان الكبير». ولكن، على رغم كل هذه المطبات التي مرت بها العلاقة بينهما، لا يتدخل هذا المرجع المسيحي لا من قريب ولا
من بعيد بالإنتخابات التي ستشهدها البطريركية المارونية، اعتبارا من يوم غد، حتى أنه يفضل، وخلافاَ للآخرين، عدم التعليق في الإعلام على هذا الإستحقاق. غير
أن عدم التدخل هذا لا يمنع أن تكون لديه رؤيته وتمنياته الخاصة المتعلقة بمواصفات البطريرك الماروني الجديد وكيفية إدارة شؤون الطائفة المارونية.
يفضل المرجع المسيحي المذكور عدم الدخول في التسميات والحسابات لكن مطلبه الوحيد «أن يأتي بطريرك عادل يجمع ولا يفرّق بين أبناء الكنيسة»، ذلك أن «القيم التي
يجب أن تعمل الكنيسة المارونية على إرسائها» هي «أعلى وأسمى بدرجات لا تقدّر من يوميات السياسة المحلية، ومنها دعم العدالة لا إعادة الإعتبار للمجرمين والقتلة،
محاربة الفساد، صون الحريات العامة بحسب ما نصّت عليه المواد الدستورية، هذا بالإضافة الى مكافحة ظاهرة تعاطي المخدرات التي ضربت المجتمع اللبناني وغيرها من
الآفات المشابهة» على حد تعبير المرجع الماروني البارز.
أضف إلى ذلك، لا بد من الالتفات إلى دور المسيحيين في السلطة وكيفية الحفاظ على المواقع المسيحية في الإدارة والمؤسسات الأمنية وغيرها، كما «إعادة الإعتبار
إلى موقع الرئاسة الأولى وذلك من خلال إستعادة الصلاحيات التي نزعها اتفاق الطائف من رئيس الجمهورية».
لا تغيب مسألة مشاركة المسيحيين في الوظائف الرسمية، وفي المؤسسات والإدارات العامة عن هواجس المرجع الماروني البارز، إذ يجب «أن تأخذها البطريركية المارونية
بعين الإعتبار، كل ذلك من دون نسيان الدور الذي يمكن أن تلعبه بكركي على صعيد التحذير من السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تلحق أضراراً جسيمة
بالدولة والمجتمع في آن معاً».
وفي سياق نظرته الى المرحلة الحالية التي لا تحتمل الاقدام على خطوة الغاء الطائفية السياسية قبل وضع برنامج زمني واجتماعي لهيكلية هذه الخطوة، يعوّل المرجع
المسيحي كثيراً على بكركي معتبراً أنها يمكن أن تساعده في إقناع الأفرقاء بأن هذا المشروع يتطلب مرحلة استقرار وعدم وجود تقلّبات داخلية وخارجية تثير بعض الشكوك».
أما بالنسبة الى الملف الأكثر سخونة ألا وهو توطين الفلسطينيين في لبنان، فيسلّم المرجع بأن البطريرك الجديد يجب أن يعي خطورة هذا المشروع وما ينسج خارجياً
للبنان على هذا الصعيد.
«تفريغ الشرق من مسيحييه عنوان لا يجب التهاون معه من قبل بكركي» يقول المرجع المسيحي البارز «خصوصاً بعد تفجيرات الكنائس في العراق ومصر، وما يتعرض له يومياً
مسيحيو القدس، من أعمال تهديد وترغيب، في سياق مخطط يهدف الى تهويد المدينة المقدسة.
أما على صعيد المطارنة والأساقفة، فيعتبر المرجع نفسه، أن هناك ضرورة لتأمين التوازن الفكري مقارنة مع واقع الحال، إذ هناك بعض المطارنة لا يزالون يتكلمون بذهنية
القرن التاسع عشر، يقابل ذلك بعض آخر منهم سبق الآخرين بأشواط على صعيد التحضّر الفكري، لذلك فالتطرف يضرّ أكان رجعياً أم تقدمياً بحسب المقاربة المسيحية لهذا
المرجع.
هذا في القيم والسياسة العامة للبطريركية، أما في التنظيم فثروة الكنيسة الضخمة بالنسبة الى كاهن عرف بصوته الإصلاحي العالي، الموزّعة على الأبرشيات والمدارس
والجامعات «تحتاج الى إدارة مركزية جيدة على عكس ما هو قائم اليوم».
وفي هذا الإطار، يبرز اقتراح أن تنظّم الأبرشيات الغنيّة موازنة سنويّة تصرف على أساسها، على أن يتمّ تحويل الفائض الى صندوق مركزي، يقوم هذا الأخير بدوره بعملية
توزيع المساعدات من الفائض على الأبرشيات الفقيرة وتنظيمها كما يجب. من يدير كل هذه العملية المالية بحسب الإقتراح المذكور هو مصرف خاص بالكنيسة المارونية،
يديره مجلس إدارة ديني ـ مدني مشترك، على غرار ما يحصل في الفاتيكان». المرجعية الأولى والأخيرة لهذه العملية الإدارية، يجب أن يتولاها «مجلس إدارة أملاك الطائفة»
الذي يجب أن يؤلف من مطارنة ومدنيين في آن معاً.
الهدف من هذه المنظومة الإدارية المركزية داخل الطائفة يلخصه الكاهن المذكور بـ«عدم فرقعة أملاك الكنيسة وتسهيل إدارتها بشكل جيد كما منع التفريط بها أحياناً
لأهداف إما شخصية وإما وراثية».
السفير
(م.ع.م)
مارون ناصيف
لم يعد خافياً على أحد أن السياسة التي اعتمدتها البطريركية المارونية خلال ربع قرن من الزمن، أدت الى إحداث انقسام ماروني بين أبناء الرعية الواحدة، في محطات
عدة ولاسيما في السنوات العشر الأخيرة التي أعقبت تحرير الجنوب في العام ألفين وانطلاق مسار الدعوة لاخراج الجيش السوري من لبنان عن طريق «قرنة شهوان» وبرعاية
من البطريرك الماروني نصرالله صفير مباشرة.
هذه السياسة ربما أصابت أحيانا وربما أخطأت في أحيان أخرى، لكن الأكيد أنها لم تنجح في الجمع بين مسيحي وآخر، بين قائد جيش وزعيم ميليشيا، بين رئيس حزب أو رئيس
كتلة نيابية... كل ذلك من دون أن تكون معايير التفرقة واضحة وشفافة ومن دون تقديم الحجج والأسباب التي تبرر ذلك ما عدا القول بصعوبة أمزجة الموارنة أو صعوبة
الجمع بين متناقضين الى حد المستحيل.
لذلك كان فريق من المسيحيين يشعر دائماً بالإستهداف من قبل البطريرك صفير الذي عمد وفي أكثر من مناسبة مفصلية الى اتخاذ مواقف سياسية حادة تدعم فريقاً مسيحياً
ضد آخر، من دون الأخذ في الإعتبار أن بكركي هي المرجعية التي يجب أن تعمل على قاعدة الجمع لا التفرقة، وبالتالي أدى دخول سيد الصرح في زواريب السياسة الداخلية
الى تعريض مقامه ومرجعيته لإنتقادات، حتى أن مناصري سليمان فرنجية أصبحوا ينادون زعيمهم في مرحلة ما، بـ«انت البطريرك يا سليمان» عندما كان الأخير يهاجم صفير
عبر شاشات التلفزة بسبب مواقفه.
حتى في أيام صفير الأخيرة داخل الصرح البطريركي، «يشعر فريق مسيحي وازن بالإستهداف» من قبل بكركي التي لطالما اعتبر مرجع مسيحي بارز «أنها لعبت دوراً مميزاً
في حياة لبنان وتاريخه وفي إنشاء دولة لبنان الكبير». ولكن، على رغم كل هذه المطبات التي مرت بها العلاقة بينهما، لا يتدخل هذا المرجع المسيحي لا من قريب ولا
من بعيد بالإنتخابات التي ستشهدها البطريركية المارونية، اعتبارا من يوم غد، حتى أنه يفضل، وخلافاَ للآخرين، عدم التعليق في الإعلام على هذا الإستحقاق. غير
أن عدم التدخل هذا لا يمنع أن تكون لديه رؤيته وتمنياته الخاصة المتعلقة بمواصفات البطريرك الماروني الجديد وكيفية إدارة شؤون الطائفة المارونية.
يفضل المرجع المسيحي المذكور عدم الدخول في التسميات والحسابات لكن مطلبه الوحيد «أن يأتي بطريرك عادل يجمع ولا يفرّق بين أبناء الكنيسة»، ذلك أن «القيم التي
يجب أن تعمل الكنيسة المارونية على إرسائها» هي «أعلى وأسمى بدرجات لا تقدّر من يوميات السياسة المحلية، ومنها دعم العدالة لا إعادة الإعتبار للمجرمين والقتلة،
محاربة الفساد، صون الحريات العامة بحسب ما نصّت عليه المواد الدستورية، هذا بالإضافة الى مكافحة ظاهرة تعاطي المخدرات التي ضربت المجتمع اللبناني وغيرها من
الآفات المشابهة» على حد تعبير المرجع الماروني البارز.
أضف إلى ذلك، لا بد من الالتفات إلى دور المسيحيين في السلطة وكيفية الحفاظ على المواقع المسيحية في الإدارة والمؤسسات الأمنية وغيرها، كما «إعادة الإعتبار
إلى موقع الرئاسة الأولى وذلك من خلال إستعادة الصلاحيات التي نزعها اتفاق الطائف من رئيس الجمهورية».
لا تغيب مسألة مشاركة المسيحيين في الوظائف الرسمية، وفي المؤسسات والإدارات العامة عن هواجس المرجع الماروني البارز، إذ يجب «أن تأخذها البطريركية المارونية
بعين الإعتبار، كل ذلك من دون نسيان الدور الذي يمكن أن تلعبه بكركي على صعيد التحذير من السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تلحق أضراراً جسيمة
بالدولة والمجتمع في آن معاً».
وفي سياق نظرته الى المرحلة الحالية التي لا تحتمل الاقدام على خطوة الغاء الطائفية السياسية قبل وضع برنامج زمني واجتماعي لهيكلية هذه الخطوة، يعوّل المرجع
المسيحي كثيراً على بكركي معتبراً أنها يمكن أن تساعده في إقناع الأفرقاء بأن هذا المشروع يتطلب مرحلة استقرار وعدم وجود تقلّبات داخلية وخارجية تثير بعض الشكوك».
أما بالنسبة الى الملف الأكثر سخونة ألا وهو توطين الفلسطينيين في لبنان، فيسلّم المرجع بأن البطريرك الجديد يجب أن يعي خطورة هذا المشروع وما ينسج خارجياً
للبنان على هذا الصعيد.
«تفريغ الشرق من مسيحييه عنوان لا يجب التهاون معه من قبل بكركي» يقول المرجع المسيحي البارز «خصوصاً بعد تفجيرات الكنائس في العراق ومصر، وما يتعرض له يومياً
مسيحيو القدس، من أعمال تهديد وترغيب، في سياق مخطط يهدف الى تهويد المدينة المقدسة.
أما على صعيد المطارنة والأساقفة، فيعتبر المرجع نفسه، أن هناك ضرورة لتأمين التوازن الفكري مقارنة مع واقع الحال، إذ هناك بعض المطارنة لا يزالون يتكلمون بذهنية
القرن التاسع عشر، يقابل ذلك بعض آخر منهم سبق الآخرين بأشواط على صعيد التحضّر الفكري، لذلك فالتطرف يضرّ أكان رجعياً أم تقدمياً بحسب المقاربة المسيحية لهذا
المرجع.
هذا في القيم والسياسة العامة للبطريركية، أما في التنظيم فثروة الكنيسة الضخمة بالنسبة الى كاهن عرف بصوته الإصلاحي العالي، الموزّعة على الأبرشيات والمدارس
والجامعات «تحتاج الى إدارة مركزية جيدة على عكس ما هو قائم اليوم».
وفي هذا الإطار، يبرز اقتراح أن تنظّم الأبرشيات الغنيّة موازنة سنويّة تصرف على أساسها، على أن يتمّ تحويل الفائض الى صندوق مركزي، يقوم هذا الأخير بدوره بعملية
توزيع المساعدات من الفائض على الأبرشيات الفقيرة وتنظيمها كما يجب. من يدير كل هذه العملية المالية بحسب الإقتراح المذكور هو مصرف خاص بالكنيسة المارونية،
يديره مجلس إدارة ديني ـ مدني مشترك، على غرار ما يحصل في الفاتيكان». المرجعية الأولى والأخيرة لهذه العملية الإدارية، يجب أن يتولاها «مجلس إدارة أملاك الطائفة»
الذي يجب أن يؤلف من مطارنة ومدنيين في آن معاً.
الهدف من هذه المنظومة الإدارية المركزية داخل الطائفة يلخصه الكاهن المذكور بـ«عدم فرقعة أملاك الكنيسة وتسهيل إدارتها بشكل جيد كما منع التفريط بها أحياناً
لأهداف إما شخصية وإما وراثية».
السفير
أعزَّاؤنا بالربّ يسوع المنتسبون إلى «الإنجيل اليوميّ»
بدأ يوم الإثنين الفائت الصوم الأربعينيّ وهو مسيرة تشبه إلى حدّ كبير اختبار الابن الشاطر (لوقا 15: 11-32) الذي يُقرأ في الليترجيّا في منتصف هذا الزمن.
17 فَرَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَال: ...أَقُومُ وَأَمْضي إِلى أَبي
إنَّ الصوم هو دعوة للعودة إلى الذات ونتيجتها تغيير اتِّجاه حياتنا نحو البيت الوالديّ.
16 وَكانَ يَشْتَهي أَنْ يَمْلأَ جَوْفَهُ مِنَ الخَرُّوبِ الَّذي كَانَتِ الخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ،... 23 فَقالَ الأَبُ:... وأْتُوا بِالعِجْلِ المُسَمَّنِ وٱذْبَحُوه، وَلْنَأْكُلْ وَنَتَنَعَّمْ!
إنَّ الصوم هو زمن اكتشاف أنَّ ما نأكله أو ما نشتهي أكله بالنسبة إلى ما هو معدٌّ لنا من الآب السماويّ هو كمثل الخروب بالنسبة إلى العجل المسمَّن.
32 يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَعَّمَ وَنَفْرَح، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كانَ مَيْتًا فَعَاش
إنَّ الصوم هو انضمام إلى الاحتفال الأخوي بمناسبة انتصار الحياة على الموت الذي تمّ في قيامة المسيح ويتمّ في توبة كلّ واحد منّا.
________________________________________
بدأ الصوم هذه السنة بالتزامن مع انعقاد السينودس المقدَّس لانتخاب بطريرك جديد للكنيسة المارونيّة. هذه المصادفة نقرؤها كدعوة لكي نصلّي ونصوم من أجل أن يختار الآباء الأساقفة من يراه الروح القدس لهذه الخدمة الكنسيّة. ستجدون صلاةً خاصّة لهذه المناسبة في آخر الرسالة الإلكترونيّة اليوميّة. حبَّذا لو تشاركونا بهذا الجهد الروحيّ منذ اليوم وحتّى إعلان المُنتخَب، فيكون اختيار البطريرك الجديد تكاتفًا كنسيًّا حقيقيًّا مواكبًا بفعل نعمة الروح القدس الإلهيّة.
فريق الخدمة المارونيّة في «الإنجيل اليوميّ»
بدأ يوم الإثنين الفائت الصوم الأربعينيّ وهو مسيرة تشبه إلى حدّ كبير اختبار الابن الشاطر (لوقا 15: 11-32) الذي يُقرأ في الليترجيّا في منتصف هذا الزمن.
17 فَرَجَعَ إِلى نَفْسِهِ وَقَال: ...أَقُومُ وَأَمْضي إِلى أَبي
إنَّ الصوم هو دعوة للعودة إلى الذات ونتيجتها تغيير اتِّجاه حياتنا نحو البيت الوالديّ.
16 وَكانَ يَشْتَهي أَنْ يَمْلأَ جَوْفَهُ مِنَ الخَرُّوبِ الَّذي كَانَتِ الخَنَازِيرُ تَأْكُلُهُ،... 23 فَقالَ الأَبُ:... وأْتُوا بِالعِجْلِ المُسَمَّنِ وٱذْبَحُوه، وَلْنَأْكُلْ وَنَتَنَعَّمْ!
إنَّ الصوم هو زمن اكتشاف أنَّ ما نأكله أو ما نشتهي أكله بالنسبة إلى ما هو معدٌّ لنا من الآب السماويّ هو كمثل الخروب بالنسبة إلى العجل المسمَّن.
32 يَنْبَغِي أَنْ نَتَنَعَّمَ وَنَفْرَح، لأَنَّ أَخَاكَ هذَا كانَ مَيْتًا فَعَاش
إنَّ الصوم هو انضمام إلى الاحتفال الأخوي بمناسبة انتصار الحياة على الموت الذي تمّ في قيامة المسيح ويتمّ في توبة كلّ واحد منّا.
________________________________________
بدأ الصوم هذه السنة بالتزامن مع انعقاد السينودس المقدَّس لانتخاب بطريرك جديد للكنيسة المارونيّة. هذه المصادفة نقرؤها كدعوة لكي نصلّي ونصوم من أجل أن يختار الآباء الأساقفة من يراه الروح القدس لهذه الخدمة الكنسيّة. ستجدون صلاةً خاصّة لهذه المناسبة في آخر الرسالة الإلكترونيّة اليوميّة. حبَّذا لو تشاركونا بهذا الجهد الروحيّ منذ اليوم وحتّى إعلان المُنتخَب، فيكون اختيار البطريرك الجديد تكاتفًا كنسيًّا حقيقيًّا مواكبًا بفعل نعمة الروح القدس الإلهيّة.
فريق الخدمة المارونيّة في «الإنجيل اليوميّ»
الإنجيل اليومي بحسب الطقس الماروني
يا ربّ، إِلى مَن نَذهَب وكَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَك ؟
(يوحنا 6: 68)
الخميس 10 آذار/مارس 2011
الخميس الأوّل من الصوم الكبير
إنجيل القدّيس متّى .34-25:6
ولِهذَا أَقُولُ لَكُم: لا تَهْتَمُّوا لِنَفْسِكُم بِمَا تَأْكُلُون، ولا لِجَسَدِكُم بِمَا تَلْبَسُون. أَلَيْسَتِ النَّفْسُ أَهَمَّ مِنَ الطَّعَام، والجَسَدُ أَهَمَّ مِنَ اللِّبَاس؟ أُنْظُرُوا إِلى طُيُورِ السَّمَاء، فهيَ لا تَزْرَع، ولا تَحْصُد، ولا تَخْزُنُ في الأَهْرَاء، وأَبُوكُم السَّمَاويُّ يَقُوتُهَا. ألَسْتُم أَنْتُم بِالحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ ومَنْ مِنْكُم، إِذَا ٱهْتَمَّ، يَسْتَطيعُ أَنْ يُطِيلَ عُمْرَهُ مِقْدَارَ ذِرَاعٍ وَاحِدَة؟ ومَا بَالُكُم تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاس؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو، وهيَ لا تَتْعَبُ ولا تَغْزِل. أَقُولُ لَكُم: إِنَّ سُلَيْمَانَ نَفْسَهُ في كُلِّ مَجْدِهِ لَمْ يَلبَسْ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الحَقْلِ الَّذي يُوجَدُ اليَوْم، وغَدًا يُطْرَحُ في التَّنُّور، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، فَكَمْ بِالأَحْرَى يُلْبِسُكُم أَنْتُم يَا قَلِيلِي الإِيْمَان؟ لا تَهْتَمُّوا إِذًا وتَقُولُوا: مَاذَا نَأْكُل، أَوْ مَاذَا نَشْرَب، أَو مَاذَا نَلْبَس؟ فَهذَا كُلُّهُ يَسْعَى إِلَيْهِ الوَثَنِيُّون، وَأَبُوكُم السَّمَاوِيُّ يَعْلَمُ أَنَّكُم تَحْتَاجُونَ إِلى هذَا كُلِّهِ. أُطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وذلِكَ كُلُّهُ يُزَادُ لَكُم. لا تَهْتَمُّوا إِذًا بِالغَد، فَالغَدُ يَهْتَمُّ بِنَفْسِهِ. يَكْفِي كُلَّ يَوْمٍ شَرُّهُ.
النصوص مأخوذة من الترجمة الليتُرجيّة المارونيّة - إعداد اللجنة الكتابيّة التابعة للجنة الشؤون الليتورجيّة البطريركيّة المارونيّة (طبعة ثانية – 2007)
تعليق على الإنجيل:
القدّيس إغناطيوس دي لويولا (1491 - 1556)، مؤسِّس الرهبانيّة اليسوعيّة
تمارين روحيّة
"اطلُبوا أوّلاً مَلكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه"
تأمّل للحصول على المحبّة:
في البداية، يَجدرُ بنا ملاحظة أنّ... المحبّة تقومُ على التواصل المتبادل. بمعنى آخر، يُعطي الحبيب إلى المحبوب ما له...؛ والمحبوب أيضًا إلى الحبيب...
كبداية، أن أطلبَ ما أريدُه. هذا يعني أن أطلبَ المعرفة الداخليّة لكلّ الخيرات التي حصَلتُ عليها، وفي حال معرفتِها بكلِّيَتِها، وأتمكّن من أن أحبَّ الله وأخدمَهُ بكلّ ما أوتيتُ من قوّة.
النقطة الأولى هي أن أتذكَّرَ الخيرات التي حصلتُ عليها: الخلق والفداء والمواهب الخاصّة. أن أقيسَ بكلّ محبّة ما فعلَهُ الربّ الإله من أجلي، وكم أعطاني ممّ لديه؛ ثمّ، مدى رغبة الربّ في أن يُعطي ذاتَه لي قدر المُستَطاع، وفقًا لتَصميمه الإلهي. أن أفكِّرَ في ذاتي، بكلّ منطق وعدل، بِمَ يجب أن أقدِّمَه من جهتي إلى الربّ الإله، كلّ ما أملك، بما في ذلك ذاتي، على غرار شخص يقدِّمُ ذبيحةً بِحبٍّ كبير: "خُذْ يا ربّ، وتَقبَّلْ منّي حريّتي، وذاكرتي، وذكائي، وإرادتي، وكلّ ما هو لي وكلّ ما أملِكُ. فأنتَ أعطَيتَني هذه كلّها، وأنا إليكَ أعيدُها يا ربّ. فكلّ شيء لكَ؛ تصرَّفْ به وفقًا لإرادتِكَ. امنَحني حبَّكَ ونعمَتَكَ؛ فهذا يَكفيني".
صلاة من أجل انتخاب البطريرك
يَا رَبُّ، أَنْتَ عَارِفٌ بِقُلُوبِ ٱلْنَّاسِ أَجْمَعِين، أَظْهِرْ لِآبَائِنَا ٱلْأَسَاقِفَةِ بِفِعْلِ رُوحِكَ ٱلْقُدُّسِ أَيَّ وَاحِدٍ قَدِ ٱخْتَرْتَ لِخِدْمَةِ ٱلْرِّئَاسَةِ ٱلْبَطْرِيَرْكِيَّةِ، فَيَكُونَ لَنَا ٱلْأَبُ صُورَةُ أُبُوَّتِكَ، وَٱلْرَّأْسُ إِيقُونَةُ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِكَ ٱلْرَّاعِيَ ٱلْصَّالِحِ وَشَبَهُ لِسَانِ رُوحِكَ ٱلْنَّاطِقِ بِإِلْهَامَاتِهِ.
يَا رَبَّنا، يَا مَنْ شَرَّفْتَ أَرْضَ كَنِيسَةَ أَنْطَاكِيَةَ بِزِيَارَةِ كَلِمَةِ ٱللهِ ٱلْمُتَجَسِّد؛
يَا مَنْ أَسْمَعْتَ هٰذِهِ ٱلْكَنِيسَةَ كَلِمَةَ ٱلْخَلَاصِ مِنْ فَمِ مَار بُطْرُسَ هَامَةِ ٱلْرُّسُلِ،
وَأَنْمَيْتَهَا بِنَشَاطِ رَسُولِ ٱلْأُمَمِ مَار بُولُسَ؛
يَا مَنْ أَعْطَيْتَهَا رُعَاةً شُهَدَاءَ أَمْثَالِ حَامِلِ ٱلله إِغْنَاطِيُوسَ ٱلْأَنْطَاكِيِّ فَرِيسَةِ ٱلْأُسُودِ، وَمَار هَارُونَ ٱلْبَطْرِيَرْكِ ٱلْغَيُورِ؛
يَا مَنْ زَيَّنْتَ هٰذِهِ ٱلْكَنِيسَةَ بِتَعَالِيمِ ٱلْبَطْرِيَرْكَيْنِ مَار أَوْسَطَاتِيُوسَ وَمَار مِلَاتِيوسَ ٱلْمُعْتَرِفَيْنِ ٱلْمُدَافِعَيْنِ عَنْ أُلُوهِيَّةِ ٱبْنِكَ؛
ٱلْلٰهُمَّ يَا مَنْ جَمَّلْتَ ٱلْكَنِيسَةَ ٱلْمَارُونِيَّةَ بِبَطَارِكَةٍ أَمْثَالَ مَار يُوحَنَّا مَارُونَ بَطْرِيَرْكِ ٱلِٱنْطِلَاقَةِ ٱلْجَدِيدَةِ، وَجِبْرَائِيلَ حْجولَا ٱلَّذي أُحْرِقَ حَيًّا، وَخَادِمِكَ إِسْطِفَانَ ٱلْدُوَيْهِيِّ ٱلَّذِي مَا كَلَّتْ يَدَاهُ عَنْ ٱلْكِتَابَةِ، وَلَا لِسَانُهْ عَنْ ٱلْوَعْظِ؛
نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ مُتَّكِلُونَ عَلَى أَمَانَتِكَ ٱلَّتِي لَا تَتَزَعْزَعُ أَنْ تَخَتَارَ لَنَا مِنَ ٱلْطِّينَةِ نِفْسِهَا بَطْرِيَرْكًا يَكُونُ بِحَسَبِ قَلْبِكَ، عَصَاهُ مِنْ خَشَبٍ وَقَلْبُهُ مِنْ ذَهَبٍ، يَهْتَمُّ بِٱلقَطِيعِ ٱلَّذِي سَيُقِيمُهُ ٱلرُّوحُ ٱلقُدُسُ عَلَيْهِ سَاهِرًا، وَيَرعَى كَنِيسَتَكَ ٱلَّتي ٱقْتَنَيْتَهَا بِدَمِ ٱبْنِكَ يَسُوع.
نَسْأَلُكَ هٰذَا بِشَفَاعَةِ أُمِّ ٱللهِ سَيِّدَةِ بكِرْكِي، وَأَبِينَا مَار مَارُون، وَٱلْشُّهَدَاءَ ٱلْثَلَاثِمِئَةٍ وَٱلْخَمْسِينَ رُهْبَانِ دَيْرِهِ، وَمَار شَرْبِل، وَمَار نِعْمَةِ ٱلله، وَمُرت رَفْقَا، وَٱلْطُّوبَاوِيِّينَ ٱلْإِخْوَةِ ٱلْمِسَابِكِيِّينَ ٱلْشُّهَدَاءَ: فَرَنْسِيسَ وَعَبْدِ ٱلْمُعْطِي وَرُفَائِيلَ وَٱلْطُوبَاوِيَّينِ ٱلْأَبِ يَعْقُوبَ وَٱلْأَخِ إِسْطِفَانَ. آمِين.
يا ربّ، إِلى مَن نَذهَب وكَلامُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ عِندَك ؟
(يوحنا 6: 68)
الخميس 10 آذار/مارس 2011
الخميس الأوّل من الصوم الكبير
إنجيل القدّيس متّى .34-25:6
ولِهذَا أَقُولُ لَكُم: لا تَهْتَمُّوا لِنَفْسِكُم بِمَا تَأْكُلُون، ولا لِجَسَدِكُم بِمَا تَلْبَسُون. أَلَيْسَتِ النَّفْسُ أَهَمَّ مِنَ الطَّعَام، والجَسَدُ أَهَمَّ مِنَ اللِّبَاس؟ أُنْظُرُوا إِلى طُيُورِ السَّمَاء، فهيَ لا تَزْرَع، ولا تَحْصُد، ولا تَخْزُنُ في الأَهْرَاء، وأَبُوكُم السَّمَاويُّ يَقُوتُهَا. ألَسْتُم أَنْتُم بِالحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ ومَنْ مِنْكُم، إِذَا ٱهْتَمَّ، يَسْتَطيعُ أَنْ يُطِيلَ عُمْرَهُ مِقْدَارَ ذِرَاعٍ وَاحِدَة؟ ومَا بَالُكُم تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاس؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو، وهيَ لا تَتْعَبُ ولا تَغْزِل. أَقُولُ لَكُم: إِنَّ سُلَيْمَانَ نَفْسَهُ في كُلِّ مَجْدِهِ لَمْ يَلبَسْ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الحَقْلِ الَّذي يُوجَدُ اليَوْم، وغَدًا يُطْرَحُ في التَّنُّور، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، فَكَمْ بِالأَحْرَى يُلْبِسُكُم أَنْتُم يَا قَلِيلِي الإِيْمَان؟ لا تَهْتَمُّوا إِذًا وتَقُولُوا: مَاذَا نَأْكُل، أَوْ مَاذَا نَشْرَب، أَو مَاذَا نَلْبَس؟ فَهذَا كُلُّهُ يَسْعَى إِلَيْهِ الوَثَنِيُّون، وَأَبُوكُم السَّمَاوِيُّ يَعْلَمُ أَنَّكُم تَحْتَاجُونَ إِلى هذَا كُلِّهِ. أُطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وبِرَّهُ، وذلِكَ كُلُّهُ يُزَادُ لَكُم. لا تَهْتَمُّوا إِذًا بِالغَد، فَالغَدُ يَهْتَمُّ بِنَفْسِهِ. يَكْفِي كُلَّ يَوْمٍ شَرُّهُ.
النصوص مأخوذة من الترجمة الليتُرجيّة المارونيّة - إعداد اللجنة الكتابيّة التابعة للجنة الشؤون الليتورجيّة البطريركيّة المارونيّة (طبعة ثانية – 2007)
تعليق على الإنجيل:
القدّيس إغناطيوس دي لويولا (1491 - 1556)، مؤسِّس الرهبانيّة اليسوعيّة
تمارين روحيّة
"اطلُبوا أوّلاً مَلكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه"
تأمّل للحصول على المحبّة:
في البداية، يَجدرُ بنا ملاحظة أنّ... المحبّة تقومُ على التواصل المتبادل. بمعنى آخر، يُعطي الحبيب إلى المحبوب ما له...؛ والمحبوب أيضًا إلى الحبيب...
كبداية، أن أطلبَ ما أريدُه. هذا يعني أن أطلبَ المعرفة الداخليّة لكلّ الخيرات التي حصَلتُ عليها، وفي حال معرفتِها بكلِّيَتِها، وأتمكّن من أن أحبَّ الله وأخدمَهُ بكلّ ما أوتيتُ من قوّة.
النقطة الأولى هي أن أتذكَّرَ الخيرات التي حصلتُ عليها: الخلق والفداء والمواهب الخاصّة. أن أقيسَ بكلّ محبّة ما فعلَهُ الربّ الإله من أجلي، وكم أعطاني ممّ لديه؛ ثمّ، مدى رغبة الربّ في أن يُعطي ذاتَه لي قدر المُستَطاع، وفقًا لتَصميمه الإلهي. أن أفكِّرَ في ذاتي، بكلّ منطق وعدل، بِمَ يجب أن أقدِّمَه من جهتي إلى الربّ الإله، كلّ ما أملك، بما في ذلك ذاتي، على غرار شخص يقدِّمُ ذبيحةً بِحبٍّ كبير: "خُذْ يا ربّ، وتَقبَّلْ منّي حريّتي، وذاكرتي، وذكائي، وإرادتي، وكلّ ما هو لي وكلّ ما أملِكُ. فأنتَ أعطَيتَني هذه كلّها، وأنا إليكَ أعيدُها يا ربّ. فكلّ شيء لكَ؛ تصرَّفْ به وفقًا لإرادتِكَ. امنَحني حبَّكَ ونعمَتَكَ؛ فهذا يَكفيني".
صلاة من أجل انتخاب البطريرك
يَا رَبُّ، أَنْتَ عَارِفٌ بِقُلُوبِ ٱلْنَّاسِ أَجْمَعِين، أَظْهِرْ لِآبَائِنَا ٱلْأَسَاقِفَةِ بِفِعْلِ رُوحِكَ ٱلْقُدُّسِ أَيَّ وَاحِدٍ قَدِ ٱخْتَرْتَ لِخِدْمَةِ ٱلْرِّئَاسَةِ ٱلْبَطْرِيَرْكِيَّةِ، فَيَكُونَ لَنَا ٱلْأَبُ صُورَةُ أُبُوَّتِكَ، وَٱلْرَّأْسُ إِيقُونَةُ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِكَ ٱلْرَّاعِيَ ٱلْصَّالِحِ وَشَبَهُ لِسَانِ رُوحِكَ ٱلْنَّاطِقِ بِإِلْهَامَاتِهِ.
يَا رَبَّنا، يَا مَنْ شَرَّفْتَ أَرْضَ كَنِيسَةَ أَنْطَاكِيَةَ بِزِيَارَةِ كَلِمَةِ ٱللهِ ٱلْمُتَجَسِّد؛
يَا مَنْ أَسْمَعْتَ هٰذِهِ ٱلْكَنِيسَةَ كَلِمَةَ ٱلْخَلَاصِ مِنْ فَمِ مَار بُطْرُسَ هَامَةِ ٱلْرُّسُلِ،
وَأَنْمَيْتَهَا بِنَشَاطِ رَسُولِ ٱلْأُمَمِ مَار بُولُسَ؛
يَا مَنْ أَعْطَيْتَهَا رُعَاةً شُهَدَاءَ أَمْثَالِ حَامِلِ ٱلله إِغْنَاطِيُوسَ ٱلْأَنْطَاكِيِّ فَرِيسَةِ ٱلْأُسُودِ، وَمَار هَارُونَ ٱلْبَطْرِيَرْكِ ٱلْغَيُورِ؛
يَا مَنْ زَيَّنْتَ هٰذِهِ ٱلْكَنِيسَةَ بِتَعَالِيمِ ٱلْبَطْرِيَرْكَيْنِ مَار أَوْسَطَاتِيُوسَ وَمَار مِلَاتِيوسَ ٱلْمُعْتَرِفَيْنِ ٱلْمُدَافِعَيْنِ عَنْ أُلُوهِيَّةِ ٱبْنِكَ؛
ٱلْلٰهُمَّ يَا مَنْ جَمَّلْتَ ٱلْكَنِيسَةَ ٱلْمَارُونِيَّةَ بِبَطَارِكَةٍ أَمْثَالَ مَار يُوحَنَّا مَارُونَ بَطْرِيَرْكِ ٱلِٱنْطِلَاقَةِ ٱلْجَدِيدَةِ، وَجِبْرَائِيلَ حْجولَا ٱلَّذي أُحْرِقَ حَيًّا، وَخَادِمِكَ إِسْطِفَانَ ٱلْدُوَيْهِيِّ ٱلَّذِي مَا كَلَّتْ يَدَاهُ عَنْ ٱلْكِتَابَةِ، وَلَا لِسَانُهْ عَنْ ٱلْوَعْظِ؛
نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ مُتَّكِلُونَ عَلَى أَمَانَتِكَ ٱلَّتِي لَا تَتَزَعْزَعُ أَنْ تَخَتَارَ لَنَا مِنَ ٱلْطِّينَةِ نِفْسِهَا بَطْرِيَرْكًا يَكُونُ بِحَسَبِ قَلْبِكَ، عَصَاهُ مِنْ خَشَبٍ وَقَلْبُهُ مِنْ ذَهَبٍ، يَهْتَمُّ بِٱلقَطِيعِ ٱلَّذِي سَيُقِيمُهُ ٱلرُّوحُ ٱلقُدُسُ عَلَيْهِ سَاهِرًا، وَيَرعَى كَنِيسَتَكَ ٱلَّتي ٱقْتَنَيْتَهَا بِدَمِ ٱبْنِكَ يَسُوع.
نَسْأَلُكَ هٰذَا بِشَفَاعَةِ أُمِّ ٱللهِ سَيِّدَةِ بكِرْكِي، وَأَبِينَا مَار مَارُون، وَٱلْشُّهَدَاءَ ٱلْثَلَاثِمِئَةٍ وَٱلْخَمْسِينَ رُهْبَانِ دَيْرِهِ، وَمَار شَرْبِل، وَمَار نِعْمَةِ ٱلله، وَمُرت رَفْقَا، وَٱلْطُّوبَاوِيِّينَ ٱلْإِخْوَةِ ٱلْمِسَابِكِيِّينَ ٱلْشُّهَدَاءَ: فَرَنْسِيسَ وَعَبْدِ ٱلْمُعْطِي وَرُفَائِيلَ وَٱلْطُوبَاوِيَّينِ ٱلْأَبِ يَعْقُوبَ وَٱلْأَخِ إِسْطِفَانَ. آمِين.
إلى أبي البطريرك السابع والسبعين
فيوليت الخوري مسنّ
غبطة أبي البطريرك السابع والسبعين،
قرأت في الأسبوع الفائت مقالة، يسأل كاتبها عن صفات البطريرك الجديد، عن كيفيّة انتخابه وأيّة سلطة ستتدخّل للتأثير على هذا الاختيار، ومن هو الأسقف الأوفر حظاً للوصول إلى سدّة البطريركيّة في زمن الأحداث العصيبة التي يمرّ فيها لبنان، وزمن الثورات التي يعبرها الشرق الأوسط. كما كان أيضاً بين الأسئلة: أي دور للعلمانيين في تحديد صفات البطريرك المنتخب؟
فتساءلت بدوري: أين هم العلمانيّون في الكنيسة المارونيّة؟ وأيّ دورٍ لهم اليوم في هذا الاستحقاق؟ أليسوا هم الكنيسة، أي جماعة المؤمنين بالربّ يسوع المسيح؟ فرحت أسأل بعضهم ما رأيك في هذا الاستحقاق الكنسي وكان الجواب: "نحن نشعر أننا غائبون أو مغيّبون عن دورنا الديني في الكنيسة المارونيّة، حتى أنّ بعضنا وجد دوره في كنف الأحزاب السياسيّة المارونيّة للتعويض عن الانتماء الديني في الكنيسة".
هنا تذكّرت أنني معنيّة بالموضوع بصفتي إعلاميّة مؤمنة ومربّية ومسؤولة في اللجان الكنسيّة. لذلك إسمح لي، أبي البطريرك، أن أتوجه اليك بهذه الرسالة، باسمي وباسم أولادك وبناتك، أبناء رعيّتك المارونيّة.
ما هي صفات البطريرك الجديد؟ بكلّ بساطة، أن يكون بطريركًا، أي أبا الآباء، والأبوّة الروحيّة مقدّسة، يا أبي، لأنّها من الروح القدُس. نحن رعيّتك نؤمن بأنّ دعوتك هي منذ البدء دعوة إلهيّة، و"رجل الله يهتم بالرعيّة لبنيان جسد المسيح" (أفسس 12:4). نحن نريدك يا أبي أباً روحيّاً، يراقب رعيّته، يسأل عن خرافه، يهتمّ بالأكثر فقراً والأكثر حاجةً، يبحث عن الخروف الضّالّ ليستعيده ويسعد به لأنّه الوكيل الأمين على شعبه. نريدك يا أبتِ قائداً لشعبك، صاحب سلطة إلهيّة، حاضراّ لبذل نفسك حتى لا يهلك أحدٌ منهم. قائداً لا يطلب العزّ والدلال وتأمين مصالح رؤساء هذا العالم، بل قائداً يغسل أرجل أولاده، متمثلاً بالمعلّم الأوّل، الرّب يسوع المسيح، الذي علّمنا انّ الأول هو خادم للجماعة، والكبير هو المسامح والجامع، حامل سرّ الحبّ المصلوب. نريدك أباً روحيّاً، والأب يتألم عندما ينقسم أبناؤه، ولا يغمض له جفن قبل أن يجمعهم، حتى ولو كانت أفكارهم متباينة، ومواقفهم وتيّاراتهم مختلفة. يقبلهم كما هم وعلى علاّتهم، ويتوب عنهم.
أبي البطريرك، نريدك نبيّ العهد الجديد، تنبئنا بفكر الله وإرادته في مجتمع محا الله من قاموس حساباته، لنعود ونشرب من روح التقوى والعفّة والوداعة، فنأخذ الوديعة ونسلّمها بدورنا إلى أبنائنا، وننقلها من جيل إلى جيل بكلّ إيمان ورجاء، بدون خوف أو تردّد.
نريدك صاحب شخصيّة قويّة تحمل رؤية جديدة مرسّخة على أسس المسيح، محاورًا، منظّمًا، تدبّر كنيستك بعناية، تسعى إلى تكوين فريق عمل متكامل، صالح، مراقب، مخطّط ومتابع لأمور الرعيّة وهمومها وشجونها وحضورها، ليجذبها إلى المسيح لأنها صورة جسده المقدّس.
كنيستنا، يا أبي، تنتظرك راعيًا، حامل البشرى السارّة، يعظ بالتعليم الصحيح، يوجّه، يرافق ويرشد بالمحبة والعيش، وليس فقط بالكلام، وعند ذاك ستناديها وستعرف صوتك، وستتبعك وتقبل زعامتك الإلهيّة عليها.
دورك، يا أبي، لا شكّ أنّه صعب ومحفوف بالمخاطر والمتاعب والتحدّيات، لكنّ الربّ سيمدّك بحكمة إلهية واضحة تؤهلك لتتبوّأ هذه المكانة ليتجلّى المسيح في شخصك. ونحن بدورنا، أبناؤك وبناتك، سنحمل معك هذه المسؤوليّة، وسنصلّي لأبينا القدوس ليمدّك بكل القوّة والحكمة لتحمل رسالتك على أكمل وجه، ولنهلّل معًا ونعلن "مجد لبنان أعطي له".
فيوليت الخوري مسنّ
غبطة أبي البطريرك السابع والسبعين،
قرأت في الأسبوع الفائت مقالة، يسأل كاتبها عن صفات البطريرك الجديد، عن كيفيّة انتخابه وأيّة سلطة ستتدخّل للتأثير على هذا الاختيار، ومن هو الأسقف الأوفر حظاً للوصول إلى سدّة البطريركيّة في زمن الأحداث العصيبة التي يمرّ فيها لبنان، وزمن الثورات التي يعبرها الشرق الأوسط. كما كان أيضاً بين الأسئلة: أي دور للعلمانيين في تحديد صفات البطريرك المنتخب؟
فتساءلت بدوري: أين هم العلمانيّون في الكنيسة المارونيّة؟ وأيّ دورٍ لهم اليوم في هذا الاستحقاق؟ أليسوا هم الكنيسة، أي جماعة المؤمنين بالربّ يسوع المسيح؟ فرحت أسأل بعضهم ما رأيك في هذا الاستحقاق الكنسي وكان الجواب: "نحن نشعر أننا غائبون أو مغيّبون عن دورنا الديني في الكنيسة المارونيّة، حتى أنّ بعضنا وجد دوره في كنف الأحزاب السياسيّة المارونيّة للتعويض عن الانتماء الديني في الكنيسة".
هنا تذكّرت أنني معنيّة بالموضوع بصفتي إعلاميّة مؤمنة ومربّية ومسؤولة في اللجان الكنسيّة. لذلك إسمح لي، أبي البطريرك، أن أتوجه اليك بهذه الرسالة، باسمي وباسم أولادك وبناتك، أبناء رعيّتك المارونيّة.
ما هي صفات البطريرك الجديد؟ بكلّ بساطة، أن يكون بطريركًا، أي أبا الآباء، والأبوّة الروحيّة مقدّسة، يا أبي، لأنّها من الروح القدُس. نحن رعيّتك نؤمن بأنّ دعوتك هي منذ البدء دعوة إلهيّة، و"رجل الله يهتم بالرعيّة لبنيان جسد المسيح" (أفسس 12:4). نحن نريدك يا أبي أباً روحيّاً، يراقب رعيّته، يسأل عن خرافه، يهتمّ بالأكثر فقراً والأكثر حاجةً، يبحث عن الخروف الضّالّ ليستعيده ويسعد به لأنّه الوكيل الأمين على شعبه. نريدك يا أبتِ قائداً لشعبك، صاحب سلطة إلهيّة، حاضراّ لبذل نفسك حتى لا يهلك أحدٌ منهم. قائداً لا يطلب العزّ والدلال وتأمين مصالح رؤساء هذا العالم، بل قائداً يغسل أرجل أولاده، متمثلاً بالمعلّم الأوّل، الرّب يسوع المسيح، الذي علّمنا انّ الأول هو خادم للجماعة، والكبير هو المسامح والجامع، حامل سرّ الحبّ المصلوب. نريدك أباً روحيّاً، والأب يتألم عندما ينقسم أبناؤه، ولا يغمض له جفن قبل أن يجمعهم، حتى ولو كانت أفكارهم متباينة، ومواقفهم وتيّاراتهم مختلفة. يقبلهم كما هم وعلى علاّتهم، ويتوب عنهم.
أبي البطريرك، نريدك نبيّ العهد الجديد، تنبئنا بفكر الله وإرادته في مجتمع محا الله من قاموس حساباته، لنعود ونشرب من روح التقوى والعفّة والوداعة، فنأخذ الوديعة ونسلّمها بدورنا إلى أبنائنا، وننقلها من جيل إلى جيل بكلّ إيمان ورجاء، بدون خوف أو تردّد.
نريدك صاحب شخصيّة قويّة تحمل رؤية جديدة مرسّخة على أسس المسيح، محاورًا، منظّمًا، تدبّر كنيستك بعناية، تسعى إلى تكوين فريق عمل متكامل، صالح، مراقب، مخطّط ومتابع لأمور الرعيّة وهمومها وشجونها وحضورها، ليجذبها إلى المسيح لأنها صورة جسده المقدّس.
كنيستنا، يا أبي، تنتظرك راعيًا، حامل البشرى السارّة، يعظ بالتعليم الصحيح، يوجّه، يرافق ويرشد بالمحبة والعيش، وليس فقط بالكلام، وعند ذاك ستناديها وستعرف صوتك، وستتبعك وتقبل زعامتك الإلهيّة عليها.
دورك، يا أبي، لا شكّ أنّه صعب ومحفوف بالمخاطر والمتاعب والتحدّيات، لكنّ الربّ سيمدّك بحكمة إلهية واضحة تؤهلك لتتبوّأ هذه المكانة ليتجلّى المسيح في شخصك. ونحن بدورنا، أبناؤك وبناتك، سنحمل معك هذه المسؤوليّة، وسنصلّي لأبينا القدوس ليمدّك بكل القوّة والحكمة لتحمل رسالتك على أكمل وجه، ولنهلّل معًا ونعلن "مجد لبنان أعطي له".
Subscribe to:
Posts (Atom)