Saturday, August 14, 2010

«السفير» تنشر «أداة العمل» لسينودس الشرق من مصر إلى إيران (2)

المسـيحيون بـلا مشـروع موحـد.. وضحيـة أولـى للسياسـات الدوليـة
غراسيا بيطار
تحرص «أداة العمل» للجمعية الخاصة لسينودس أساقفة الشرق الأوسط على الإشارة في غير مكان الى أن «هدف المجمع هو رعوي محض ولا يتناول القضايا الإجتماعية - السياسية
للبلاد إلا بطريقة غير مباشرة». وفي «غير المباشرة» هذه تقول الكثير وثيقة السينودس المنعقد في تشرين الأول المقبل في روما بعنوان: «الكنائس الكاثوليكة: شركة
وشهادة».

ولعل أبرز ما تقوله يرد في جزء «تحديات المسيحيين في الشرق» من الوثيقة التي نستكمل نشرها في جزء ثان وأخير. فتلقي الضوء على الصراعات السياسية في المنطقة والحرية
الدينية وحرية الضمير كمثال على تلك التحديات، بالإضافة الى تطور الإسلام المعاصر والهجرة المسيحية والدولية الوافدة في الشرق الأوسط وردود المسيحيين في حياتهم
اليومية.

وفي معرض وصفها العام لوضع المسيحيين في الشرق الأوسط، ترى أنه «هش وغير مستقر». أما في جولتها على بعض بلدان المنطقة، فتسمي الوثيقة «الاحتلال» الإسرائيلي
باسمه، وتنتقد «اللامبالاة الدولية تجاه ما يحصل لمسيحيي العراق» و«تجاهل السياسات الدولية في محافلها الحضور المسيحي» وتكرر أكثر في أكثر من مرة دعوتها الى
«علمانية إيجابية» لتصل الى لبنان حيث «عدم الاستقرار السياسي بالإضافة الى الإنقسام المسيحي السياسي والطائفي...حيث لا أحد عنده مشروع مقبول من الجميع».

من المتوقع أن تستحوذ بقية القسم الثاني من الوثيقة الذي نواصل نشره اليوم على حيز هام من النقاشات، خصوصاً في ما يتعلق بـ «الجزء اللبناني» منها، أي في إشارتها
في الفقرة 34 الى أن «المسيحيين في لبنان منقسمون على الصعيدين السياسي والطائفي ولا أحد عنده مشروع مقبول من الجميع» على اعتبار أن «هذا النموذج المسيحي التعددي
هو مصدر غنى للبنان وللمنطقة، تقول بعض الأوساط المتابعة لملف السينودس، وهذا يفترض تعزيزه وليس الاقتداء لا ببقية الفرقاء في الداخل ولا بالنماذج العربية المحيطة
التي تتبع الرأي الواحد الأحد».

وفي باب «التحديات التي تواجه المسيحيين» كذلك يصف النص الحالة السياسية والاجتماعية الراهنة للمسيحيي الشرق، معتبراً أن «الصراعات السياسية القائمة في المنطقة
تؤثر تأثيراً مباشراً على حياة المسيحيين بصفتهم مواطنين كما بصفتهم مسيحيين، مما يجعل وضعهم بشكل خاص هشاً وغير مستقر».

ويتوقف في الفقرة 32 عند «الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية يجعل الحياة اليومية صعبة»، محدداً بين هلالين هذه الصعوبة في «البلوغ الى الأماكن المقدسة
المرتهن بموافقات عسكرية تمنح للبعض وتمنع عن غيرهم لدواع أمنية». ويتابع: «فضلاً عن أن بعض الجماعات الأصولية المسيحية تبرر الظلم السياسي الواقع على الفلسطينيين
استناداً الى الكتاب المقدس، مما يجعل وضع المسيحيين العرب أكثر حرجاً».

ومن الأراضي المحتلة ينتقل النص الى العراق حيث «أطلقت الحرب العنان لقوى الشر في البلاد فتسببت بوقوع ضحايا من بين جميع العراقيين، وكان المسيحيون من بين الضحايا
الرئيسيين لأنهم يمثلون أصغر وأضعف الجماعات العراقية، وحتى اليوم لا تبالي السياسة الدولية بالأمر». الى مصر حيث «تصاعُد الإسلام السياسي من جهة وانعزال المسيحيين
عن المجتمع المدني من جهة أخرى»، ويشير النص الى ان «هذه الأسلمة تتغلغل أيضاً في العائلات عن طريق وسائل الإعلام والمدارس، فتغير العقليات التي تتأسلم دون
أن تعي ذلك»، لافتاً الى أن «التسلط والديكتاتورية في بلاد أخرى يدفع الشعوب، بمن فيهم المسيحيون، الى أن يتحمّلوا كل شيء في صمت لإنقاذ ما هو جوهري».

أما في تركيا، فيرى النص ان «المفهوم الراهن للعلمانية ما زال يطرح تساؤلات حول الحرية الدينية الكاملة في البلد». وإزاء هذه الوقائع، يفصل النص المسيحيين بين
«البعض الراسخ في الإيمان المسيحي والمساهم في المشروع الاجتماعي المشترك والبعض الآخر الذي يئس وتخلى عن كل التزام وانسحب للعيش في جزر منعزلة بدون تفاعل مع
الكيان الاجتماعي».

يتوقف النص تحت عنوان «الحرية الدينية وحرية الضمير» عند حقوق الإنسان، معتبراً ألا تعارض بينها وبين حقوق الله «فمن لا يحترم خليقة الله لا يحترم الخالق» و«السلام
والعدالة والاستقرار في المنطقة شروط ضرورية لتنمية الحقوق الإنسانية في الشرق الأوسط». لافتاً، في سياق متصل في الفقرة 39، الى «أهمية الاستمرار في التربية
على الحرية وعلى احترام حرية الآخر وعلى تخطي المصالح الطائفية في سبيل المزيد من العدالة والمساواة أمام القانون، وباختصار في سبيل «علمانية إيجابية».

وضمن تحديات المسيحيين في الشرق الأوسط كذلك يدرج النص تطور الإسلام المعاصر ويشير في الفقرة 41 الى أن «تصاعد الإسلام السياسي اعتباراً من عام 1970 هو ظاهرة
بارزة تؤثر على المنطقة وعلى وضع المسيحيين في العالم العربي، ويشمل هذا الإسلام السياسي تيارات دينية مختلفة تريد أن تفرض أسلوب حياة إسلامياً على المجتمعات
العربية والتركية والإيرانية، إذ تعتبر أن سبب كافة الشرور هو الابتعاد عن الإسلام، والحل بالتالي هو العودة الى إسلام الأصول. ولتحقيق هذا الهدف لا يتورع البعض
عن استخدام العنف». وعليه، يعتبر النص أن «هذا الموقف يستهدف المجتمع الإسلامي أولاً، غير أن له نتائج على الحضور المسيحي في الشرق، وبالتالي تشكل هذه التيارات
المتطرفة تهديداً للجميع، المسيحيين واليهود والمسلمين، وينبغي علينا أن نواجهها معاً».

وبعد توضيحها بأنها لا تتناول السياسة بشكل مباشر، تشير الوثيقة في الفقرة 43 الى أن «هجرة المسيحيين وغير المسيحيين من الشرق الأوسط بدأت قرب نهاية القرن التاسع
عشر، والسببان الرئيسان لها كانا السياسة والاقتصاد». ورأت أن هذه الهجرة تزايدت اليوم «بسبب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وعدم الاستقرار الذي أحدثه في المنطقة
كلها، في حين أن الوضع الاجتماعي المهدد في العراق وعدم الاستقرار السياسي في لبنان قد زادا من هذه الظاهرة. معتبرة أن المسيحيين هم «الضحية الأولى جراء تجاهل
السياسات الدولية في محافلها الحضور المسيحي وهذا هو أحد الأسباب الكبرى للهجرة»، ومشيرة الى أن الكنيسة «مدعوة الى الدخول فيه بكل ما تملك من وسائل وأشخاص
من أجل فائدة الجميع».

وفي ظل الوضع السياسي الراهن في الشرق الأوسط، تؤكد الفقرة 44 أنه «يصعب خلق اقتصاد كفيل بتوفير مستوى حياة لائقة للمجتمع كله، ففي كثير من بلدان الشرق الأوسط
نجد أن تقييد الحرية الثقافية والدينية وعدم تكافؤ الفرص والحقوق والإمكانية المحدودة للمشاركة بفاعلية في الحياة السياسية هي من الأسباب الهامة لهجرة المسيحيين».
ومن هنا تطرح الوثيقة على «الكنائس المحلية في الغرب أن تقوم بحث حكومات بلادها على اتباع سياسات كفيلة بالمساهمة في تنمية الشرق الأوسط على المستويات كافة.
داعية المسيحيين في كل مكان الى «حمل رسالة المسيح أينما كانوا، وأيضاً في الضيقات وفي الاضطهاد» والى تشجيع كل أشكال التوأمة السياحية والثقافية وغيرها وتشجيع
المهاجرين على اقتناء ممتلكات عقارية في أوطانهم الأصلية».

وفي «ظاهرة جديدة وهامة»، تتوقف الوثيقة عند «الهجرة المسيحية الدولية الوافدة في الشرق الأوسط» إذ تستقبل بلدان مختلفة مئات الآلاف من الأفارقة والآسيويين
كوافدين للعمل، وغالباً ما يتعرض هؤلاء لمظالم اجتماعية». فتعتبر ان هذه الهجرة الوافدة تشكل «نداءً لكنائسنا أيضاً، إذ تقع على عاتقنا مسؤولية رعوية لمرافقة
هؤلاء الأشخاص على مختلف الصعد... فإن تربية مؤمنينا على تعاليم الكنيسة الاجتماعي وعلى العدالة الاجتماعية لهي من الضرورات الملحة والتي لا غنى عنها لتجنب
أي موقف من التعالي والازدراء». ليختتم القسم الأول من الوثيقة بسلسلة فقرات تحت عنوان رئيس «ردود المسيحيين في حياتهم اليومية».

القسم الثاني بعنوان «الشركة الكنسية» هو الأصغر حجماً إذ يتضمن ثماني فقرات فقط توصي في كليتها، ضمن الشركة داخل الكنيسة الكاثوليكية وبين الكنائس المختلفة،
على أن «يبقى مؤمنو الكنائس أمناء لكنيستهم الأصلية فيمارسون حياتهم الدينية في الكنيسة التي تعمدوا فيها».

في القسم الثالث، بعنوان «الشهادة المسيحية»، تشدد الوثيقة على أن يكون «التعليم المسيحي بواسطة مؤمنين مؤهلين جيداً» فضلا عن طرق التعليم المسيحي والليتورجيا
المجددة والأمينة على التقليد. مشيرة، في بند المسكونية، الى «الحاجة الى الصلاة الدائمة من أجل الوحدة التي بدأها يسوع نفسه الى أن يواصلها تلاميذ الرب في
كل وقت»، ومشددة على أن الحوار المسكوني يجب أن « يتم على مستويات مختلفة ويأحذ طابع البحث الجماعي عن الحقيقة ولا سيما فيما يخص الكنيسة».

وتخصص الوثيقة بنداً لـ«العلاقات مع اليهودية» وتتوقف عند المبادرات المختلفة التي قامت بها الكنيسة في الآونة الأخيرة بهدف الحوار، ومن بينها تأسيس مجلس الأديان
للمؤسسات الدينية في مدينة القدس. لكنها رأت أن «العلاقات اليهودية المسيحية تتأثر بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مذكرة في هذا السياق بما أعرب عنه الحبر الأعظم
عن أمنيته في أن «يستطيع الشعبان أن يعيشا في سلام، كلٌ في وطنه داخل حدود آمنة ومعترف بها دولياً». أما في الصعوبات التي تعترض الحوار مع اليهودية، فتشير الوثيقة
الى أن «المواقف السلبية الراهنة بين الشعوب العربية والشعب اليهودي تبدو ذات طابع سياسي وفي الوقت نفسه يظهر أيضاً الرأي الواسع الانتشار الذي يعتبر أن العداء
للصهيونية هو بالأحرى موقف سياسي وبالتالي ينبغي النظر اليه على أنه خارج عن كل خطاب كنسي». داعية المسيحي الى «التحلي بروح المصالحة المبني على العدالة والإنصاف
للطرفين والى مراعاة التمييز بين الواقع الديني والواقع السياسي». ومثنية على «الرغبة في التعمق في التقاليد اليهودية من الناحية التاريخية واللاهوتية».

في بند «العلاقات مع المسلمين» تعود الوثيقة كذلك الى الاستشهاد بتصريح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وفيه «تنظر الكنيسة بتقدير الى المسلمين الذين يعبدون
الله الأحد»، مثنية على «أهمية الحوار الديني الذي يدعمه المجلس الحبري»، متمنية أن يتسع أكثر ليشمل أيضاً فئات واسعة من المؤمنين المسلمين. وفي أسباب الحوار
بين المسيحيين والمسلمين تأتي على ذكر «الوطن الواحد واللغة نفسها والثقافة عينها كما أفراح بلداننا وآلامها». وإذ توقفت عند صعوبات تعتري العلاقات «خاصة بسبب
المسلمين الذين لا يفصلون بين الدين والسيــاسة»، رأت أن «مفتاح النجاح للتعايش بين المسيحيين والمسلمين هو الاعــتراف بالحــرية الدينية وبحقوق الإنسان»، داعية
المسيحيين الى «التجذر في المجتمعات التي هم أعضاء فيها».

أما في بند «الشهادة في المجتمع» فرأت الوثيقة أن «في مواجهة الصراعات والعمليات العسكرية تبرز تحديات السلام والعنف أمام الجميع من مسيحيين ومسلمين ودروز ويهود».
معتبرة أن «حل الصراعات في أيدي من يدعم الحرب والعنف، في أيدي القوي كما في أيدي الضعيف الذي قد يلجأ هو أيضاً الى العنف السهل المنال لكي يتحرر». وتشير الفقرة
101 الى أن «الرأي العام الإسلامي يتهم فعلياً الكنيسة بأي خيارات سياسية للدول الغربية، ومن هنا المهم أن نشرح معنى العلمانية وشرعية استقلال الواقع الزمني».
وعليه «تقوم مساهمة المسيحي في قول الحق في وجه الأقوياء الذين يقترفون الظلم أو يتبعون سياسات ضد مصالح البلد وفي وجه من يجاوبون على الظلم بالعنف، حيث أن
عنف الأقوياء والضعفاء على حد سواء قاد منطقة الشرق الأوسط الى فشل متكرر والى مأزق عام».

ويختم الفصل الثالث بالتأكيد على أن «المسلمين والمسيحيين يجب أن يشتركوا في مسيرة واحدة لأننا ننتمي الى الشرق الأوسط ومعه تتوحد هويتنا وكمواطنين نشترك في
مسؤولية البناء والإصلاح». وتشير الفقرة 111 على «الإسهام النوعي للمسيحي الذي لا غنى عنه في المجتمع الذي يعيش فيه ليثريه بقيم الإنجيل». وتتابع الفقرة 112
«في الشرق الأوسط صراعات مختلفة محورها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وعلى المسيحي أن يسهم إسهاماً خاصاً في مجال العدالة والسلام فيشجب العنف بشجاعة من أي طرف
صدر ويقترح الحل، علماً بأنه لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الحوار». وفي فقرات الفصل الأخيرة دعوة الى المسيحيين الى أن «يعلموا أن واجبهم أن يولوا عنايتهم
للخير العام وللقضايا العامة كالفقر والتعليم ومكافحة العنف والإرهاب».

«صرنا بقيــة صغيــرة بفعــل التاريــخ ولكننــا نستطيع أيضاً بسلوكنا أن نصبح اليوم حضوراً يحسب له حساب»، تختم «أداة العمل» سطـورها واضـعة كل رجائــها في
العنـاية الإلهـية قائـلة «لا تخف أيها القطيع الصغير». وتقول الفقــرة 118: «عدم حسم الصراع الإســرائيلي الفلــسطيني وعدم احترام القانــون الدولي وأنانية
القوى العظــمى... أمام هــذه التحديات إن المسيحيين في الشرق الأوســط مدعــوون الى أن يضطلعوا بدعوتــهم في خدمة مجتمعــهم وسيــكون ذلك عنصــراً رئيساً لحضورنا
ولشهادتنا في بلداننا».

غراسيا بيطار

No comments:

Post a Comment