Saturday, August 14, 2010

«العونيون» والسلاح: رأس الهرم يتقدّم على «تياره» في الدفاع عن «المقاومة»

ملاك عقيل

في الرابع من تموز 2008، وقف «الجنرال» ميشال عون أمام المشاركين في حفل إطلاق «اللقاء الوطني المسيحي»، وكان يضم آنذاك كل مكونات المعارضة المسيحية، عارضاً
أمامهم «ثوابت المرحلة».
كان «الجنرال» واضحا في رسم الخطوط الرفيعة بين حقبتين ميّزتا مسيرة نضاله السياسية. وبلا مواربة، أكد أنه لا يحق للولايات المتحدة الأميركية ان تهدّد وجود
المسيحيين في الشرق وفي لبنان «مهما كانت قوتها». رأى أن التفاهم مع المقاومة في لبنان جاء نتيجة السياسات الأميركية والدولية في منطقة الشرق الأوسط «فعلينا
ان نتحدّ للمواجهة، إذ لا يمكن لجسم متدرّن أن يتماسك لأن الدرن علامة السرطان».
وبلغة مبسّطة شرح ميشال عون لأعضاء اللقاء، أسباب انتقاله من معسكر الى آخر: في مقابل استضعاف لبنان وتجاهل حقه بأرضه، كان لا بد من تعزيز مقاومته، كي لا يدفع
ثمن ضعفه المرغوب فيه من الخارج، ومن بعض الداخل تسهيلاً لتمرير الصفقات المريبة. من هذا المنطلق كان تفهّمنا للمقاومة، وتفاهمنا معها ثانياً، ودعمنا لها أثناء
«حرب تموز».
استمع المعارِضون المسيحيون لـ«الرؤية العونية»، وتفهّموها، ذلك أن بينهم من سبقه إلى تبنيها منذ سنوات طويلة وبعضهم يقف إلى جانبه أو خلفه لكن بمسافة غير بعيدة.
كان مضى على ولادة مذكرة التفاهم بين «التيار الوطني الحر» و«حزب الله» أكثر من سنتين ونصف سنة، و«حرب تموز» كانت أطفأت شمعتها الثانية، وأحداث السابع من أيار
لم يمض عليها أكثر من شهرين.
بدا في تلك المرحلة أن المهمة الأساسية لـ«اللقاء الوطني المسيحي»، هي تأمين التغطية السياسية لمشروعية الإستدارة العونية، في نقل المجتمع المسيحي من ضفة تاريخية
إلى ضفة أخرى. من مجتمع مناهض لفكرة امتلاك «حزب الله» أو غيره للسلاح بغض النظر عن الهدف، وخاصة ضد اسرائيل، الى مجتمع «مؤمن» ببقاء السلاح... حتى تحرير آخر
شبر من الأرض.
بالفعل، لم يكتب العمر السياسي الطويل، لـ«لقاء» انطفأ بسرعة البرق، تاركاً لـ«الجنرال» وحده مهمة إدارة «معركة» الدفاع عن السلاح: أمام جمهوره أولاً، وخصومه
ثانياً، في مواجهة ماكينة دولية وعربية، معززة بالسياسة والمال والاعلام.
لم يتأخر «حزب الله» في رد التحية علناً لعون. في يوم إحياء «عيد المقاومة والتحرير» في أيار 2009 في ملعب الراية في الضاحية الجنوبية، قدّم السيد حسن نصرالله
شهادة غير مسبوقة بالسلوك السياسي لـ«الجنرال» قائلاً «لدى العماد عون رؤية واضحة ومشروع وبرنامج، هو رجل مستقل ولا تأثير للسفارات عليه، إنه رجل لا يستطيع
أحد أن يملي عليه شيئاً، لا يظهر شيئاً ويضمر شيئاً أخر».
كانت مناسبة لردّ الجميل للحليف المسيحي، الذي لم يجد صعوبة حقيقية في تأمين مستلزمات مواكبة القاعدة العونية لخطابه «المتقدّم» حيال المقاومة، منذ شباط 2006
تاريخ توقيع مذكرة «مار مخايل». لكن محطة «التحرير» يومها كانت أيضاً مناسبة، لـ«توضيح» ما سبق لنصرالله، ان أعلنه حول اعتبار 7 أيار «يوماً مجيداً». قال السيّد
«أنا أقبل بملاحظة الأخوان، وأقول كان يوماً حزيناً». هي من المرات النادرة التي يضطر فيها أمين عام «حزب الله» شخصياً لاستدراك، ما يمكن ان يؤثر سلباً على
الشارع المسيحي و«ما بعده»، نتيجة استخدامه لمصطلحات من «قاموسه» الخاص.
«هفوة» الحزب، سبقها وتلاها، مواقف كانت تفسّر في الكواليس العونية، باختلاف درجاتها، بـ«الإحراج الذي يضرّ ولا يفيد». لكن رأس الهرم العوني، كان دائم الاستنفار
للتصدي بصدره لـ «النيران الصديقة». هو الذي دفعته نتائج انتخابات السابع من حزيران الى الإقرار بأن مذكرة التفاهم مع «حزب الله» لم تصل بشكل جيد «حيث عارضها
البعض من دون قراءتها، والبعض الآخر أعطاها أبعاداً ليست في مضمونها».
لا خلاف على الاستراتيجيات في «التيار الوطني الحر»، لكن الراصد لمواقف «الجنرال» منذ توقيع مذكرة التفاهم في السادس من شباط 2006، يلحظ ثباتاً في «نبرة» الدفاع
عن المقاومة وسلاحها، فيما يرى كثيرون ان الهرمية العونية، على درجاتها، صف أول (وزراء ونواب)، وقيادات، وكوادر، ومسؤولو نقابات وطلاب... امتصت «قناعات» الرابية
بدرجات متفاوتة.
القاسم المشترك بين القاعدة ورأس الهرم، هو عدم وجود خلاف على «الاستراتيجيات»، لكن عند الحديث في التفاصيل تتنوع المقاربات، بين صف أول وثان وثالث... القناعة
«البرتقالية» بضرورة بقاء السلاح موجودة، لكن حجج الإقناع تجاه الطرف الآخر، تختلف... بحسب المتوافر من «الداتا» الصادرة عن الرابية والأهم بحسب القناعة وليس
«التلقين».
بعد توقيع مذكرة التفاهم مع «حزب الله» عقدت مئات الندوات في المناطق، كان الهدف منها شرح فحوى هذا التلاقي بين الفريق المسيحي الأكثري والطائفة الشيعية، وتهديم
«الجدار الفاصل» بما يحمله من موروثات الخوف من الآخر... ومن «سلاحه». لكن ذلك اقتصر فقط على الأشهر الأولى لتوقيع المذكرة.
العماد عون نفسه، والطبقة السياسية «البرتقالية»، لم يوفّروا فرصة لتبسيط «الرسالة» وإزالة حواجز الماضي بين الشارعين. لكن داخل «التيار الوطني الحر» نفسه،
لم تخصّص حلقات حوارية لمسؤولي النقابات والطلاب والجامعات، تُبقي هؤلاء في صورة التطورات السياسية، لمسار التحالف بين الفريقين «البرتقالي» و«الأصفر».
في مكان ما، بدا «الجنرال» متقدماً بأشواط عن «تياره». في الأسابيع التي سبقت الانتخابات البلدية صدرت مواقف لافتة للانتباه عن «الجنرال» لم يحد فيها عن «الخط
المقاوم»، لا بل بنظر بعض العونيين، بدا «ملكياً اكثر من الملك». أكد عون «أننا أكثر تمسكاً بسلاح المقاومة... الوضع أصبح أشد خطراً، ولا نستطيع أن نهدئ اسرائيل
لا جواً ولا براً».
في محطة أخرى، دعا من يثير مسألة السلاح الى «ان ينستر»، قائلاً «لا أريد أن اسمع أحداً يتكلّم عن المقاومة». بدت الرابية غير معنية بتأجيج خطاب حسّاس، من منبر
مسيحي، قد لا يخدمها كثيراً في الاستحقاق البلدي الداهم حيث حسابات الربح والخسارة تفصّل على قياس «مختار».
وبعد عودته من زيارته الأخيرة الى العاصمة السورية، ذكّر «الجنرال المقاوم» من يعنيه الأمر «بأن سلاح «حزب الله» لا يزعج الشعب، وكل من يتكلم ضد المقاومة وسلاحها
أنا ضده...».
على المستوى النيابي والوزاري في «التيار الوطني الحر»، وبعض الكوادر والقيادات، تلمس انعكاساً أميناً للعناوين العريضة في مسألة الدفاع عن السلاح، لكن الأمر
لا يصل الى حد الـ copy paste، فلا أحد منهم، من دون استثناء، يتحدث بالحدّة نفسها. لكن قلّة من هؤلاء، تعيش يومياً تفاصيل «الداتا» التي تتجمع في الرابية،
التي تدفع «الجنرال» الى الذهاب بعيداً في مناصرة حليفة الشيعي، من دون الأخذ بالاعتبار تأثير ذلك على شعبية «التيار» في المناطق المسيحية، وحتى القفز فوق تساؤلات
عناصر من «تياره» حول أسباب الاندفاعة الحماسية باتجاه الضاحية.
تحولات ملموسة
نبض الأرض لدى مسيحيي المعارضة، يبدي تجاوباً تلقائياً مع الشعارات التي يرفعها «الجنرال». الحماسة العاطفية ـ الغرائزية تغلب أحياناً كثيرة المنطق السياسي،
لكن النتيجة هي نفسها. هؤلاء يساندون «جنرالهم» مهما بلغ سقف الرابية، فالتحولات على الأرض ملموسة ولا تحتاج الى مترجم. قناة «المنار» تنقل «القداديس»، ونواب
«حزب الله» يدخلون الكنائس، و«حزب الله» يحرص على إزالة المخاوف من «ولاية الفقيه»، والطرف الذي يملك السلاح يدافع عن قناعة عن حقوق المسيحيين ولا «يزعّل الجنرال».
والانتصار الأكبر، برأي المعارضة المسيحية، هو «لبننة» الحزب.... أما من عارض «جنرال الرابية»، فسجّل موقفه في انتخابات النقابات والجامعات وانتخابات حزيران
النيابية وأيار البلدية...
داخل «مؤسسة التيار» الرسمية، لا يختلف الأمر كثيراً، مع تسجيل ملاحظات يتداولها أصحاب الشأن. فبعد أربع سنوات على «تفاهم مار مخايل»، يدافع الطالب والجامعي
والنقابي العوني ومسؤولو المناطق عن «حزب الله» بالحماسة نفسها، التي يدافعون فيها عن «تيارهم البرتقالي». ويستسهلون تبسيط الأمور الى حدها الأدنى «تحالفنا
مع «حزب الله»، أعاد حقوق المسيحيين... وهل يريد خصومنا العكس؟ أما صواريخ الحزب فوحدها القادرة على تأمين قوة الردع بوجه اسرائيل، لا القرارات الدولية».
مع ذلك، وفي مكان ما يفقد العوني القدرة على «الردع» بوجه خصومه، تضعف حجة الإقناع لديه، وبدلاً من ان يتخذ موقع الهجوم، يصبح في دائرة الدفاع عن النفس، وغالباً
ما ينحشر في زاوية يضطر فيها الى «تبرير» وقوف «التيار الوطني الحر» الى جانب المقاومة وسلاحها. ثمة في «التيار» من يعترف بوجود أخطاء، ومن قبل الجانبين، أي
الرابية و«حزب الله».
مآخذ على «حزب الله»... وعون
يرى عونيون «ملتزمون» في «التيار» ان «الجنرال» يذهب أحياناً كثيرة بعيداً في دعم «حزب الله»، وتسليفه مواقف وطنية لا تصرف «بالقيمة» نفسها على المستوى المسيحي،
مع إقرار هؤلاء بأن التحالف السياسي مع الطائفة الشيعية، حصّل الكثير من حقوق المسيحيين، مقارنة بعهد الطائف. ويعترف أحد المسؤولين العونيين بأن «القاعدة العونية
متفهّمة بشكل كبير للتحالف القائم مع «حزب الله»، لكن ذلك لا يلغي طرح بعض الاشكاليات التي تشكّل إحراجاً في كثير من الأحيان للشارع العوني، وتجعله في موقع
دفاعي أضعف: في تظاهرات «حزب الله» ما زلنا نسمع هتافات «الموت لأمريكا»، نحن لا نستطيع ان نلتزم بهذا السقف من الشعارات ولا الدفاع عنه، خصوصاً أنه يوحي بعدائية
تجاه الشعب الأميركي. نسمع أيضاً بدعوات «إزالة اسرائيل من الوجود»، في قاموسنا يعني ذلك ترجمة فورية لحرب طويلة الأمد، تنقّز المسيحي وتعزّز ميله نحو الهجرة
الى الخارج. يتحدث خصومنا بشكل دائم عن المناصفة، فيما لا نسمع هذه الكلمة على لسان أحد من مسؤولي «حزب الله». في الانتخابات النيابية الأخيرة، سايرت الضاحية
نبيه بري وسعد الحريري في بعض الأماكن على حساب الحقوق العونية»
يضيف المسؤول «جوهر المسألة ليس الخوف من سلاح «حزب الله»، بمعنى فقدان القدرة لدى العونيين في الدفاع عنه، إنما هي الـ mode de vie أو «أسلوب العيش». نُواجه
دوماً بفزاعة فرض نمط معين من العيش علينا كمسيحيين، مغاير لعاداتنا ويومياتنا، وهذا الكلام نسمعه من أهل البيت. لكن من الواضح أنه كلّما اقتربنا من القواعد
الشعبية لـ«حزب الله» كلّما كبرت دائرة التواصل الايجابي. نحن نعرف أنهم صادقون معنا، لكن المشكلة ان شخص العماد عون هو وحده الضمانة حتى الآن لهذه العلاقة
التحالفية، وليس «التيار الوطني الحر» كحركة سياسية ناشطة على الأرض، كما باقي الأحزاب والتيارات... وهذا بحد ذاته، يشرّع الأبواب على الكثير من التساؤلات ليس
أقلّها محاولة استقراء مرحلة التحالف على المدى الطويل بين «التيار»، كحالة سياسية بغض النظر عن شخص وفكر «الجنرال»، وبين «حزب الله» وسلاحه».
سوء تواصل
يقود هذا الفصل بين «الرأس» و«الجسم» على المستوى التنظيمي داخل «التيار» إلى وضع الأصبع على الجرح. في الكواليس العونية، تجد من يتحدث صراحة عن وجود bad connection
بين الرأس والقاعدة. هو سوء تواصل تتحمل مسؤوليته بالنتيجة «العقلية التنظيمية» التي طبعت المرحلة الماضية من أداء «التيار»، وليس الحليف بطبيعة الحال.
يترجم سوء التواصل، بحسب أوساط في «التيار»، على مرحلتين: داخل «التيار» نفسه، الأمر الذي يؤثر على قواعدنا وعلى قدراتهم بالإحاطة بكل التطورات السياسية. وهنا
يبدو العماد عون مغرّداً خارج السرب البرتقالي «الأكثري»، بحيث تبدو القاعدة في موقع «اللاحقة» به وليس «المواكبة» له. وبتوصيف أدق، هناك جزء من الجسم العوني
مقتنع تماماً بالخيارات الإستراتيجية لـ«الجنرال» لأنه ضمن الدائرة الملتقطة للتحوّلات الكبرى على المستوى الدولي والإقليمي، وجزء آخر لا بد «ان ينشغل عليه
أكثر»، لأنه يبدو مقصّراً عن قراءة الشيفرة العونية.
أما نقطة الضعف الثانية، هي تقصير الماكينة الإعلامية «البرتقالية»، أو ارتكابها هفوات ناتجة عن سوء تنظيم، ما يؤدي إلى تنفيس موقفنا الإعلامي أمام الآخرين،
الذين يحسنون اللعب على الوتر الغرائزي. لكن الورشة التنظيمية القائمة اليوم داخل «الوطني الحر» تَعد، على لسان القيّمين عليها، بعودة تدريجية لـ «تيار التواصل»
بين القاعدة ورأس الهرم، ليس فقط في موضوع السلاح، إنما في كافة الملفات السياسية والتنظيمية.
مع ذلك، الرابية مرتاحة لخياراتها. «الجنرال»، وفق ما ينقل عنه مؤيدوه، يقول ليس بالضرورة ما يحب جمهوره ان يسمعه، إنما ما هو أفضل لمصلحة المسيحيين. وعندما
يذهب بعيداً، تكون المصلحة المسيحية «توأمه». في العلاقة مع «حزب الله»، هناك قناعة لدى رأس الهرم «بأنه في حالات معينة الجمهور العوني سبق قياداته في ملاقاة
جمهور المقاومة». بهذا المعنى، «هناك تحول تاريخي غير مسبوق ولو أنه بطيء وغير ثابت في مزاج الشارع المسيحي» يقول أحد حلفاء عون.
السفير

No comments:

Post a Comment