Tuesday, August 17, 2010

احتجاجات من الشمال إلى الجنوب: الشارع يغلي والإنتاج محدود
الوضع يتحوّل إلى معضلة مع تصاعد الغضب الشعبي وبقاء القدرة الإنتاجيّة الثابتة (الأخبار)من الشمال إلى الجنوب يسيطر مشهد واحد على الساحة اللبنانيّة في هذه الفترة، إلى جانب زحمة السير: انقطاع حاد للتيار الكهربائي وردّ فعل شعبيّ غاضب، مخنوق منذ زمن طويل، في وجه هذا الواقع المزري الذي يبدو أنّه مستمرّ فترة غير قصيرة. ولكن هل يمكن أنّ يتحمّل المواطنون أكثر؟
حسن شقراني
رغم انخفاض حركة السياح والوافدين منذ فترة، قبل بداية شهر رمضان، بعدما كانت قد نمت بنسبة 22% خلال الأشهر السبعة الأولى، لا يزال التيار الكهربائي في وضع مزر. وقد شهدت منطقة الزهراني الجنوبيّة في عطلة نهاية الأسبوع أحد أبرز ردّود الفعل الشعبيّة على هذا الوضع، حيث نزل المواطنون الغاضبون إلى الشارع، سدّوا الطرقات، وأعربوا عن شعورهم بالظلم...
الأمور لم تقف عند هذا الحدّ. فقد تلا هذا التحرّك الغاضب احتجاج نظّمه أهل بلدة السكسكيّة (التابعة لمنطقة الزهراني نفسها) ليل الأحد الاثنين: تجمّع الناس في طرقات البلدة بعدما أطبق الحرّ على أنفاسهم في منازلهم المظلمة. ولم يوفّر المحتجون رئيس مجلس النوّاب نبيه بري من انتقاداتهم إذ صرخ أحدهم: «دولة الرئيس نبيه بري يسكن في عين التينة بكهرباء متوافرة مع المكيّفات 24/ 24 ونحن هنا بلا كهرباء».
وفي زحمة التعبير عن السخط والحرمان، قضى الشاب عماد جابر (26 عاماً) عند الساعة الثالثة فجراً، بعدما دهسته سيارة مسرعة. «هل نسمّيه شهيد الكهرباء، أو شهيد الطاقة أو شهيد لقمة العيش؟»، تساءل رئيس اتحاد بلديات الزهراني، علي مطر في حديث إلى «الأخبار» عن التطوّرات الأخيرة التي تشهدها المنطقة.
والوضع كان قد وصل إلى مرحلة اليأس قبيل الاحتجاجات المذكورة، ما دفع الاتحاد إلى عقد اجتماع طارئ يوم الجمعة الماضي، ووجه رسالة تحذيريّة واضحة إلى وزارة الطاقة والمياه ومؤسّسة كهرباء لبنان من أنّ الوضع أصبح لا يُطاق.
غير أنّ الأمور استمرّت على ما هي عليه. وهي تقنياً تُشبه أوضاع باقي المناطق اللبنانيّة المحرومة من تغذية سليمة من التيار الكهربائي. فوفقاً لإيضاحات علي مطر، «تحصل منطقة الزهراني على طاقة بحجم 140 أمبير من معمل الزهراني، فيما الكمية التي يُفترض أن تحصل عليها تبلغ 160 أمبير». وبطبيعة الحال هذا الأمر يؤدّي إلى ارتفاع الضغط على هذا الخطّ، وبالتالي انفصال التغذية، «ما يجعل التقنيّين في المعمل يظنّون أن هناك خللاً ما، فيفصلون التغذية عن المنطقة ويحوّلونها إلى منطقة أخرى». وينتج من ذلك، يتابع مطر، تكامل للظلمة بين ساعات التغذية «المفترضة» وساعات الانقطاع المحدّدة مسبقاً. وبالتالي يمتدّ انقطاع الكهرباء 12 ساعة وتسيطر العتمة.
هذا الواقع «دفع الناس للنزول إلى الطرقات»، يقول علي مطر، مشدّداً على أنه «لا أحد يسمع، فيما لا يستطيع الناس تحمّل الضغط أكثر من ذلك».
في المقابل، تقول مؤسّسة الكهرباء في بيان أصدرته أمس، تعقيباً على التحرّكات الشعبية، إنّ «جميع مجموعات الإنتاج في معمل (الزهراني) عادت فجر يوم الأحد (الماضي) لتعمل بكامل طاقتها، ما انعكس تحسناً في التغذية بالتيار الكهربائي في مختلف المناطق اللبنانية، ولا سيما الجنوبية»، وذلك بعدما تراجعت التغذية بسبب «العطل الذي طرأ على المعمل».
ولكن يبدو أنّ الأمور بقيت سيّئة، حيث أوضح علي مطر أنّه بعد الانتهاء من دفن ضحيّة الكهرباء، «سنحدّد خطّة للتحرّك». وشدّد على «أنّنا أطلقنا تحذيرات كثيرة من خطورة الوضع، ولو أنّهم سمعوا التحذيرات لما كان الشاب قد توفّي، ولما كانت الأمور قد وصلت إلى هذا الحدّ».
هذه التحذيرات تُطلق من كل المناطق التي تعاني من نقص في الإمداد بالتيار الكهربائي، وآخرها كان من الشمال حيث قطع المواطنون طريق عام الضنية ـــــ طرابلس بالإطارات المشتعلة في بلدة مرياطة في قضاء زغرتا، لمدّة خمس ساعات، قبل أن يحضر عناصر قوى الأمن الداخلي ووحدات من الجيش.
وليست بلدة مرياطه سوى نموذج مصغّر لما يحصل من انقطاع في التيار الكهربائي عن باقي بلدات القضاء، وباقي المناطق اللبنانيّة. فالاحتجاجات الشعبية انتشرت في منطقة النبطيّة، أوّل من أمس، بسبب التقنين المستمر، قبل أن تتدخّل القوى الأمنيّة لتهدئة الأوضاع.
المشهد نفسه تكرّر في منطقة البرج الشمالي في قضاء صور، حيث أشعل المواطنون الإطارات وسدّوا الطرقات.
إذاً، أزمة الكهرباء أصبحت محور حياة الناس في لبنان، وخصوصاً في هذه الفترة من العام، حيث يتزامن الانقطاع الكثيف للتيار الكهربائي مع موجة حر شديد. وهذا الوضع يزيد من الأعباء المادية على المواطنين الموجودين في مناطق الظلم الكهربائي، كما يزيد من الضغوط النفسيّة ويمثّل عبئاً كبيراً على مستوى الإنتاجيّة وعلى مجرى الحياة الطبيعيّة عموماً.
والوضع يتحوّل إلى معضلة مع تصاعد الغضب الشعبي، وفي الوقت نفسه بقاء القدرة الإنتاجيّة الثابتة، حيث يعيش لبنان خلال فصل الصيف نقصاً حاداً في الإمدادات في ظلّ الفرق الهائل بين العرض والطلب.
كذلك فإنّ تشغيل جميع مجموعات الإنتاج البخارية والغازية، وفقاً لمؤسّسة كهرباء لبنان، «يتخطى منذ بداية هذا الصيف نسبة 95%»، ما يعني أنّ «القدرة الإنتاجية المتوافرة حالياً لدى المؤسسة هي القدرة القصوى». وما يزيد الأمور تعقيداً هو «توقف استجرار الطاقة من مصر وسوريا بسبب الضغط على الشبكات المصرية والأردنية والسورية».
وتشير المؤسّسة في بيانها أيضاً إلى أنّ «أيّ تحسّن بالتغذية الكهربائية يرتبط بتنفيذ تجهيزات جديدة في قطاعات الإنتاج والنقل والتوزيع».
الإجراءات المؤقّتة قد تتمثّل في الاعتماد على بواخر الطاقة التي تتنقّل من بلد منكوب كهربائياً إلى آخر
وهكذا، مع تأخّر إيجاد الحلول لأنّها تعتمد على تنفيذ استثمارات تتطلّب وقتاً في قطاع أُهمل كلياً خلال 20 عاماً كاملة، تبقى المسائل عالقة عند إجراءات مؤقّتة، قال وزير الطاقة جبران باسيل أخيراً إنّها قد تتمثّل بالاعتماد على بواخر الطاقة التي تتنقّل من بلد منكوب كهربائياً إلى آخر، وقد زارت إحدى تلك البواخر، «كارا دنيز باورشيب روف باي»، لبنان أخيراً، تمهيداً لإمكان استخدامها.
ولكنّ قدرة هذه الباخرة لا تتعدّى 200 ميغاواط، ما يعني أنّ لبنان يحتاج إلى خمس منها في الحدّ الأدنى لكي يسدّ عجزه على المدى القصير. إلا أن هذا التدبير يحتاج إلى وقت، حيث أشار جبران باسيل خلال استقباله الباخرة في مرفأ بيروت إلى أنّ ربطها بالشبكة الوطنيّة لن يحصل إلّا في عام 2011، وأنّ الحصول على الكهرباء منها لن يكون إلّا في الصيف المقبل.
هل يمكن أن يتحمّل اللبنانيّون حتّى تلك الفترة؟ الأرجح كلّا، في ظلّ غليان الشارع وبدئه بالتعبير عن غضبه المكبوت منذ انتهاء الحرب تجاه ظلمه بتوفير مورد أضحى كالهواء في معظم بلدان العالم.
(شارك في الإعداد الزميلان خالد الغربي وفريد بو فرنسيس)
________________________________________

1100 ميغاواط
عجز إنتاج لبنان من الكهرباء، في ظلّ تزايد الطلب، وخصوصاً في فصل الصيف. ووضعت وزارة الطاقة خطّة لمواجهة هذا العجز، غير أنّ مفاعيلها لن تظهر قبل 3 سنوات، فيما يُتوقّع وصول الطلب إلى 5 آلاف ميغاواط في عام 2015
________________________________________

أضرار اقتصاديّة ونفسيّة... وهدوء؟!
هناك تفاوت هائل في مستوى إمداد التيّار الكهربائي بين المناطق اللبنانيّة. ففيما يقتصر التقنين على 3 ساعات فقط في منطقة بيروت، يرتفع إلى حدود 12 ساعة وحتّى أكثر في باقي المناطق. وهذا الأمر «يؤدّي إلى الإضرار بالمواطنين اقتصادياً وصحياً وحتّى نفسياً». وينتقل الضرر إلى قطاع المياه، حيث يُضطر المواطنون إلى شراء المياه من المزوّدين في المناطق، حيث يصل سعر كلّ حمولة منها إلى 30 ألف ليرة. وإزاء هذا الواقع، تدعو مؤسسة الكهرباء المواطنين إلى «الهدوء لتجاوز هذه المرحلة الصعبة خلال فصل الصيف، وعدم اللجوء إلى أعمال الشغب».

عدد الثلاثاء ١٧ آب ٢٠١٠ |

No comments:

Post a Comment