خطوات الراعي مطلوبة ولكن تعزيز الدور المسيحي يتطلب أكثر
هل الخوف على مسيحيي لبنان والشرق مبرر؟
دنيز عطاالله حداد
منذ بدء الانتفاضات على امتداد العالم العربي سرى في لبنان، كما في البلدان المعنية، كلام عن الخوف على المسيحيين من تصاعد موجات التطرف الاسلامي. وحاول البعض
اظهار المسيحيين في تلك البلدان وكأنهم يعيشون، خلافا لشركائهم ومواطنيهم المسلمين، في مساحة استثنائية من الحرية والعدالة ويمارسون كامل حقوقهم الانسانية في
جو من الانفتاح السياسي والثقافي والديني.
في ذلك الكلام كثير من الظلم والاهانة. ظلم يطاول اكثرية الشعوب العربية وانتفاضاتها حين يتم تصويرهم وكأنهم مجموعة اصوليين يخرجون من كهوف السلفية وهدفهم اقصاء
او الغاء او تهجير مواطنيهم المسيحيين. وفيه اهانة للمسيحيين حين يتم تصويرهم كمجموعة منتفعين من ديكتاتوريات يدافعون عن قمعها ويكتفون منها بـ«ذمية» مقنعة
ترضى بالحد المعيشي والمصلحي.
في كتابه «بين الدين والسياسة» يقول الدكتور مشير باسيل عون، «ان المسيحية ترفض رفضا قاطعا كل الانظمة السياسية او الدينية او الايديولوجية التي تقهر الانسان
في حريته، حتى انها تجازف بتأييد الحرية التي قد تبلغ بالانسان الى هوة الانحطاط. فأخطار السقوط لا تُعفي الانسان من مغامرة الوجود». ويضيف استاذ اللاهوت والفلسفة
«يبقى ان القول اللاهوتي يُعوزه على الدوام فعل المؤسسة الكنسية في مجرى التاريخ المنظور».
وفعل المؤسسة الكنسية هو موضوع النقاش حاضرا من العراق الى مصر وسوريا ولبنان. فماذا تفعل الكنيسة وهي ترى الانتفاضات تعم بلدانها؟ وكيف تفعل فيها وتتفاعل معها؟
اي دور او موقف عليها اتخاذه؟ اليس خوفها مبررا من سلوكيات بعض «المضللين» او اصحاب الفكر الالغائي؟
فالكنيسة التي تحرص على أبنائها في وجودهم وحياتهم أولا لا يمكنها أن تغض الطرف عما يهدد هذا الوجود. لكنها، كما حال الكنيسة العراقية، ذهبت بعيدا جدا في حمايتهم
حين سهلت وساهمت في السعي الى هجرة عدد كبير منهم. قدم رعاتها أعذارا تحت عناوين وجودية. «فهناك قضية حياة او موت ولا خيار ثالثا» كما يقول احد آباء الكنيسة
الكلدانية الذي يؤكد «ان ما من عراقي يقطع حبل الحب والحنين مع بلده، لكنها الظروف وضعتنا بين خيارين احلاهما مرّ. ومع ذلك فنحن متمسكون ببلدنا وبحقنا في الوجود
الحر والآمن فيه، وبأحلامنا بغد أفضل لكل شعب العراق».
يختلف واقع المسيحيين في مصر عن العراق. لكنهم يتشاركون ارباك كنيستهم وغياب «زعاماتهم» المحلية عن مواكبة المتغيرات ومقاربتها. وان شعورهم المتداخل بين «الاقلوية»
و«احنا مصر»، على ما يقولون، لم يساعدهم على صوغ خطاب وطني جاذب، او ان يطرحوا مشروع شراكة وطنية من منطلقات تحاكي العصر وقيمه ومتطلباته.
اما في سوريا، فارباك المسيحيين ليس بقليل. «بعبع» حركة «الاخوان المسلمين» الذي استخدم طويلا، جعلهم يثمنون «علمانية» الحزب الحاكم. تضاءلت طموحاتهم حتى كادوا
يكتفون بـ«رخاء العيش». اما الحرية التي «تصر المسيحية، في تنوع مذاهبها اللاهوتية، على صدارتها في عمارتها الفكرية»، فقد تحولت الى ما يشبه الترف غير المبرر
ومن «لزوم ما لا يلزم».
وفي لبنان «درة عقد» مسيحيي الشرق، تتابع الكنيسة احوال كل دول المنطقة وانتفاضات شعوبها وتتريث قلقة. قلقها مشروع وسط ضبابية المستقبل. لكن يفترض ان يتحول
هذا القلق الى مصدر دفع للافكار وابتكار الصيغ ومعالجة حاسمة وواضحة لدعوة الكنيسة ورسالتها في هذا الشرق.
وليست صدفة ان يكون موضوع هوية الكنيسة المارونية ودعوتها ورسالتها في طليعة المواضيع التي طرحت في المجمع البطريركي الماروني. فاي دور اليوم للكنيسة المارونية
تحديدا ومعها وخلفها لسائر الكنائس المسيحية اللبنانية؟
سؤال يتردد في كثير من المجالس السياسية وداخل الكنيسة نفسها... وهذا مؤشر ايجابي بحد ذاته. لكن الاحداث المتسارعة من حولنا تدفع باتجاه الاسراع في ضرورة بلورة
رؤية للكنيسة ومن حولها ومعها المسيحيين.
يحرص البطريرك الماروني بشارة الراعي على تعزيز الحضور المسيحي. يهتم بشكل خاص بالشباب والشبيبة. يزور الاطراف ويحاول ان يقرب المسافات بين المتخاصمين. وما
لقاء بكركي الموسع مؤخرا الا خطوة من خطوات جمع المسيحيين على افكار جامعة.
لكن هل يكفي جمع المسيحيين على وقف بيع الاراضي او اعادة تفعيل حضورهم في الدولة ووظائفها؟ هل استعادة الآف الامتار من هنا وتثبيت بضعة موظفين من هناك يضمن
الحضور والدور المسيحي في لبنان والشرق؟
ليست هذه المهام تفصيلية في تثبيت فئات من الناس في مناطقهم والابقاء على صلتهم بالدولة. لكنها بالتأكيد لا تحصّن الحضور او تضمنه على المدى الطويل.
«نحتاج الى رؤية واعادة صياغة خطابنا الحاضر على ضوء هذه الرؤية. نحتاج الى استعادة المبادرة وضخ افكار يلتقي عليها اللبنانيون ونستعيد من خلالها فكرة لبنان
ودوره وليس فقط دورنا كطائفة» وفق اسقف ماروني.
No comments:
Post a Comment