Saturday, August 14, 2010

المسيح الإله والمسيح الرسول:
خلاف تاريخي ترعاه المساكنة

واصف عواضة

حسنا فعلت محطتا «المنار» والـ«أن بي ان» بوقف عرض المسلسل التلفزيوني «السيد المسيح» بعد الضجة والاحتجاجات التي أثارتها الكنيسة المارونية عبر المركز الكاثوليكي
لوسائل الاعلام، واعتبرت فيها ان المسلسل يسيء الى السيد المسيح والمسيحية بشكل عام.

وكان رئيس اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام المطران بشارة الراعي قد حذر من ان المسلسل يشكل «فتنة مذهبية طائفية، وضرباً للميثاق الوطني والعيش المشترك»، مطالباً
«بوقفه فوراً»، وداعياً الى مؤتمر صحافي عقد أمس وحشد جمعاً من المحتجين امام المركز الكاثوليكي للاعلام. وسبقت ذلك اتصالات بين عدد من كبار المسؤولين شملت
رئيس الجمهورية ووزير الداخلية، وبالتأكيد بلغت الرئيس نبيه بري والسيد حسن نصر الله اللذين حرصا على قطع الطريق على الجدل الدائر، بعيداً عن مضمون المسلسل
ومدى اساءته، لأن وحدة اللبنانيين والحؤول دون الفتنة فوق كل اعتبار.

يذكر ان المسلسل هو من انتاج ايراني، ويأتي بعد مسلسل «النبي يوسف» الذي انتجته ايران السنة الماضية ولاقى رواجاً ونجاحاً باهرين. وفي حين يشدد المدير العام
لمحطة «أن بي ان» قاسم سويد أن المسلسل «لا يسيء الى المسيحيين اطلاقاً، وقد تأكدنا انه مشغول وفقاً للقرآن الكريم»، يؤكد المطران الراعي ان «المسلسل مسيء،
لانه يستقي معلوماته ليس من القرآن، بل من انجيل برنابا المنحول والمرفوض من الكنيسة الكاثوليكية. لذلك، فان كل الاحداث التي يتضمنها، اما محرّفة، واما غير
صحيحة واما غير دقيقة. اذاً هناك بلبلة للضمائر وافساد للحقائق».

ويضيف الراعي ان «المسلسل ينكر الوهية السيد المسيح. وبحسب ما ورد فيه، يقول السيد المسيح، على لسانه، انه ليس ابن الله، وانه عبد الله ويأتي بعده من هو النبي
الحقيقي محمد، وهذا اغتيال لسر المسيح وإنكار لألوهيته، كذلك هو اساءة الى يسوع المسيح مخلّص العالم. ويبين المسلسل أيضاً ان السيد المسيح لم يصلب، بل صلب عنه
يهوذا، وان لا قيامة. وهذا يعني انه يقوّض كل أسس سر المسيح، علماً ان هذا السر قائم على موت المسيح فداء عن العالم والجنس البشري وقيامته التي هي تبرير لكل
الجنس البشري. وبذلك يقوض المسلسل كل اسس المسيحية».

والواقع ان الجدل حول الوهية المسيح سابق لظهور الاسلام، حتى انه كان موضع خلاف داخل الكنيسة المسيحية في الثلث الاول من القرن الخامس الميلادي، اي قبل الرسالة
المحمدية بنحو قرنين من الزمن. وقد جاء القرآن الكريم ليثبت هذا الخلاف، مقدماً عيسى بن مريم نبياً وروحاً لله وليس إلها، وهو ما ورد على لسان المسيح في «سورة
مريم» بعد ولادته مباشرة وجاء فيه:

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ
أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي
نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا
شَقِيًّا. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ.
مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وكلمة يمترون هنا تعني يشكّون.

ويتبين من هذه الآيات مدى التباين في النظرة الى المسيح مع الذين يؤمنون بألوهيته. وكان من الطبيعي ان يثير مثل هذا الأمر جدلاً حول مسلسل تنتجه دولة اسلامية،
حتى ولو التزمت القرآن سبيلاً الى عرض وقائعه، وهو ما لم يثره مسلسل «النبي يوسف» الذي لم يجد ربما من يثير جدلاً حول بعض مضامينه.

وكما اسلفنا سابقا فان الجدل حو الوهية المسيح سبق الاسلام، وشكل خلافاً عميقاً داخل الكنيسة النصرانية. ولعل اكثر من احاط بهذا الجدل هو الكاتب المصري المعروف
يوسف زيدان في روايته الشهيرة «عزازيل» التي القت الاضواء على هذا الموضوع، وأثارت جدلاً واسعاً، لأنها تناولت الخلافات اللاهوتية المسيحية القديمة حول طبيعة
المسيح ووضع السيدة العذراء، والاضطهاد الذي قام به المسيحيون ضد الوثنيين المصريين في الفترات التي أضحت فيها المسيحية ديانة الأغلبية المصرية. وقد أصدر سكرتير
المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية الأنبا بيشوي، بياناً اتهم فيه مؤلف الرواية بالإساءة إلى المسيحية، مشيراً إلى أنه أخذ فيها منحى المؤلف دان براون
في روايته شيفرة دافنشي. وقد ظهّرت الرواية معتقد المذهب «النسطوري»، وهو مذهب مسيحي يقول بأن يسوع مكون من جوهرين يعبر عنهما بالطبيعتين وهما: جوهر إلهي وهو
الكلمة، وجوهر إنساني أو بشري وهو يسوع. وبحسب «النسطورية» لا يوجد اتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلهية في شخص يسوع المسيح، بل هناك مجرد صلة بين إنسان والألوهية،
وبالتالي لا يجوز إطلاق اسم والدة الإله على السيدة مريم العذراء كما تفعل الكنائس المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية (الكنائس البروتستانتية لا تطلق اسم والدة
الإله على العذراء) لأن مريم وهي من البشر، بحسب النسطورية، لم تلد إلها بل إنساناً فقط حلت عليه كلمة الله أثناء العماد وفارقته عند الصليب، فيكون هذا المذهب
بذلك مخالفاً للمسيحية التقليدية القائلة بوجود أقنوم الكلمة المتجسّد الواحد ذي الطبيعتين الإلهية والبشرية.

يُذكر أن تأسيس هذا المذهب رُبط بالكاهن نسطور (386 - 451 م). وهو ولد في مدينة «مرعش» ضمن ولاية سوريا الرومانية، وتلقى علومه اللاهوتية على يد «ثيودور المصيصي»
في أنطاكية. وفي عام 428 م عينه الامبراطور «ثوردوسيوس الثاني» بطريركا للقسطنطينية خلفا لسيسنيوس الأول. وقد تم اتهامه بالهرطقة التي عرفت فيما بعد باسمه «النسطورية»،
حيث رفض أن تسمى مريم العذراء «أم الله» بل يجب أن تدعى «أم المسيح».

حاول نسطور التوفيق بين تصورين لاهوتيين مختلفين حول المسيح، كان الأول يؤكد على أن «المسيح الله» قد ولد كإنسان من العذراء، مما يعني أن العذراء هي أم الله،
بينما أصرّ الفريق الثاني على أن الله كجوهر خالد لا يمكن أن يولد من أحد. لذلك اقترح «نسطور» تسوية بين الفريقين بأن دعا مريم العذراء «أم المسيح» عوضاً عن
«أم الله». غير أن هذا الحل لم يحظ بقبول أي من الفريقين.

آمن «نسطور» بأنه لا يمكن أن تكون هناك وحدة بين ناسوت المسيح ولاهوته، أي بين المسيح الإنسان والمسيح الاله، فالله لا يمكنه أن يتألم ويتعذب ويموت، بالمقابل
فإن امتلك المسيح كامل الالوهية فهذا يعني انه لا يمكن أن يكون مثلاً.

هاجم البابا «كيرلس الأول» (بطريرك الإسكندرية) آراء «نسطور» معتبراً اياها متعارضة مع التجسد الالهي في المسيح، مما دعا الامبراطور ثيودسيوس الأول إلى عقد
مؤتمر «أفسس» الأول عام 431 م لمناقشة القضية. كان الامبراطور داعماً لنسطور غير أن كيرلس نجح في كسب بابا روما كلوستين الأول إلى جانبه، وبالتالي نجحوا في
إدانة نسطور بالهرطقة وعزله عن كرسي القسطنطينة.

خلال انعقاد المؤتمر وصل يوحنا الأول بطريرك أنطاكية ومعه أساقفة الشرق، ولما وجدوا أن البابا كيرلس الأول ومن معه نجحوا في إدانة نسطور عقدوا مؤتمرهم وأدانوا
فيه كيرلس، ورفع كلا الجانبين دعويهما إلى الامبراطور الذي عزل كلاً من نسطور وكيرلس ونفاهما، وقد عاد البابا كيرلس بعد سنوات عدة.

خلال الاشهر التالية عُزل 17 أسقفاً من الذين أيدوا نسطور كما أُجبر يوحنا الأول على انكار النسطورية في آذار 433م. وفي عام 435 م تم نفيه إلى مونستاري بالقرب
من الخارجة في مصر. وخلال الرحلة تعرض موكب نسطور إلى هجوم من قبل العصابات مما أدى إلى جرحه. وأحرقت كتاباته بأمر من ثيودسيوس الثاني، وما بقي منها حفظ باللغة
السريانية. وتم التأكيد على هرطوقية آرائه مرة أخرى في مؤتمر خلقدونية 451 م.

رغم الحرمان إلا أن آراء نسطور استمرت وحظيت بالعديد من الاتباع الذين يتحدثون بالسريانية بشكل اساسي، وقد استمرت الكنيسة بقوة في شرقي نهر الفرات في حماية
الامبراطورية الساسانية كما انتشرت باتجاه الشرق حيث وصلت إلى المغول واعتنقتها قبائل النايمان المغولية. أما اليوم فما تزال النسطورية مستمرة تحت اسم الكنيسة
الآشورية.

ويقول المطران «مار سرهد يوسب جمو» من الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، ان هذا المذهب انتشر بشكل رئيسي بين مسيحيي العراق وبلاد الفرس بتشجيع من الساسانيين،
وذلك لاعتقاد الساسانيين أن ابتعاد المسيحيين القاطنين في مملكتهم عن إخوانهم من مسيحيي الإمبراطورية الرومانية سيسهل لهم السيطرة عليهم.

وقد اعتنقت «النسطورية» جماعات من مسيحيي الهند. وفي القرن السابع امتدت إلى الصين وحتى منغوليا. ويوجد في مدينة شيآن الصينية نصب حجري أقامه أحد المبشرين النساطرة
سنة 781 م، وكان هذا المذهب هو السائد بين مسيحيي شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، وكانت البحرين هي مركزهم الرئيس هناك، وهو المذهب الذي تتبناه كل من
كنيستي المشرق القديم والآشورية الشرقية. كما اشتهر النساطرة في العلوم والفلك والطب والرياضيات والفيزياء، وقد برزوا في النهضة العباسية بمشاركتهم بعلومهم
في بناء هذه الحضارة فاعتمد عليهم الخلفاء.

في اي حال، يتبين مما تقدم ان ستة عشر قرناً من الزمن لم تفلح في ايجاد حل لهذا الخلاف الاساسي حول الوهية المسيح سوى المساكنة بين الكنائس المسيحية بين بعضها
البعض، وكذلك بين المسيحية والاسلام في اطار من الاحترام المتبادل بين الاديان والمعتقدات، ذلك ان التسوية الجذرية مستحيلة بين المعتقدين المسيحي والمحمدي.
فلا المسيحية المؤمنة بألوهية المسيح مستعدة للمساومة على معتقدها، ولا النص القرآني الثابت يفسح في المجال امام المسلمين في التعديل او التأويل او الاجتهاد.
وعليه لا بديل عن التعايش والمساكنة والابتعاد ما أمكن عن اثارة المشاعر والحساسيات في هذا الموضوع. ومن هنا، وعلى الرغم من النيات الحسنة للمنتج الايراني في
تظهير صورة السيد المسيح كان يفترض ان تحظى صناعة هذا المسلسل بالمزيد من الدرس والتمحيص، تجنباً لفتنة جديدة او لـ«حرب مقدسة» جهدت منطقتنا طويلاً لمحو آثارها.
فالمشكلة التي ليس لها حل، يستحسن طيها وتجنب اثارتها وتفادي ما ينجم عنها من صراعات عبثية.

واصف عواضة
السفي

Lcf:
حسنا فعلت محطتا المنار و" إن بي إن ", وبالتأكيد ساهمتا في درء المزيد من المشاكل الطائفية, في وقت نحن بامس الحاجة لتحصين الوحدة الوطنية المهددة بالاخطار الناتجة عن احتمالات وقوع الفتنة السنية-الشيعية لا سمح الله , وفي الوقت الذي تقع فية منطقة الشرق الاوسك على فوهة بركان .
لكن يا سيد عواضة إن تهدئة النفوس والمساكنة والبحث العلمي تقضي يعدم الاكتفاء بالاستشهادات من لون واحد . ولسنا هنا في معرض تسجيل النقاط اوما شابه . لكن استشهادكم بكتاب يوسف زيدان " عزازيل " تم الردعلية بكتاب "تيس عزازيل " . ويمكن ايضا الاستشهاد بعدد كبير من الكتب نكتفي منها على سبيل الحصر لا المثال : كتاب " الشخصية المحمدية " للشاعر العراقي معروف الرصافي , وكتاب الحقيقة الغائبة " للكاتب فرج فودة , من دون أن ننسى سلسلة كتب الشيخ خليل عبد الكريم مثل " شدو الربابة في اعمال الصحابة " أو " الجذور التاريخية للاسلام " الخ...
واخيرا اود ان اذكر أننا في وطن تعددي يحترم تعدد الطوائف والمذاهب وعلينا احترام مشاعر بعضنا البعض واحترام حريات بعضنا ايضا من دون الاساءة لمقدساتنا.

No comments:

Post a Comment